2 سبتمبر 2010 - 23 رمضان 1431 هـ العدد 11033
الخميس
 
 
  2009-11-05 00:10:05 UAE
  عن الجالية العربية في أميركا
  بقلم :صبحي غندور
 

بدايةً، أشير إلى خصوصية تتّصف بها الجالية العربية في أميركا؛ فأفراد الجالية هم أبناء ثقافة واحدة، لكنهم ينتمون إلى دول وأوطان متعددة، يأتون إلى أميركا التي هي وطن وبلد واحد، لكنه يقوم على أصول ثقافية متعدّدة.


ولهذه الخصوصية انعكاسات مهمة جداً على واقع ودور العرب في أميركا. فهُم في نظر المجتمع الأميركي ـ وحتى المنطقة العربية ـ «جالية واحدة»، بينما واقع الأمر أنّهم يتوزّعون على «جاليات» عربية. وتنشط غالبية الجمعيات من خلال تسميات خاصة بالأوطان، بل بعضها يحصر انتماءه في أطر مناطقية داخل البلدان العربية.


وقد أدّت هذه الخصوصية إلى كثير من المعضلات في دور العرب على الساحة الأميركية. فالتسمية النظرية هي: جالية عربية، بينما الواقع العملي في معظمه هو تعدّد وانقسام، على حسب الخصوصيات الوطنية أو المناطقية أو الطائفية أحياناً، إضافةً طبعاً للصراعات السياسية التي تظهر بين الحين والآخر.


أمّا بالنسبة لثقل العرب في أميركا، فإنّ عددهم لا يتجاوز نسبةً الواحد في المئة من السكان الأميركيين. هناك أكثر من 300 مليون أميركي منهم حوالي 3 ملايين عربي، فواحد في المئة من السكان لا يغيّرون كثيراً من واقع الحال، وإن كان عدد كبير من أفراد الجالية هم أصحاب كفاءات مهنية مهمة.


لكن هذه الكفاءات في حالة عمل فردي أكثر ممّا هو عمل جماعي منظم. هناك ظواهر حركية منظمة أحياناً، لها تأثير موضعي مرتبط بزمان ومكان محدّدين، كحالة دعم عدد من المرشحين العرب في الانتخابات الأميركية، لكن ترشيح أسماء عربية لا يعني بالضرورة أنّها من مؤيدي القضايا العربية.


لقد مضى أكثر من قرن من الزمن على بدء الهجرة العربية لأميركا، لكن رغم ذلك، فإنّ واقع العرب في أميركا استمرّ كمرآة تعكس حال العرب في البلاد العربية.


ولم يستفد العرب في أميركا بشكل عميق من طبيعة التجربة الأميركية، التي قامت وتقوم على الجمع بين تعدّد الأصول الثقافية والعرقية، وبين تكامل الأرض والولايات، في إطار نسيج دستوري ديمقراطي حافظ على وحدة «الأمّة» الأميركية ـ المصطنعة أصلاً ـ وعلى بناء دولة هي الأقوى في عالم اليوم.


إنّ تجربة «مركز الحوار العربي» في واشنطن، تتعامل تحديداً مع هذه المعضلة التي تواجهها الجالية العربية في أميركا، إذ تهتمّ هذه التجربة العربية الفريدة بالشأن الفكري والثقافي، وبالتشجيع على ضرورة الاعتزاز بالهويّة الثقافية العربية المشتركة، وبضرورة القناعة بأنّ وجود تعدّدية فكرية في أيّ مجتمع، تتطلّب أيضاً تعدّدية سياسية في حياته العامة.


وهناك مقارنة خاطئة تتكرّر أحياناً في الإعلام العربي والفكر السياسي العربي، وهي مقارنة حالة العرب في أميركا بحالة اليهود الأميركيين. فالواقع أنّ «العرب الأميركيين» هم حالة جديدة في أميركا، مختلفة تماماً عن الحالة اليهودية. العرب جاءوا لأميركا كمهاجرين حديثاً من أوطان متعدّدة إلى وطن جديد، بينما اليهود في أميركا هم مواطنون أميركيون ساهموا في إقامة وطن (إسرائيل) في قلب المنطقة العربية، أي عكس الحالة العربية والإسلامية الأميركية وما فيها من ضعف الاندماج مع المجتمع الأميركي.


حالة العرب في أميركا مختلفة أيضا من حيث الأوضاع السياسية والاجتماعية، فكثيرٌ منهم أتوا مهاجرين لأسباب سياسية واقتصادية، وأحياناً أمنية تعيشها المنطقة العربية، ممّا يؤثر على نوع العلاقة بين العربي في أميركا والمنطقة العربية. بينما حالة العلاقة بين اليهود الأميركيين وإسرائيل، هي حالة من شارك في بناء هذه الدولة وليس المهاجر (أو المهجّر) منها.


أيضاً، ليست هناك حالة تنافس موضوعي على المجتمع الأميركي. فليست هناك مؤسسات رسمية أو إعلامية أميركية محايدة تتنافس عليها الجالية العربية مع الجالية اليهودية، وهذا بذاته يجعل المقارنة غير عادلة.


إنّ اللوبي الإسرائيلي في أميركا يتعامل مع علاقة واحدة خاصة هي علاقة إسرائيل بأميركا، بينما تتعامل المؤسسات العربية ـ الأميركية مع علاقات عربية متشعبة ومختلفة، بين أكثر من عشرين دولة عربية وبين الولايات المتحدة. إنّ العرب الأميركيين يتعاملون مع واقع عربي مجزّأ، بينما يدافع اللوبي الإسرائيلي عن كيان واحد هو إسرائيل.


من ناحية أخرى، فإنّ للعرب الأميركيين مشكلة تحديد الهويّة وضعف التجربة السياسية، وهي مشكلة لا يعانيها اليهود الأميركيون. لقد جاء العرب إلى أميركا من أوطان متعددة ومن بلاد ما زالت الديمقراطية فيها تجربة محدودة، إضافة إلى آثار الصراعات المحلية في بلدان عربية على مسألة الهويّة العربية المشتركة.


أيضاً، من المهمّ التمييز بين حالاتٍ ثلاث مختلفة: فهناك «أميركيون عرب»، وهم أبناء الجيل المهاجر الأول، و»عرب أميركيون» وهم الأجيال التالية التي لم تذب تماماً بعد في المجتمع الأميركي، لكنها مندمجة فيه بقوّة وتشارك في العمليات الانتخابية، وهناك «عرب في الولايات المتحدة» وهؤلاء لم يصبحوا مواطنين أميركيين بعد.


وبينما نجد أغلب «الأميركيين العرب» غير متواصلين مع البلاد العربية الأم، نرى أنّ الفئة الثالثة غير متواصلة بعمق مع المجتمع الأميركي نفسه، ولكلٍّ من هذه الفئات نظرة مختلفة للحياة الأميركية ولدورها في المجتمع. وأضيف على ذلك أيضاً، تعدّد الانتماءات الدينية والطائفية في الجالية العربية.


فالبعض مثلاً يندفع نحو منظمات دينية وهو ما يستبعد نصف الجالية العربية. فأكثرية الجالية العربية هي من جذور دينية مسيحية، بينما أكثرية الجالية الإسلامية هي من أصول غير عربية.


إذنّ، كلّما كان هناك طرح لفكر عربي سليم بخصوص مسألة الهوية، تعزّزت معه إمكانات هذه الجالية في أن تنجح عملياً وتتجاوز كثيراً من الثغرات.


الجالية العربية في أميركا تعيش محنة ارتجاج وضعف في الهويتين العربية والأميركية معاً. فالمهاجرون العرب، أينما وُجِدوا، ينتمون عملياً إلى هويتين: هوية أوطانهم العربية الأصلية، ثمّ هوية الوطن الجديد الذي هاجروا إليه. وقد تفاعلت في السنوات الأخيرة، خاصّة عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، جملة تطوّرات انعكست سلبياً على الهويتين معاً.


ففي الحالة الأميركية أصبح المواطن الأميركي ذو الأصول العربية موضع تشكيك في هويته الأميركية وفي مدى إخلاصه أو انتمائه للمجتمع الأميركي. وقد عانى الكثير من العرب في عدّة ولايات أميركية من هذا الشعور السلبي لدى معظم الأميركيين، حيال كل ما يمتّ بصلة إلى العرب والعروبة والإسلام.


أيضاً، ترافق مع هذا التشكيك الأميركي ضعف «الهويّة الأميركية» للأميركيين ذوي الأصول العربية، تشكّك ذاتي حصل ويحصل مع المهاجرين العرب في هويّتهم الأصلية العربية، ومحاولة الاستعاضة عنها بهويّات فئوية بعضها ذو طابع طائفي ومذهبي، وبعضها الآخر إثني أو مناطقي، وفي أحسن الحالات إقليمي.


وإذا كان مردّ التشكيك الأميركي في «الهويّة الأميركية» للمهاجرين العرب هو «الجهل»، فإنّ سبب ما يحدث من تراجع وضعف في مسألة «الهويّة العربية» على الجانب الآخر، هو طغيان سمات مجتمع «الجاهلية» على معظم المنطقة العربية، وانعكاس هذا الأمر على أبنائها في الداخل وفي الخارج.


مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن


alhewar@alhewar.com

 

حفظ طباعةأعلى الصفحة


   
 
 
 
 
  ستنام الفتنة بخروج المحتل
ابو احمد - الإمارات
  مثال يحتذى به
محمد حميد - الإمارات
  اهتموا بالمضمون قبل الشكل
ابو احمد - الإمارات
  إسرائيل كيان عدوان لا يتعايش مع السلام
مصطفى عزت الهبرة - الإمارات
  أمن اسرائيل ......و حرمة المسجد الأقصى
محمد محمد نصر محمود - سوريا
  رف يا علم في عالي الساريه رف
بوسعيد - الإمارات
  خير جليس في هذه الدنيا كتاب
عصمت غزال - الإمارات
  فلسفة فارياس
ابو ريان - السعودية
  الاسعار مرتفعة جدا
محمد علي - الإمارات
  كل سنة وانت بالف خير
محمد علي مياسي - الإمارات
 
 
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر 2010