2 سبتمبر 2010 - 23 رمضان 1431 هـ العدد 11033
الخميس
 
 
  2008-02-15 00:01:30 UAE
  التفسير الأميركي الضيق لظاهرة «الإرهاب»
  بقلم :د. عمار علي حسن
 

يوم الاثنين الماضي وجهت وزارة الدفاع الأميركية البنتاجون تهما إلى ستة أشخاص من المعتقلين لديها في جوانتانامو، ويشتبه بأنهم مرتبطون بشكل مباشر بهجوم 11 سبتمبر، في مقدمتهم خالد شيخ محمد الذي يشتبه في أنه العقل المدبر لهذا الهجوم ورمزي بن الشيبة، ما يعني أن حكم الإعدام ينتظرهم جميعا.


عند هذا الحد فإن الأمور ليس فيها جديد، رغم الانتقادات اللاذعة الموجهة إلى مجالس جوانتانامو العسكرية التي وجهت الاتهام، وهي أول محاكم أميركية لجرائم حرب منذ الحرب العالمية الثانية، وتعمل حاليا بموجب قانون أقره الكونجرس في عام 2006، بعدما أبطلتها المحكمة العليا الأميركية في شكلها الأول.


لكن الجديد والمثير للعجب في الوقت ذاته هو ما جاء في ثنايا حيثيات الاتهام أو ما طرحه بعض المسؤولين الأميركيين في تعليقهم على الحكم، أو التغطيات الإعلامية لهذا الحدث. فجميع تلك الفعاليات أظهرت أن الرؤية الأميركية لظاهرة الإرهاب الدولي، المرتبطة لدى واشنطن حتما بمسار «الإحياء الإسلامي»، لم تتغير، رغم العيوب والثقوب التي لحقت بهذه الرؤية الأحادية على أرض الواقع.


فبعد حدث 11 سبتمبر الفارق تنازعت ثلاث رؤى، تصمها نقائص عدة، تقويم الغرب عامة، والأميركيين خاصة، لصعود حركة «الإحياء الإسلامي» في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في شقها ذي الطابع الدولي الذي تعدى حدود البلاد التي نبت في تربتها، وساح في مناطق عدة على سطح البسيطة تتوزع على قارات خمس تقريبا،


وتمعن في تحدي القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر في عالمنا المعاصر وهي الولايات المتحدة، على مستويات تمتد من القيم إلى السياسات، ومن السلوك اليومي إلى الاستراتيجيات البعيدة. والرؤية الأولى نظرت إلى هذه الحركة على أنها رد فعل لسياسة واشنطن الداعمة بشدة لإسرائيل، والمصرة بقوة في الوقت ذاته على قضم حقوق العرب إن لم تكن أهانتهم.


ويقف نعوم تشومسكي على رأس متبني هذه الرؤية. والثانية تحدثت عن هذه الإحيائية بوصفها تمثل جوهر «صدام حضاري» بين المسلمين والغرب، ويقود صمويل هنتنغتون من يتمسكون بهذا الاتجاه، الذي زادت أسهمه بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن، خاصة أن هذا التصور رشح بقوة على خطاب الخصمين اللدودين، وهما الولايات المتحدة و«تنظيم القاعدة»،


حتى أنهما تطابقا عقب 11 سبتمبر مباشرة حين تحدث بوش عن «حرب صليبية» وأعاد أسامة ابن لادن كلامه المعتاد عن «محاربة الصليبيين». أما الرؤية الثالثة فتتعامل مع الإحياء الإسلامي على أنه رد ثقافي ـ نفسي يتماس مع دوائر سياسية واجتماعية واقتصادية أوسع على «الحداثة»، التي حمل الغرب لواءها، وهز بها رواسب ماضوية في الشرق الأوسط وغيره.


ويدافع باول بيرمان عن هذا الفهم لحالة الاحتقان بين الجناح العنيف من الإحيائية الإسلامية والغرب، خاصة الولايات المتحدة. وهذه الرؤى بنيت في جوهرها على تحليل خطاب زعماء «تنظيم القاعدة»، قبل 11 سبتمبر وبعده، وإن كانت تتلاقى في بعض الجوانب مع طروحات غربية قديمة بذلت ما أمكنها من جهد في تفسير أسباب صعود الحركة الإسلامية، بجناحيها المعتدل والمتطرف، لكنها فشلت في أن تقدم أجوبة جامعة مانعة في هذا المضمار.


وفي حقيقة الأمر فإن «صدمة الحداثة» و«صدام الحضارات» و«الثأر من الولايات المتحدة»، ليست كافية كمداخل للوقوف على حقيقة ما دفع أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأتباعهما إلى السير على درب مواجهة الولايات المتحدة.


فبالنسبة للأول على الأقل فإن هذه الثلاثية كانت موجودة حين كان ابن لادن حليفا ظاهرا لواشنطن إبان حركة «الجهاد» ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. أما الثاني فظل عدة عقود مشغولا بمحاربة «العدو القريب»، الذي يعني تحديدا النظام الحاكم في مصر، ولم يكن موقفه من الولايات المتحدة يتعدى حدود الاحتقان النفسي الناجم عن تأييدها السافر لإسرائيل، ووقوفها، في الوقت ذاته، خلف النظام المصري.


نعم غذت سياسات الولايات المتحدة المتحيزة لإسرائيل، الجائرة على العرب، حالة الغضب داخل كثير من الجماعات الإسلامية، الراديكالي منها والمحافظ، وساهمت، إلى جانب قمع الأنظمة الحاكمة وتسلطها، في توجه بعض فصائل الحركة الإسلامية إلى العنف، وتحولها من «الداخل» إلى «الخارج»، سواء على مستوى التواجد أو تحديد الأهداف، وبمعنى أكثر دقة «تعيين العدو».


لكن هناك من تحدث عن خصائص بنائية تجعل القطاع الأكبر من الحركة الإسلامية، لا سيما تلك التي تأخذ بعدا دوليا، تطرح نفسها «بديلا استراتيجيا» لما هو سائد، سواء على مستوى كل قطر عربي وإسلامي على حدة، أو كقوة عالمية بديلة.


فالإسلام «دين عالمي» ونصه الأول المؤسس وهو «القرآن» يجذّر تصورات ذات طابع أممي، تتجاوز حدود اللون والجنس واللغة والجغرافيا والزمن، وتجعل معيار التفرقة الوحيد بين البشر هو «التقوى»، وتحض دائما على «الدعوة» التي تعني التبشير بالدين الإسلامي، و«الجهاد» الذي يعني مقاومة أي عدوان على المسلمين، أيا كان موقعهم ومكانتهم، وحماية ثغور الدول الإسلامية.


وهذه الطبيعة البنائية أوجدت في الظروف العالمية الراهنة ما وجه «تنظيم القاعدة» إلى منازلة «العدو البعيد» وهو الولايات المتحدة، لكنها لا تنتج في حد ذاتها، كما يتصور بعض الباحثين وصناع القرار في الغرب، عنفا عشوائيا أو منظما.


فالطبيعة ذاتها متجذرة في عقول بقية المسلمين ونفوسهم، إلا أنهم جميعا لا يسيرون في الطريق ذاته الذي سار فيه «تنظيم القاعدة» والتنظيمات والجماعات المتطرفة التي ترفع من الإسلام شعارا سياسيا لها. ومن ثم فإن طروحات من قبيل «صدام الحضارات»،


التي تعني في غايتها وضع العالم الإسلامي برمته، دون أي سند من حق أو مسوغ من عدل، في موقع «العدو»، لن تقدم حلا ناجعا لمشكلة الإرهاب، ولن تحقق الأمن للولايات المتحدة، أو تسمح لها بأن تقنع العالم بأنها «قائد العولمة»، في مختلف أوجهها.


ويكمن الحل الناجع في حزمة من الإجراءات المتكاملة، أولها كف الولايات المتحدة عن مساندة العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، والعمل بجدية في سبيل حل القضية الفلسطينية. وثانيها امتناع واشنطن عن مساندة نظم حكم غير ديمقراطية في العالم العربي،


بما يسمح بتغيير سياسي وتحديث اجتماعي ذاتي، ينهي حالة الاحتقان من هذه الأنظمة، والتي انعكست في جانب من كراهية الولايات المتحدة، إذ تنظر أدبيات الرعيل الأول من الحركة الإسلامية إليها بوصفها داعما لحكومات تقهرهم، وهو التصور الذي لا يزال سائدا.


وهنا تنبع ضرورة فتح الطريق أمام احتواء الحركة الإسلامية وليس إقصاءها واستهجانها مثلما هو قائم الآن، شريطة تخليها التام عن العنف، في الداخل والخارج، وتسليمها بقواعد مدنية للحكم تقوم على تداول السلطة واحترام حرية التعبير.


أما ثالث هذه الإجراءات فيتمثل في «تعميق فهم الدين الإسلامي» وليس إقصاءه أو تنحيته أو محاربته، فهذا أمر غير ممكن وسيجابه بمقاومة شرسة. وهذا التعميق يجب أن يناط بالفقهاء المعتدلين من المسلمين، الذين يلاقون قبولا لدى الناس، ويعون مستجدات العصر، ولا يفرض من الخارج، في شكل مطالب تنطوي على إجبار مبطن بتعديل مناهج التعليم الديني.


مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة

 

حفظ طباعةأعلى الصفحة


   
 
 
 
 
  ستنام الفتنة بخروج المحتل
ابو احمد - الإمارات
  مثال يحتذى به
محمد حميد - الإمارات
  اهتموا بالمضمون قبل الشكل
ابو احمد - الإمارات
  إسرائيل كيان عدوان لا يتعايش مع السلام
مصطفى عزت الهبرة - الإمارات
  أمن اسرائيل ......و حرمة المسجد الأقصى
محمد محمد نصر محمود - سوريا
  رف يا علم في عالي الساريه رف
بوسعيد - الإمارات
  خير جليس في هذه الدنيا كتاب
عصمت غزال - الإمارات
  فلسفة فارياس
ابو ريان - السعودية
  الاسعار مرتفعة جدا
محمد علي - الإمارات
  كل سنة وانت بالف خير
محمد علي مياسي - الإمارات
 
 
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر 2010