من المجالس

قطر.. وهم القوة

تواصل القيادة القطرية التجديف بعيداً عن محيطها الطبيعي، مختارة التيه في المجهول، وسحب الوطن والمواطن القطريين إلى خضم بحار تتربص فيها حيتان متلهفة لابتلاع الصغار الشاردين. فلا حسابات مفهومة مسائلها، ولا رؤية واضحة لدى أصحابها غير العزف على وتر السيادة الذي ذهبت معالمها مع ريح الاستقواء بالأجنبي «المتمصلح»، والاحتماء بعباءة العدو الفتان المتربص.

فقد دأبت الدوحة على القفز على واقعها، وبناء تحالفات بعيدة عن محيطها، وهي بذلك تحاول القفز على عمقها الاستراتيجي العربي، متوهمة عمقاً استراتيجياً توفره سراديب الأجندات الأجنبية، ووعوداً ترسم خيالات لواقع جغرافي ممزق يسقط فيه الكبار، ويصعد بعده الصغار بدعم من مؤسسات العولمة التي رسمت عالماً لا رأس فيه يعلو على رأس المؤسسة العالمية الحاكمة.

وعندما توغل الدوحة في تعزيز القطيعة مع أشقائها، وتصر على المضي في سياسة التفرد والكيد، ثم تبالغ في استعدائهم باتباع سياسة «الغياظ» والاستفزاز عبر الوقوع في غرام «إيران الشريفة»، فهي بذلك تضع شفرتها على آخر شعرة في طريق خروجها من عزلتها.

ربما يكون لذلك مسوغ على أساس مبدأ القوة لو كانت الدوحة تمتلك أي عنصر من عناصر القوة، عسكرياً أو سياسياً أو جغرافياً أو سكانياً. فحتى الدول التي امتلكت كل أسباب القوة هذه لم تخنها الحكمة يوماً لتقرر معاداة كل محيطها والسعي لإضعافه، على الأقل من باب خطوط الدفاع التي لا توفرها حدود جغرافية مباشرة مهما اتسعت رقعتها، ومبدأ المصالح المتداخلة والمنافع المتشابكة التي لا تعوضها التحالفات الطارئة والزيجات المؤقتة.

ولذلك عندما تبني الدوحة منظومة تحالفات تظن أنها يمكن أن تكون بديلة لانتمائها الطبيعي دون أن تمتلك من أسباب القوة والندية مع شركائها الجدد في ذلك التحالف فإنها توقّع بذلك على وثيقة اضمحلال الدولة وذهاب السيادة إلى غير رجعة.

الحقيقة الساطعة التي لم تستطع أن تخفيها كل الغرابيل أن السيادة العربية كل لا يتجزأ، ولا يمكن لدولة أن تتطاول على سيادة دول وأقطار أخرى، وتجعل عاصمتها ملجأ لكل راغب في النيل من سيادة واستقلال الأقطار الأخرى، ومعملاً لتخريج القوى الضاربة لاستقرار الأشقاء، وإعلامها منبراً لإثارة الفتنة والفوضى ونشر الأكاذيب، ثم تصر مستكبرة على رفض التنازل عن أي من هذه السلوكيات بحجة ممارسة السيادة، متوهمة قوة لا تمتلك أياً من أسبابها.

القوة الحقيقية هي أن تمتلك الدوحة الشجاعة وتستدير لتواجه الواقع وتمنح الفرصة لأشقائها لإخراجها من دوامة القوة الواهمة، وتحريرها من مستنقع الأجندات والإملاءات الخارجية الخبيثة.

aalhosani@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات