شتاء وجوع وأوبئة تفتك بالمخيمات.. وغياب للمنظمات الدولية

نازحو سوريا المأساة الغائبة عن دفاتر الإنسانية

نازحات في رحلة لجلب المياه جنوب ادلب أ.ف.ب

لمشاهدة الملف ...PDF اضغط هنا

«كاس على كل الناس»، أكثر جملة تعبر عن واقع الحرب السورية وهي المفضلة لدى الشعب السوري في وصفه لمرارة الصراع وحصة كل مواطن منه.. لكن البعض يرى أن هذا الثمن أصبح باهظاً.

ولم تعد لهم طاقة لتحمل المزيد خصوصاً في فصل الشتاء الذي يفتك بالمدنيين دون رحمة أينما كانوا.. في كل موسم تتجدد المأساة والألم للسوريين في الداخل.. دون أدنى أمل في انفراج يزيل هذه المآسي،13 مليون نازح حسب تقديرات المنظمات الإنسانية، خلّفتهم الحرب السورية منذ بداية اندلاعها واحتدام الوضعين الأمني والعسكري، في العام 2011.

ورحلة النزوح القسري التي وجد السوريون أنفسهم في خضمها تمثل مأساة في حد ذاتها إذ تتنقل العوائل بين العديد من المحافظات بحثاً عن مناطق أكثر أمناً واستقراراً داخل سوريا، بينما يتوجه آخرون إلى الخارج.

وقد عملت في بداية الأزمة العديد من المنظمات المعنية الإنسانية في محاولة للتخفيف من معاناتهم ومعالجة أوضاعهم وتقديم توصيات تعود إيجاباً بالنفع لصالح اللاجئين عامة، أما النازحون داخلياً فيمثلون الفصل الأسود من الرواية منذ البدء، والآن باتت حالتهم مزرية ويفتقدون إلى أبسط مقومات الحياة.

خارطة النزوح

تصدرت قائمة النزوح منطقة ريف دمشق، حيث تجاوز عدد النازحين عتبة 2.2 مليون نسمة، معظمهم من أحياء العاصمة الجنوبية التي كان لها النسبة الأعلى في النزوح بسبب الدمار الواسع والمنهجي الذي طال تلك الأحياء، ومن مدينة داريا والغوطة الشرقية في كل من دوما وحرستا وجوبر والقابون وبرزة على نحو خاص.

والتي تعتبر مناطق شبه خالية نتيجة محاصرتها من قبل قوات النظام لفترة طويلة واستهدافها بشكل مباشر. أما حمص فهناك العديد من أحيائها ما زالت تخلو من السكان بشكل كامل مثل أحياء القصور وبابا عمرو والإنشاءات التي تدمرت بشكل شبه كامل. وتعتبر محافظة الرقة من أكثر المحافظات احتضاناً للنازحين.

حيث يتواجد فيها ما لا يقل عن 1.4 مليون نازح، معظمهم من حلب وإدلب، تليها مدينة دمشق باحتضان ما لا يقل عن 1.2 مليون نازح، معظمهم نزحوا من الأحياء الجنوبية ومن مدن الغوطة الشرقية وداريا ودوما وجوبر والقابون وبرزة، ومن منطقة القلمون، واستقروا بداية، على وجه الخصوص، في منطقة التل ومساكن برزة، وضاحية قدسيا، وجرمانا، وصحنايا، ومخيم اليرموك، والشاغور.

ومشروع دمر، والمزة، تليها محافظة حماة التي تحتضن ما لا يقل عن 650 ألف نازح. وبطبيعة الحال، فإن هذه الأرقامالمستندة إلى تقارير سابقة عرضة للتغيرات.

كارثة إنسانية

ويمثل النزوح الداخلي أحد أبرز التحديات المتعلقة بكارثة حقوق الإنسان المغيبة في سوريا، حيث ارتفع عدد النازحين في الداخل بشكل ملحوظ .

وتعدى حدود الاستجابة والدعم والمواكبة من قبل المنظمات واللجان المحلية السورية، فقد بلغ عدد النازحين 13 مليون شخص، وأطلقت الأمم المتحدة مع بداية العام الحالي خطة للاستجابة الإنسانية لعام 2018، التي ستحتاج إلى 3.5 مليارات دولار من المانحين لتلبية احتياجات النازحين داخلياً.

وحين اندلعت الأزمة لم يكن يتصور السوريون أن شتاءات ستمر على أجسادهم وهم مشتتين في المخيمات والصحاري، وربما البعض على سطح البحر يحاول الهروب من الجحيم، لكن مرت شتاءات وشتاءات حتى نشأت علاقة عدائية مع فصول السنة.ترك الشتاء في كل منطقة من سوريا بصمة مروعة على المدنيين، ففي الأردن على سبيل المثال في مخيمات اللجوء، للشتاء قصة مع قتل الأطفال برداً.

وفي لبنان القصة أكبر، ففي الأسبوع الماضي قتلت عائلة على الحدود اللبنانية السورية، بعد أن حاولوا أن يدخلوا بطريقة غير شرعية هرباً من السلطات اللبنانية، إلا أن سلطة الشتاء كانت أقوى، وماتت العائلة.

ضراوة الحرب واللجوء

ولا ينسى أحد النزوح الكبير من مدينة حلب نهاية العام 2015، حين وقعت معارك ضارية في حلب الشرقية بين الفصائل وبين الجيش السوري والروسي من جهة أخرى، كانت النتيجة «يوم قيامة» في هذه المدينة ونزوح لا مثيل له.

في حينها، وصفت صحف بريطانية قصف حلب ونزوح عشرات الآلاف منها بأنه أسوأ مأساة في الحرب السورية، وستكون له نتائجه الكبيرة على هذه الحرب وعلى أوروبا والعلاقات بين روسيا والغرب. كما توقع أحد الكتاب أن تتجه أنظار النظام السوري بعد حلب إلى الرقة وتدمر.

وقالت صحيفة تايمز في تقرير لها إن عشرات الآلاف من النازحين أصبحوا عالقين الليلة قبل الماضية على الجانب السوري من الحدود مع تركيا واتخذوا من الأرض المفتوحة مكاناً للنوم في طقس بارد، بينما تقول منظمات العون إن القصف الروسي تسبب في أسوأ أزمة إنسانية خلال الحرب في سوريا.

ومازال أبو عمر، الذي عاد إلى حلب الشرقية وهو الآن يحاول أن يرمم بيته، يتذكر الأيام الصعبة في هذا النزوح، ويقول في حديث مع «البيان» لم نكن نتوقع أننا سنخرج سالمين من هذه الحرب، كانت حلب الشرقية كتلة ملتهبة، وعندما خرجنا بعد وقف إطلاق النار، تأكدنا أننا سنموت من البرد على الحدود التركية السورية، بعد عملية الإجلاء، لكن لم نمت لا بالحرب ولا بالشتاء القارص.

لكننا رأينا كيف دفنت عائلات أطفالهم بعد أن ماتوا من البرد في «الفلا».

مضايا الغنية جائعة

حلب ليست الوحيدة لكنها الأكثر شهرة في الساحة السورية، ففي مضايا على الحدود اللبنانية السورية مأساة من نوع آخر، المفارقة في هذه المدينة أنها كانت مصيفاً للسوريين والسائحين معاً، وقد كانت مضرب أمثال للمدن الغنية والمنتجة وذات الخير الوفير، لكنها في هذه الحرب والشتاء على وجه التحديد تحولت إلى مدينة الفقر والجوع.

عاش أكثر من 40 ألف مدني نصفهم من المهجرين قسرياً في بلدة مضايا؛ واقعاً سيئاً للغاية، بسبب استمرار الحصار المفروض على البلدة من قبل قوات النظام وميليشيا حزب الله اللبناني. لم تكن ميليشيات حزب الله اللبناني تسمح بدخول رغيف الخبز إلى هذه المدينة، علماً أنها كانت أول من استقبل النازحين اللبنانيين في العام 2006 حين اعتدت إسرائيل على لبنان.

الهيئات الإغاثية وابتزاز اللاجئين

بينما يعجز العالم عن تقديم أي حل للسوريين، تبقى على هامش هذا الصراع المشكلة الإنسانية التي أصبحت أكثر جوانب الأزمة السورية صعوبة. فلم تعد المنظمات الدولية قادرة على تغطية الحاجات الضرورية للشعب السوري الذي يعيش في المخيمات.

وفي ضوء الوضع السوري المتفاقم برزت الحاجة إلى منظمات الإغاثة والتنمية المحلية بشكل متزايد في ظل المعاناة الإنسانية التي يعيشها السكان وافتقادهم إلى الكثير من مقومات الحياة الأساسية، حيث تمثل الأنشطة التي تقوم بها هذه المنظمات ركيزة أساسية في دعم صمودهم وتلبية الاحتياجات الإنسانية المختلفة، إلا أن حقيقة الأمر هناك غياب فاعلية الكثير منها وانخفاض كفاءتها في المجال الإغاثي والتنموي.

وافتقار العديد منها إلى برامج عمل ورؤى واضحة في هذا المجال، إلى جانب غياب الخطط التنموية الشاملة والبرامج الزمنية التي تحدد طبيعة الأنشطة والأهداف التي يمكن تحقيقها أو تحقيق تطوير نوعي فيها.

ففي الجانب الإداري تعاني هذه المنظمات من غياب الكفاءات البشرية المتخصصة في المجال التنموي بشكل عام وقطاع الإنعاش وسبل العيش بشكل خاص، إلى جانب صغر حجمها وقلة عدد كوادرها وانتشارها الجغرافي الواسع وغياب التخصص في عملها من حيث القطاعات المستهدفة بنشاطي الإغاثة والتنمية، بالإضافة إلى كثرة عدد هذه المنظمات مع غياب جهة ناظمة.

أما المشكلة الأكبر في الواقع السوري، هو احتكار العمل الإغاثي بيد جماعة معينة، وهي جماعة الإخوان، التي استحوذت على كل مفاصل العمل الإغاثي وبدأت تعمل وفق الحسابات السياسية والدينية الحزبية الضيقة. ويؤكد العديد من اللاجئين والنازحين أن معيار الحصول على الجرعة الغذائية أو ما يسمى بالسلة الغذائية هو مدى التأييد للإخوان.

اقرأ أيضاً:

تعليقات

تعليقات