من أي العرب نحن؟

من أي عرب أنتم؟ هل كان هذا السؤال هو أصل ثقافة تصنيف الناس ووضعهم في قوالب نمطية في مجتمعات العرب والمسلمين اليوم؟ من ذاك السؤال عن الأصل والفصل تفرعت الأسئلة وتطورت التصنيفات بحكم تطور المراحل وتغير معامل التفكير. وصارت الأسئلة اليوم أقرب إلى الاستفهام المباشر، وأحيانا غير المباشر، إلى أي الاتجاهات تميل، وأي الأفكار تحمل، وربما أي الأحزاب والتنظيمات تفضل؟

في مرحلة ما تسمى بفترة حركة التحرر العربي كان التصنيف بين يسار ويمين، واشتراكية ورأس مالية، فدارت منازلات كانت أسلحتها التهم بالإلحاد أو الرجعية، ووصلت إلى الوصم بالعمالة والتبعية للاستعمار.

وفي فترة ما أطلق عليها «الصحوة الإسلامية» انشطر التصنيف بين إسلامي وعلماني، فحمي الوطيس بينهما حتى أشعل جملة من الحروب والمعارك التي تجاوزت الفكر إلى السلاح في بعض الأقطار وداخل الطوائف نفسها أحيانا.

والآن، في مرحلة اختلاط الحابل بالنابل، دخل التطرف والتكفير والإرهاب والطائفية تحت لافتة مزيفة للإسلام ومزاعم باحتكار المقاومة، وفي مقابله الليبرالية والديموقراطية والمدنية في مقاربات لا تخلو من جور على مفهوم الحرية والتسامح، حتى وصلنا إلى مرحلة تفتيت النسيج المجتمعي في بعض البلاد تحت علم الطائفة ومراجعها بدلا من أعلام الدول ورايات الأوطان.

كل هذه مشتركات في أحداث التقسيم داخل المجتمعات العربية والمسلمة، وزيادة الانقسام، بل وتطويره من بدائية السؤال عن الأصل، إلى تعميق الفكرة، وتأطير الفكر، ليكون الانقسام وكأنه سمة أساسية في تركيبة شخصية العربي والمسلم بشكل عام.

هذا الانقسام تساهم فيه مؤسسات وشخصيات من داخل المجتمعات، كل منها يدعي الحق المطلق، ويزعم انه يمتلك الحقيقة المطلقة، وكل من هؤلاء يقع في جريرة الاتهام الذي يكيله للآخر بالأحادية والتعالي ورفض التعدد الثقافي والفكري، في عنصرية فكرية ورثت ما سبقها من عنصريات إثنية وقبلية، وزادت عليها بالتنظير والفلسفة وكثير من الاستعراض.

لا نشكو شللا فكريا، ولا نعدم حراكا ثقافيا، ولا ينقصنا موروث ديني أنار للعالم دروب الظلام، ولا تخلو ديار العرب والمسلمين من نماذج لشخصيات تصنع الأمل وتنثر الحب وتبشر بالقادم، ولكن تنقصنا الثقة ببعضنا البعض، ويأخذنا الشعور بالشك والريبة فيما بيننا، ولا نزال نفضل أن نكون آذانا تتلقى على أن نكون قلوبا تستشعر وعقولا تفكر.

من أي العرب نحن؟ هذا ما يجب أن يكون السؤال الجامع المانع إذا أردنا أن نجعل الإجابة بالقبول والتسامح والرغبة في النهوض هي الهاجس الأكبر بعيدا عن عنصريات الأصول وعوازل الأفكار والانتماءات وسجون الكراهية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات