جذور

مالك بن فهم الأزدي .. بين حقائق التاريخ والقَصَص الشعبي (2-2)

غالباً ما تأخذ الرواية الشعبية للحوادث المتعلقة بهجرة الأزد منحى تمجيديّاً لقبائل معيّنة. وهذه الذّاكرة ليس لديها إلا فكرة مشوّشة ومحدودة عن الوقت. فالزّمن لديها منقّط بحوادث كبرى تُتّخذ عادةً بدايات للتّاريخ أو التّوقيت.

ويبدو أنّ الرّواية المحلّية تناقلتْ مثل هذه القصص والحكايات عبر الأجيال حتّى تسنّى لها مَن يجمعها إمّا مشافهة من رواتها، وإمّا من خلال ملخّصات وسِير خاصّة ضاع معظمها مع مرور الزّمن. وأصبح الشِّعر ركناً رئيساً في عمليّة تمجيد كلّ ما هو أزديّ.

رواية شعبية

الميول القبليّة للرّواة ظاهرة وبيّنة وجليّة على كثير من رواة القرنين الأوّل والثّاني الهجريّين وليس فقط في الذّاكرة الشّعبيّة. وإضافة إلى ذلك، فإنّ معظم المرويّات المحلية الخاصّة بالفترة الجاهليّة اعتمدتْ على الذّاكرة الشّعبيّة؛ لأنّ الفترة الجاهليّة لم تترك تراثاً أدبيّاً مكتوباً.

وبالتّالي ظلّ الأسلوب القصصي شبه التّاريخي يخلو من أيّ نظرة تاريخيّة. وحتّى مع ظهور الإسلام ظل التّيّار القبلي محتفظاً بمسيره، وظهر عدد من الرواة القبليّين أو المتأثّرين بالنّزعة القبليّة، ويمكن أن نطلق على مثل هذه الأخبار «القَصص الشّعبي»، التي تتمحور موضوعيّاً حول الآداب البطوليّة الملحميّة القائمة على السّرد القصصي الشّعري أو النّثري أو على كليهما، ويمتزج فيهما المأثور التّاريخي بالموروث الشّعبي بالمأثور الفولكلوري وبناء على كلّ ذلك الاندماج يختلط الواقع بالخيال أو بين الحقيقة والأسطورة.

ولا يمنع أن تسمّى مثل هذه المرويّات بالسّير الشّعبيّة مع أن رواتها وناقليها لا يعون مثل هذه الفروق الأدبيّة والعلميّة، لذا يعدّونها ضمن تاريخ العرب، وهم في مرويّاتهم هذه يؤكّدون صفة البطل الملحمي.

مكان بارز

وقد احتلّت مثل هذه السّير مكاناً بارزاً بين التّراث الأدبي العربي عامّة والمحلّي خاصّة، ومن الجدير بالذِّكر، أنّ هذه الملاحم تدور حول شخصيّات تاريخيّة لكنها تعاد صياغتها بصياغة ملحميّة بطوليّة لها وقائع وانتصارات وأخبار.

وغالباً ما تتقولب هذه الشّخصيّات في قوالب قبليّة لها قوّة جسديّة هائلة وشجاعة فائقة واستعداد مطلق لمواجهة الخصوم، ما يجعل من البطل نموذجاً بالغ الذّروة في الكمال والجمال والقدرة والمثال.

وقد ظلّت هذه السِّيَر متناقلة شفويّاً عبر الأجيال، وكل جيل يضيف عليها ما يناسبه من مُثل، وعادةً ما تدوّن مثل هذه السِّيَر وتنسب إلى قائل معيّن دون إيراد اسمه، وأحياناً يكونون أكثر من قائل أو راوٍ عبر العصور، وقد استوعبتْ هذه القصص كلّ المرويّات التّاريخيّة الأسطوريّة التي كانت سائدة قبل الإسلام، وتاريخ العرب الشّفاهي من العصر الجاهلي حتى الفترة الإسلاميّة، ومزجتْ كلّ هذا الخليط في حكاية واحدة.

أخبار وحوادث

لا يمكننا أن نسمّي هذه الحكايات تاريخاً بل هي عبارة عن أخبار عن حوادث بارزة لا تتضمّن أي تحديد في الزّمن وغالباً ما تحتوي وصفاً كثيراً للقتال، وهي أمتع مادّة للقراءة والسّماع، كما تستشهد كثيراً بالأشعار كنوعٍ من التّعبير الفنّي، وهي غالباً ما تروى بشكلٍ حسّي.

ومثل هذه الملاحم انتقلتْ مع انتقال الذاكرة الشعبيّة من جنوبي شبه الجزيرة العربيّة وقد تأصّلتْ مع مرويّات وهب بن منبّه وغيره، التي خلطتْ تاريخ اليمن بالأساطير والمبالغات، وبالتّالي فكما وضعتْ الرّواية المحلّية اليمنيّة قصصاً وبالغتْ في الأحداث، فلا يُستَبعد أيضاً أن يحدث الشّيء نفسه في الموضع الآخر الذي هاجرتْ إليه قبائل الأزد اليمنيّة، فكانت المبالغات في الأعداد والأرقام والسّنوات، والأوصاف، ما جعل شيئاً من الصّعوبة في استجلاء الحقيقة التّاريخيّة علماً بأنّ كلّ هذا القَصَص يعتمد على حدث تاريخي حصل في العصور الغابرة.

نهاية مالك

أشرنا سابقاً إلى ما أوردتْه المصادر المحلّيّة حول الإحن بين أبناء مالك، وانتهاء الأمر بوفاة مالك برمية خاطئة من ابنه في لحظة لم يعرفه فيها، فلمّا علم أنّ سليمة راميه، قال شعراً منه أشهر بيتين هما:

جزاني لا جزاه الله خيراً سليمة إنّ شرّاً جزاني

                               أعلّمه الرّماية كلّ يوم فلمّا اشتدّ ساعده رماني

فلمّا قال هذين البيتين مات، وهرب سليمة، وحتّى هذا البيت المنسوب لمالك بن فهم لم يسلم له، إذ نازعه في النّسبة إليه آخرون، فهو لمعن بن أوس، أو لمالك بن فهم أو لعقيل بن عُلّفة بن الحارث بن معاوية اليربوعي المرّي الضّبابي الذّبياني، أحد شعراء الدّولة الأُمويّة.

والبيت في ديوان معن بن أوس، وله قصّة، إذ كان معن رجلاً كثير الإبل، وكان له ابن يقال له حبيب، فأتاه ابن عمّ له يقال له فضالة بن عبدالله، فقال له: يا حبيب هل لك أن تخرج بنا إلى الشّام ونأخذ إبلاً من إبل أبيك، فقال: نعم، فخرجا إلى الشّام فطُعِن حبيب فمات ورجع ابن عمّه فضالة، فقال معن في ذلك قصيدة من ثمانية أبيات يأتي فيها هذا البيت قبل الأخير، والشّاعر من مزينة، وهو شاعر فحل، من مخضرمي الجاهليّة والإسلام، توفّي نحو عام 64 هـ .

ومِن الجدير بالذِّكر أنّ محقّقَي الديوان قسّما شعر معن في هذا الدّيوان إلى ثلاثة أقسام: الأوّل شعر برواية أبي علي القالي، والثّاني شِعر معن في غير الدّيوان اعتماداً على ما هو مذكور أو منسوب إليه في تلك المصادر، والثّالث ما نُسب لمعن من الشِّعر أو لغيره من الشّعراء، وهي خمسة أبيات لم تثبت نسبتها إليه. وفي تخريج القصائد والأبيات أدرج المحقّقان الأبيات حسب الأقسام الثّلاثة المشار إليها آنفاً، وكانت القصيدة رقم 8 ومن ضمنها البيت محلّ النّقاش، وجعلاها ضمن القسم الأوّل بمعنى جزْمهما بنسبة البيت إلى قائله معن بن أوس.

وأشارا إلى أنّ الأبيات من 1 إلى 7 هي في الأصل موجودة في ديوان معن حسب رواية أبي علي القالي. ونَسبَ هذا البيت نفسه لمعن مؤلِّف سيرته وحياته كمال مصطفى «معن بن أوس: حياته شعره أخباره»، والبيت منسوب لمعن عند الجاحظ في «البيان والتّبيين».

ونسبه إلى معن كذلك الخالديّان (أبو بكر محمّد، وأبوعثمان سعيد ابني هاشم ابن وعلة القيسيان) في كتابهما «الأشباه والنّظائر من أشعار المتقدّمين والجاهليّين والمخضرمين»، والنّويري في «نهاية الأرب»، وابن الحسن البصري في «الحماسة البصريّة»، والآلوسي في «بلوغ الأَرب في معرفة أحوال العرب» وغيرهم.

ويورد ابن منظور في «لسان العرب» البيت وينسبه إلى الثّلاثة المحتمَلِين، دون أن يرجّح أيّاً منهم. كما يورد ابن بري في كتاب «التّنبيه والإيضاح عمّا وقع في الصّحاح» البيت ويقول: «البيت يُنسَب إلى معن بن أوس قاله في ابن أخت له. وينقل عن ابن دريد نسبته البيت لمالك بن فهم»، ثمّ يقول إنّه رأى البيت في شِعر عقيل بن عُلّفة يقوله في ابنه عميس حين رماه بسهم، وبعده:

فلا ظفرت يمينك حين ترمي

                      وشَلّتْ منك حاملـــة البنــان

أمّا الزّبيدي في «تاج العروس» فيورد البيت في موضعين، وفي الموضع الأوّل يذكر الأقوال الثّلاثة، وفي الموضع الثّاني بلا نسبة. وأورد البيت نفسه الخليل بن أحمد في كتاب «العين» بلا نسبة، وهو كذلك عند الزّمخشري في «أساس البلاغة»، وأبي منصور الثّعالبي، والرّاغب الأصفهاني، وابن حمدون. وينقل أبوعبيد عن أبي بكر بن دريد نسبة البيت إلى مالك بن فهم، مع إشارته لحكاية ابنه سليمة، ولكنّه قال: «رماه بسيف»، وأنّ الحادثة كانت على أرض الحيرة.

خلاصة

مالك بن فهم بلا شكّ لم يكن شخصيّة مختَلَقة بل كان له حضور في تاريخ العرب قبل الإسلام، هاجر مع قومه من الجنوب إلى إقليم عُمان فأقام فيها مدّة ثمّ ارتحل إلى البحرين، ثمّ استقرّتْ به عصا التّرحال في بلاد العراق، وهناك لقي حتفه ونهايته.

وأمّا بقيّة الأحداث والسّنوات الطّوال والأعمال العظيمة ما هي إلا كقصص أبي زيد الهلالي، وعنترة بن شدّاد، وسيف بن ذي يزن، وأمثالها ممّن وعتْها الذّاكرة الشّعبيّة المحلّيّة، فأضافتْ وعدّلتْ ومزجتْ وخلطتْ ونقلتْ وحذفتْ، وأخذتْ ما للابن للأب وما للأب للحفيد، وهكذا. وستبقى هذه المرويات من أخبار الذّاكرة الشّعبيّة حتى تظهر لنا مصادر جديدة موثوقة نعلم من خلالها حقيقة هذا الفاتح والزعيم القبلي الكبير.

 

العرب في عُمان قديماً

مرّ الوجود العربي في المنطقة بثلاث مراحل؛ الأولى أثناء الحكم الأخميني الممتدّ بين عامَي (555 و332 ق.م)، وهي فترة كان الإقليم يعرف فيها بـ«ماكا»، وكان سكّانه من العرب، ولكن لم يتبيّن لنا من النّصوص أو المصادر القديمة طبيعة هذا الحضور العربي، ومَن هم أولئك العرب الذين كانوا يقيمون في الإقليم، وهل هاجروا إليه من مواضع أخرى في بلاد العرب أم كانوا من قاطنيه الأصليين؟

والثّانية، خلال الحكم «الپارثي»، وهنا تقدّم لنا الآثار العديد من الشّواهد الكتابيّة والمعالم العمرانيّة، وقد شهدتْ هذه الفترة ما يُعرف بهجرة قبيلة الأزد إلى عمان، إضافة إلى العديد من القبائل العربيّة الأخرى. أما الثّالثة، فكانت خلال الحكم السّاساني، وهي أشهر الفترات وأكثرها معلومات.

صفحة متخصصة بالتراث والبحث في مفردات المكان

 

لقراءة الحلقة السابقة :

ـــ مالك بن فهم الأزدي.. بين حقائق التاريخ والقصص الشعبي (1-2)

طباعة Email
تعليقات

تعليقات