العثمانيون الجدد «4 - 4»

ازدواجية تركيا دعم بلا حدود لإسرائيل وانتقاد للآخرين

أردوغان وشارون.. أسسا لعلاقات راسخة بين تركيا وإسرائيل | أرشيفية

يتناول ملف «العثمانيون الجدد»، بالتفاصيل، حقيقة الازدواجية التركية في تعاملها مع العرب، واستغلالها الاضطرابات التي شاركت تركيا بنفسها في إحداثها في الدول العربية، من أجل تعزيز نفوذها في خطين متوازيين، الأول عبر دعم الخطاب المتطرف الإرهابي إعلامياً عبر منصات الدعاية، وعلى الأرض عبر القواعد العسكرية.

والثاني عبر تعزيز العلاقات مع إسرائيل والزعم بعكس ذلك في الإعلام، وكيف أضاف الرئيس التركي رجب أردوغان الزخم والقوة للعلاقات مع إسرائيل في جميع المجالات، كما يلقي الضوء على التعاون العسكري مع إسرائيل من خلال 60 اتفاقية عسكرية بين البلدين.

يزيح الملف الستار ويكشف المسكوت عنه في مساعدة أردوغان للطيران الإسرائيلي خلال الحروب الثلاث ضد قطاع غزة، والكميات الضخمة من الأسمنت والحديد التركي التي ساهمت في تشييد المستوطنات، وهو ما يوضّح ازدواجية المواقف والتصريحات التي تصدر من النظام التركي.

لعل السؤال الذي شغل الكثيرين منذ قيام إسرائيل هو، من الذي دعم قيام دولة إسرائيل وتعزيز قوتها بين جيرانها بعد ذلك، الولايات المتحدة الأمريكية أم بريطانيا؟

وكان الحديث دائماً عن الدعم العسكري والاقتصادي الأمريكي لإسرائيل بعد العام 1967، ومساعدة بريطانيا لتعزيز وجود الإسرائيليين في فلسطين قبل عام 1948، إلّا أنّ الحقائق تؤكد أن دور بريطانيا في دعم قيام إسرائيل قبل 1948، ودور أمريكا فيما بعد 1967 كان أقل بكثير من الدور التركي الذي بدأ منذ نهاية القرن التاسع عشر، بالدعم الكامل وغير المشروط من جانب السلطان عبد الحميد الثاني لقيام إسرائيل.

والذي مهّد لتسليم فلسطين للحركة الصهيونية. وظلّت العيون التركية ساهرة على رعاية الإسرائيليين في فلسطين حتى تحقق قيام دولتهم، فسارعت تركيا للاعتراف بإسرائيل في 28 مارس 1949 بعد شهور قليلة من قيامها.

وبذلك تكون تركيا أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل، وحوّلت مبكراً الصراع من إسلامي إسرائيلي إلى عربي إسرائيلي، وأخرجت كل الدول الإسلامية غير العربية من المعادلة لصالح إسرائيل، وهو ما ظهر بعد ذلك في توسط تركيا لبناء علاقات إسرائيلية مع الدول الإسلامية غير العربية وبخاصة في آسيا وآسيا الوسطى.

ومن خلال اتفاق «الميثاق الشبح» وقفت تركيا بكل مؤسّساتها العسكرية والاستخبارية لدعم إسرائيل في جميع حروبها ضد الدول العربية وبخاصة حربي 1967 و1973، لكن الزخم والقوة اللذين قدمهما أردوغان للعلاقات التركية الإسرائيلية بعد توليه الحكم عام 2002، كان بمثابة «النقلة الاستراتيجية» الكبرى.

ووفق دراسة نشرها مايكل إيزنشتات في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط في 24 يوليو 1997، وأخرى نشرتها مجلة جامعة ديوك في كارولينا الشمالية.

فإن تركيا قدّمت دعماً عسكرياً واستخبارياً لإسرائيل في كل حروبها ضد الدول العربية. وتقول الدراسات والمقالات، إنّ تل أبيب وأنقرة وقعتا في العام 1958، اتفاقاً سرّياً وتعاوناً وشراكة عسكرية واستخباراتية أطلق عليه «الميثاق الشبح»، تساعد تركيا بموجبه إسرائيل ضد الدول العربية، مقابل مساعدة إسرائيل لتركيا للوقوف أمام أنشطة الاتحاد السوفييتي في البحر الأسود وآسيا الوسطى.

طرد العرب

أكدت مجموعة من المراجع التاريخية، أبرزها دراسات إبراهيم أبو لغد «تهويد فلسطين، ويوميات هرتزل»، وأمين مسعود أبو بكر «ملكية الأراضي في متصرفية القدس (1858 – 1918)»، وأوري أفنيري «الاستيطان اليهودي والعرب (1878 – 1948)»، وعمران أبو صبيح «الهجرة اليهودية، حقائق وأرقام»، ونجيب عازوري «يقظة الأمة العربية»، أنّ السلطان عبد الحميد الثاني (1876 - 1909) الذي يريد أردوغان العودة لأملاكه في ليبيا والعراق وسوريا، زاد من هجرة المستوطنين إلى فلسطين في عهده إلى ثلاثة أضعاف مما كان قبل وصوله للحكم.

وزاد عددهم من 5 إلى 11 في المئة من إجمالي سكان فلسطين. ومن يتصفح تلك المراجع وغيرها يتأكّد أن السلطان عبد الحميد الثاني هو السبب الحقيقي في تمكين المستوطنين اليهود في فلسطين من خلال طرد السكان العرب وإحلال الإسرائيليين مكانهم.

إحصائيات

وتقول الإحصاءات الإسرائيلية نفسها، إنّ عدد المستوطنين وصل لمستويات قياسية، عندما قام عبد الحميد الثاني بطرد العرب من القدس وطبريا وحيفا وعكا، والسماح للمستوطنين بالاستيلاء على الأرض وزراعتها. ووصل الأمر بالسلطان عبد الحميد، إلى التنازل عن أراضٍ حصلت عليها الدولة العثمانية في فلسطين بموجب قوانين الطابو عام 1858 التي نزعت الأراضي من الفلاحين، فزاد فقرهم وبؤسهم، ومنحتها للإسرائيليين.

وقال موقع «العثمانلي» المتخصص في الشؤون التركية، إنه في عهد حكومة الاتحاد والترقي (1908 - 1918) وصل عدد اليهود إلى 100 ألف قبل شهور من اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، ومنح الأتراك المستوطنين الإسرائيليين الأراضي لبناء المستوطنات منذ عام 1854، عندما منح السلطان العثماني المؤسسة الصهيونية أراضي في القدس بدعوى إنشاء مستشفى، فكانت هذه الأرض بداية الاستيطان في القدس ببناء حي سلطاني «مونتفيوري».

وفي سبيل تمكين المستوطنين من الأرض الفلسطينية، منحت تركيا جمعية الأليانس الصهيونية عام 1868 فرماناً عثمانياً استأجرت بموجبه مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية تحديداً في يافا لمدة 99 عاماً، وتمت إقامة أول مدرسة زراعية إسرائيلية وسميت «مكفيه إسرائيل»، شكّلت فيما بعد نواة الاقتصاد الزراعي للمستوطنين.

دعم

يمثّل التناقض قولاً وفعلاً العنوان الحقيقي لكل تصريحات وممارسات تركيا منذ وصول الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الحكم في العام 2002، إذ قدّم نفسه في العلن عدواً لإسرائيل، فيما تؤكّد الوقائع والوثائق أنّه أكبر داعمي تل أبيب خلال 18 عاماً في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية.

وتقول دراسة صادرة عن مجلس سياسة الشرق الأوسط وعدد كبير من الدراسات الأمنية والدفاعية، إنّ الدعم الأمني والعسكري الذي قدمه أردوغان للجيش الإسرائيلي بكل قواته الجوية والبحرية والبرية، وفي مجال المعلومات والاستخبارات والتصنيع العسكري، يعد صادماً لكل من دغدغ أردوغان آذانهم ومشاعرهم بأنه السلطان العثماني المدافع عن حقوق العرب والفلسطينيين.

ومن خلال أكثر من 60 بروتوكولاً واتفاقية تعاون عسكري تشكل صلب «الاتفاق الاستراتيجي» بين أنقرة وتل أبيب، سمح أردوغان بموطئ قدم إسرائيلي في الأراضي التركية حيث يجري التعاون بين الجانبين في ثلاثة قواعد عسكرية تركية، فضلاً عن وجود فريق عسكري إسرائيلي دائم في تركيا للتنسيق بين الجيشين التركي والإسرائيلي.

وكشفت الوكالة اليهودية للأنباء، أنّ تركيا أتاحت لسلاح الجو الإسرائيلي التدرّب على المناورة والقصف في صحراء الأناضول الواسعة منذ بداية عهد أردوغان، حتى يجيد الطيارون الإسرائيليون قصف غزة، فضلاً عن عشرات المصانع العسكرية الإسرائيلية في تركيا، فما هي مسارات ومحاور التعاون العسكري التركي الإسرائيلي في عهد أردوغان؟

القواعد الإسرائيلية

ولعل المؤكّد أنّ الهدف الرئيسي من الضجيج الذي يصدره أردوغان والجماعات التي تدور في فلكه، ضد أي دولة تقيم علاقات مع إسرائيل، التغطية على التعاون العسكري بين أنقرة وتل أبيب.

ووفقاً لقاعدة بيانات حلف الناتو، ومذكرات التفاهم والاتفاقيات العسكرية التي نشرتها وزارة الدفاع الإسرائيلية، فإنّ إسرائيل تستخدم ثلاث قواعد عسكرية في تركيا هي قاعدتان جويتان في قونية وإنجرليك.

فضلاً عن بناء إسرائيل قاعدة للإنذار المبكر في كوراجيك بمدينة ملاطيا، فيما ذكرت صحيفة «جيروزلم بوست» الإسرائيلية حينها، أنّ هدف هذه القاعدة هو حماية أمن إسرائيل من خلال التجسس على الدول المعادية لإسرائيل، وتقديم المعلومات بسرعة لتحليلها.

ويعد فتح القواعد العسكرية التركية أمام إسرائيل استكمالاً لاتفاق «الميثاق الشبح» الذي وقعته تركيا مع إسرائيل في خمسينيات القرن الماضي أثناء زيارة بن غوريون لأنقرة، وحصلت بموجبه إسرائيل على معلومات استخباراتية ثمينة عن الدول العربية.

أردوغان حاصل على ميدالية «الشجاعة اليهودية»

في سياق تأكيدها عمق العلاقات بين الرئيس التركي رجب أردوغان وقادة إسرائيل، نقلت صحيفة زمان التركية، على لسان رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان، في فيديو موجود حتى الآن على موقع «يوتيوب» بتاريخ 14 ديسمبر 2017 قوله في مؤتمر خاص عقد في 2007 بمركز أبحاث الاقتصاد والاجتماع في تركيا، إنّ أردوغان حصل في العام 2002 على منصب رئاسة مشروع إسرائيل الكبرى، ورئاسة مشروع الشرق الأوسط، وبعد ذلك حصل على ميدالية الشجاعة اليهودية من اللوبي الصهيوني في أمريكا.

وأكّدت تصريحات أربكان أنّ العلاقات الإسرائيلية التركية اكتسبت دفعة قوية وزخماً خاصاً مع تولي أردوغان الحكم في العام 2002، إذ نقل أردوغان العلاقات مع تل أبيب إلى آفاق عسكرية وسياسية وسياحية وثقافية لم تشهدها منذ اعتراف تركيا بإسرائيل في العام 1949.

ووصل التبادل التجاري السنوي بين إسرائيل وتركيا، إلى أكثر من 4.2 مليارات دولار في العام 2019، وفق بيان صادر عن وزارة التجارة الإسرائيلية في فبراير 2020.

اعتراف مبكّر

كما حرص أردوغان على لقاء جميع زعماء إسرائيل الذين عاصروه بداية من أرئيل شارون ثم إيهود أولمرت، فضلاً عن لقاءات عدة داخل وخارج إسرائيل مع رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتانياهو. إلّا أنّ أكثر اللقاءات إثارة كان مع شمعون بيريز في قلب مدينة القدس، إذ تُظهر صور المقابلة، أن اللقاء كان بفندق الملك داوود في القدس.

ولذا تعتبر إسرائيل زيارة أردوغان أول اعتراف دولي بالقدس عاصمة لها. ولعل اعتراف أردوغان هذا سبق قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في ديسمبر 2017، فيما يؤكّد الاعتراف التركي الفعاليات والأنشطة الثقافية والاقتصادية والمعارض التركية في القدس والتي تنتشر أخبارها في الصحف الإسرائيلية بشكل يومي.

وفي إحدى استقبالاته لأردوغان قال له شارون «أهلاً بك في القدس عاصمة للشعب اليهودي»، ولم ينطق أردوغان بأي كلمة اعتراض. ولعل أكبر دليل على اعتراف أردوغان بالقدس عاصمة لإسرائيل، هو نص وثيقة التصالح بين إسرائيل وتركيا التي سبق لجريدة زمان التركية نشرها عقب الضجّة الإعلامية التي أثارها أردوغان على خلفية حادثة سفينة مرمرة، إذ أكّدت فقرة في الوثيقة، أنّ توقيعها تمّ في القدس.

اقرأ أيضاً:

العثمانيون الجدد «3-4»

العثمانيون الجدد «2-4»

العثمانيون الجدد «1-4»
 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات