ترجلت بعد مسيرة إبداع ثرية

مريم جمعة فرج.. صوت المحبة وأغنية المكان

عميقة وبلا نهاية تبدت مشهدية الحزن التي لوّنت الساحة الإبداعية في الإمارات، خلال الأيام الماضية، مع رحيل القاصة مريم جمعة فرج، التي غادرتنا بعد أن سطرت مسيرة حياة وعطاء موسومة بصدق النهج وأمانة الإبداع والحرص على الالتزام بقضايا الناس، وذلك في شتى مقالاتها وقصصها ونصوصها، وطبعاً دون أن تغفل التركيز على عكس مفردات البيئة المحلية بتفاصيلها وجمالياتها كافة.

من «الخروفة» بدأت حكاية مريم في مروج الإبداع. فمعها تشرّبت، حين كانت طفلة تستمع بلهفة وشغف لخراريف والدتها، عشق السرد والتعلق بعوالمه وإدراك أهميته في الإضاءة على جوانب حياتية مجتمعية متنوعة، غائبة أو منسية في غالبية الأحيان.

وفي هذه الرحاب والمحطات تفتّح وعيها على الكثير من الحقائق والأشياء المحيطة، بينما كانت معارفها تنضج وتتقدم بها الأيام.. ومن ثم اختارت، خطوة بخطوة، وبعد شروعها في نسج دروبها المستقلة، أن تصون جذوة السرد في دواخلها فترعاها وتغنيها وتغذيها، إلى أن جعلت توظفها ببلاغة وإجادة تامتين، حينذاك، في قوالب قصص بديعة تنتصر للإنسانية والخير والنقاء والعطاء.. وكذا راحت تعزف بأبجدياتها ومعها لحن جماليات البيئة المحلية المنتشية بحكايات أناس محبين وبسحر بحر بديع شكلَ يوماً عنوان الجمال والرزق والفرح والفرجة والمتعة ههنا.

هكذا بدأت، ومن ثم استمرت مريم في دروبها الإبداعية: عنواناً للجرأة والالتزام، فتجسدت نموذجاً لصاحبة الكلمة الأمينة، وعنواناً للأديبة المحبة لما تكتب والمخلصة لقضايا الناس.. ولطالما لوّنت صفحات الأدب المحلي، في توجهها هذا، بثيمات المكان وقص أهله وسماته النابضة بالحياة والأمل.

لقد فقدنا برحيل مريم جمعة فرج قلماً كان همه الأول والأخير الإبداع النابع من القلب، والموجه إلى القلب، والمحتكم إلى بوصلة الإنسانية وحب الخير والجمال.. إذ كانت تمتلك ناصية أدب ثري بالقيم، ينبض بقصص الناس وهمومهم ومكابداتهم. وفي الحقيقة، ليس أبلغ من كتاباتها في رواية مضمون شخصيتها الشفيفة، حيث مثلت سردياتها صورة حقيقة خلاقة لكينونتها العامرة بالمحبة والنقاء والصدق.

هكذا استهلت مشوارها، وهكذا بقيت أديبتنا الرائدة حتى رحيلها، فهي لم تحد يوماً عن مسارها الثابت الذي اختطته بأمانة والتزام تامين، منذ القرن الفائت، حاملة في هذا الخضم هموم الارتقاء بمجتمعها وترسيخ حضور الأدب ودوره المؤثر في المجتمع، بجانب التأكيد على أهمية قدرات المرأة الإماراتية في ساحة الإبداع ودورها الجوهري في التنمية والبناء.

وبطبيعة الحال، لم تكن مريم جمعة فرج - الصحافية - حيث زاملناها في صحيفة «البيان» لفترة طويلة قبل مرضها ومن ثم رحيلها المؤلم، مختلفة عن مريم الأديبة والإنسانة المكللة بالخلق والتواضع، فلطالما عهدناها رزينة دمثة، ومثالاً براقاً للصدق والمحبة والتفاني في العطاء والتعاطي.. لا بل في الأمانة والإخلاص لكل حرف تكتبه ولكل ترجمة تعِدها، حيث كنت تجدها منافحة بقوة عن ما تسطر أو تترجم ولا ترتضي أية إضافة صياغية ربما تخرج النص عن سياقه الواضح.

صحيح أن مريم بقيت مسكونة بالإبداع ومشغولة بعوالمه، لكنها أيضاً، لم تتوان أو تتأخر يوماً عن الوقوف إلى جانب عائلتها التي كانت لها خير معين وداعم.. بل بمثابة الأب والراعي والسند.

إذ كان توقفها عن العطاء في رحاب الإبداع القصصي طوال سنوات سبقت رحيلها، بدافع رغبتها في التفرغ للاهتمام بأمها المريضة.

وهو ما أشارت إليه مرة، في حوار صحافي، موضحة أنها غابت عن ساحة الإبداع لتهتم بوالدتها.. وحزناً على وفاتها لاحقاً، مؤكدة بالوقت نفسه، أنها ليست نادمة على ذلك الغياب.

كم جميل ما سطرتِ واختططتِ يا مريم بقلمكِ ومساركِ..هكذا هم المبدعون الحق: مثال للالتزام القيمي الواقعي.. ونموذج للسلوك الإنساني القويم ولصدق الكلمة والموقف.

وداعاً مريم جمعة فرج.. حزينة هي القصة الإماراتية من بعدك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات