التوطين في الإعلام... كلام

مؤسساتنا الإعلامية تشحذ الكوادر الوطنية. ربما في الظاهر لا تبدو هذه المؤسسات فقيرة من حيث عدد المنتسبين إليها من المواطنين، ولكن في الواقع الميداني، وفي صالات التحرير، وغرف الإنتاج، فإن الفجوة لا تزال كبيرة بين الشعار وواقع الحال. وقياساً بعمر مؤسساتنا الإعلامية، فإن عدد الكوادر والكفاءات الوطنية في الأقسام التحريرية والإنتاجية الفنية، لا يزال ضعيفاً. وقياساً بحجم التطور المهني والتقني الذي تنجزه هذه المؤسسات في سباقها مع التحديث والتطوير، فإن إنجازها على صعيد التوطين النوعي للمهنة لا يزال بطيئاً، وغير متناسب مع وتيرة ذلك السباق.

أين الخلل؟، هذا هو السؤال الذي ربما يلاحق تعثر عملية التوطين في كثير من المهن ذات المتطلبات الاحترافية.

والذي يبدو من سير الأمور، أن الخلل مزدوج الاتجاه. النظام التعليمي العالي الذي أشبعنا كلاماً عن «تلبية حاجة السوق»، ولا تزال الكثير من المهن تشكو نقص حاجتها من المواطنين، وسط بحر الوظائف المستحدثة في الكثير من القطاعات المهنية. والمؤسسات الإعلامية التي لا تزال تفتقد إلى خطط حقيقية لاستقطاب وتأهيل كوادر إعلامية وطنية تحترف صناعة الإعلام، بدلاً من أرقام ووجوه تعرضها في قاعات المؤتمرات والمنتديات العامة لتحسين الصورة.

في ما يتعلق بالتعليم العالي، تبدو كليات الإعلام والصحافة في وادٍ، وحاجة السوق، كما يسمونها، في وادٍ آخر، إلا إذا اعتبرنا الصحف والقنوات والإذاعات ليست من السوق، مئات الخريجين والخريجات من أقسام التصميم والغرافيك، أصبح العديد منهم في قوائم الانتظار للتوظيف، نظراً «لتشبع السوق». وأعداد أخرى اختارت الصحافة، ولكنها تلقتها باللغة الإنجليزية، وعندما بلغت مرحلة التوظيف، اكتشفت عجزها عندما اصطدمت بواقع أنها في مجتمع عربي، والمتلقي عربي، وأكبر المؤسسات الإعلامية لسانها عربي، فما وجدت أمامها غير الوسائل الناطقة بالإنجليزية، التي لم يوفر أكثرها جهداً في الصد والرد.

أما المؤسسات والوسائل الإعلامية الوطنية، فلا تزال حصص الكوادر الوطنية فيها تراوح في مكانها منذ سنوات. بل ربما ضعفت النسب وقلت الكوادر. وبالرغم من رغبة بعض الإدارات في توسيع قاعدة التوطين في أقسام التحرير والإنتاج الفني، إلا أن هذه الرغبة تبقى في حدود الجهود الفردية، دون خطط مبرمجة ومفصلة. ولذلك، تصطدم هذه الرغبات بكثير من المنغصات الإدارية، وأهمها، هياكل الرواتب والامتيازات. بينما تفضل إدارات «الجاهز»، بدلاً من إضاعة الوقت في تدريب وتأهيل الخريج المواطن.

وفي حال استمر الحال، فإن كلامنا عن التوطين في الإعلام، يبقى مجرد كلام.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات