عدسة الأيام

محمد أبوبكر باخشب.. أول سعودي يحصل على الباشوية من الملك فاروق

محمد باخشب

لأسباب كثيرة، تراوحت ما بين الجغرافي والديني والاجتماعي والتجاري، ارتبطت حضرموت بالحجاز منذ حقبة ما قبل الإسلام. وحينما بدأت أفواج الحضارم هجراتها إلى جنوب شرق آسيا، بحثاً عن لقمة العيش، وتحسين ظروفها الاجتماعية، اتجه قسم منهم صوب الحجاز، للعمل والاستقرار، وكان بين هؤلاء من قدم لطلب العلم على علماء مكة المكرمة والمدينة المنورة، أو للتدريس في الحرمين الشريفين.

وبمرور الأيام وتقادم السنين، اندمجت العائلات الحضرمية المهاجرة في المجتمع الحجازي، وانصهرت معه، وصارت جزءاً من نسيجه الاجتماعي والثقافي، بل برزت بينهم شخصيات بلغت مراتب علمية عالية، أهّلتها لتولي مناصب دينية رفيعة في الحرمين المكي والمدني، وأيضاً في مدينة جدة، سواء في العهد الهاشمي أو العهد السعودي.

من ضمن هؤلاء: عبداللطيف بن أحمد باكثير (قاضي قضاة الشافعية بمكة)، ومحمد بن أبي بكر الشلي (تولى التدريس بالحرم المكي)، وحسين بن محمد الحبشي (تولى الإفتاء للشافعية بمكة)، وعمر أبوبكر باجنيد (تولى التدريس في الحرم المكي، ثم عينه الشريف حسين بن علي مستشاراً دينياً له)، ومحمد سعيد بابصيل (تولى مشيخة العلماء في مكة)، وذلك طبقاً لما أورده الأستاذ الدكتور مسعود عمشوش، في مقال له نشره في أحد المواقع الإلكترونية بتاريخ 19/‏‏‏6/‏‏‏2011.

وقد تضمن المقال أيضاً، إشارة إلى كتاب «علماء الحضارم في جدة»، لمؤلفه علي بن سالم العميري (توفي سنة 1373 للهجرة)، من تحقيق خضر بن صالح آل سند الغامدي، وهو كتاب يشتمل على تراجم لشخصيات حضرمية عاشت في جدة، ولعبت دوراً في شرح كتب العلم الشرعي، من بعد تتلمذها على يد علماء الحرم المكي، مثل الشيخ سالم بن عفيف، الذي درس قرابة 20 عاماً على يد الشيخ عبدالحق الهاشمي، وعلى يد الشيخين علي عبد الرزاق حمزة، وحسن المشاط وغيرهم.

وفي الكتاب أيضاً ذكر للعالم الشرعي والأديب اللغوي محمد بن أحمد باشميل، الذي ولد في حضرموت، وقدم للسعودية في عهد الملك عبدالعزيز، حاملاً معه مشاعل العلم والثقافة بشكل لافت للنظر، فتمكن خلال سنوات محدودة، من أن يصبح علامة فارقة في الصحافة السعودية.

عمل تجاري

يقول الدكتور مسعود عمشوش، ما مفاده: إنه في القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، قام عدد من الحضارم ممن أثروا من عملهم التجاري في أقطار جنوب شرق آسيا، مثل إندونيسيا والملايو وسنغافورة، وتحديداً أولئك المنحدرون من وادي دوعن، بإرسال أبنائهم للاستقرار في الحجاز، بهدف فتح مؤسسات مالية بسيطة، تقدم خدمات الصرافة والتحويل والتمويل للمسلمين الذين يأتون من جميع الأقطار الإسلامية إلى الحجاز لأداء مناسك الحج والعمرة.

ويضيف قائلاً: «وقد اختار العثمانيون بعضاً منهم ـ مثل باناجة ـ لإدارة الشؤون المالية لولاية الحجاز. ومن بعدهم نهج الأشراف السلوك نفسه، ففي عهد الشريف عبد المطلب، عـُيّن عبد الله بامصفر وزيراً للمالية، وفي عهد الشريف عبد الله بن عون، تولى الوزارة عبد الله باناعمة، وفي عهد الملك حسين بن علي عام 1916 م، كان عبدالله باشا باناجة وزيراً للمالية».

ويستطرد عمشوش قائلاً: في هذه الحقبة، وتحديداً في بدايات القرن العشرين، حدث شيء آخر لافت للانتباه، هو إرسال حضارم المهجر الآسيوي، أبناءهم الصغار إلى الحجاز، للعمل لدى الأسر الموسرة في مكة والمدينة، فكان أن وصلت ثلة ممن ساهمت بنجاح مشهود في مشاريع التنمية الاقتصادية والتجارية والخدمية في المملكة العربية السعودية بعد قيامها، مثل: عبد الله بلخير، وأحمد بغلف، ومحمد بن لادن، وسالم بن محفوظ، وأبناء سعيد بقشان وغيرهم.

ولاء وطاعة

وإذا ما تحدثنا عن الحضارم في العهد السعودي الزاهر، نجد أن أنهم كانوا في مقدم من أعلن الولاء والطاعة للملك عبدالعزيز آل سعود، في الأيام الأولى لدخوله الحجاز، حيث كان عددهم آنذاك نحو 5000 شخص، طبقاً لبيانات نشرتها الحكومة البريطانية في عام 1930. كما كانوا في مقدم من اختار حمل الجنسية السعودية، بدلاً من الجنسية الحجازية، الأمر الذي جعل الملك عبد العزيز يدعوهم إلى مجالسه، ويعينهم في اللجان الحكومية، ويقلدهم المناصب الرسمية.

وكان أبرز هؤلاء، الأديب والإعلامي والسياسي الشيخ عبد الله عمر بلخير، الذي اعتمدت عليه إدارة الملك عبد العزيز، قبل أن يعينه المغفور له الملك سعود بن عبد العزيز، رئيساً لديوانه، ويكلفه بإنشاء المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر عام 1374 هـ، ليصبح أول وزير للإعلام في المملكة.

وكانت هناك، إضافة إلى بلخير، شخصيات أخرى، مثل الشيخ سالم بن أحمد بن الشيبة بن محفوظ، الذي أسس أول مؤسسة مصرفية في المملكة، تحت اسم «البنك الأهلي التجاري»، والمعلم محمد بن لادن، الذي أسس «شركة بن لادن السعودية»، التي كلفتها الدولة بترميم وتوسعة الحرمين الشريفين، وشق الطرق المعبدة نحو المشاعر المقدسة، والشيخ أحمد سعيد بقشان، الذي أسهم في تحديث الحياة الاقتصادية والتجارية.

ومع نمو الحركة التجارية في عموم مدن المملكة وأقاليمها، وارتفاع دخول المواطنين، وبالتالي، تزايد رغباتهم وحاجاتهم الاستهلاكية، استمرت أعداد المهاجرين الحضارم في السعودية في الارتفاع، ففاقت في عام 1936، عشرة آلاف شخص، أكثرهم في جدة ومكة المكرمة. وقد قام هؤلاء بالمساهمة الفعالة لجهة توفير السلع والبضائع الحديثة، جنباً إلى جنب، مع توفير الكثير من الخدمات التي كانت المملكة بحاجة ماسة لها في بواكير نهضتها.

رائد النقل

كانت المقدمة الطويلة السابقة، توطئة للحديث عن علم من أعلام التنمية من ذوي الأصول الحضرمية في المملكة العربية السعودية، ورائد من رواد النقل والمواصلات فيها في الزمن المبكر، وشخصية كريمة، كانت لها أيادٍ بيضاء على العلم والمتعلمين، والإشارة هنا إلى الشيخ محمد أبو بكر باخشب باشا.

وإذا كان شهبندر تجار الحجاز عبد الله يوسف باناجة باشا، نال لقب الباشوية من قبل الدولة العثمانية زمن الحكم الهاشمي، بسبب أمجاده التجارية وشهرته المدوية، التي تجاوزت الحجاز إلى تركيا ومصر والهند، والتي حققها بعصامية فذة، منذ أن استوطن مع عائلته الأراضي الحجازية، قبل أكثر من قرن ونصف القرن من اليوم، ناهيك عن ولائه للدولة العثمانية، وبغضه للإنجليز، فإن الشيخ محمد بن أبو بكر باخشب، حصل على لقب الباشوية من لدن الملك فاروق الأول، ملك مصر والسودان، كنوع من التقدير لشخصه، والاعتراف بجهوده لجهة التبرع لأعمال الخير والبر في المملكة المصرية، ومن هنا، قيل إن باخشب، هو المواطن السعودي الوحيد الذي أنعم عليه بلقب «باشا» من الملك فاروق.

ميلاده

ولد باخشب في قرية «العرسمة»، إحدى قرى وادي ليسر بدوعن في حضرموت، في تاريخ غير معروف تحديداً. واضطر كغيره من الحضارم لترك موطن آبائه وأجداده، والهجرة بحثاً عن الرزق الحلال، فقادته طموحاته في أربعينيات القرن العشرين إلى شرق أفريقيا، وتحديداً إلى أريتريا، حينما كانت هذه البلاد خاضعة للاستعمار الإيطالي، وينقصها الكثير من الخدمات. وبسبب ذكائه من جهة، ومثابرته من جهة أخرى، تمكن من الحصول على امتياز استيراد وتسويق مصابيح الإنارة العاملة بالكيروسين، أو ما يــُعرف بـ «لمبة الغاز».

كان هذا الامتياز، بداية لانطلاق باخشب في عالم البزنس. إذ سرعان ما نجح في تكوين ثروة لا بأس بها، استخدمها في تعزيز مركزه التجاري، من خلال الاستثمار في أعمال الملاحة والنقل البحري، حيث تملَّك أسطولاً من السفن التجارية، مكوناً من نحو 18 باخرة كبيرة ومتوسطة.

في منتصف الأربعينيات، هـُزمت إيطاليا في الحرب العالمية الثانية على يد الحلفاء، كما هو معروف، فورثت بريطانيا إدارة المستعمرات الإيطالية في شرقي أفريقيا، ومن ضمنها أريتيريا، التي صارت تحت الانتداب البريطاني. هنا نجد باخشب يشمر عن سواعده، ويستغل التطورات الجديدة للتقرب من البريطانيين، من أجل الحصول على امتياز تموين سفنهم وبواخرهم وجنودهم، خصوصاً في ظل تمكنه من مخاطبتهم بلغتهم الإنجليزية.

يقولون إن النفوذ التجاري والمالي مقدمة للوجاهة والنفوذ الاجتماعي، وهذا ما انطبق على باخشب في إريتريا، ففي غضون سنوات من العمل والمثابرة، قفز من مهاجر قليل الدخل والحيلة في الأربعينيات، إلى رئيس للجالية العربية في أسمرة في أوائل الخمسينيات.

ورغم أن الرجل كان بإمكانه مواصلة الإقامة والعمل، وتعزيز موقعه التجاري في إريتريا، إلا أنه لسبب ما، آثر أن يخرج منها، ويتوجه إلى المملكة العربية السعودية في خمسينيات القرن العشرين، وتحديداً في عهد المغفور له الملك سعود بن عبدالعزيز، رحمه الله، الذي رحب به، وشرفه بحمل الجنسية السعودية، أسوة بغيره من أبناء حضرموت، من ذوي الرغبة والطموح في خدمة بلاد الحرمين الشريفين والاستقرار بها.

رواية أخرى

وهناك روايات تفيد بأن قدومه إلى السعودية كان في الأربعينيات، هرباً من ويلات الحرب وتداعياتها الاقتصادية المربكة في إريتريا، وأن الذي رحب بقدومه، كان الملك المؤسس عبد العزيز، طيب الله ثراه، خصوصاً بعدما أفصح لجلالته أنه يود الاستثمار في خدمات نقل الحجاج إلى مكة المكرمة، من خلال إدخال الحافلات الكبيرة والحديثة (بمقاييس ذلك الزمن). حيث كان الملك يولي هذا الجانب اهتماماً كبيراً، من منطلق حرص جلالته على تأمين أفضل سبل الراحة لضيوف بيت الله الحرام، بدليل ظهور العديد من الشركات وأصحاب الأعمال الذين استثمروا في هذا القطاع آنذاك، بدءاً من مطلع الخمسينيات، التي سمحت فيها الدولة للمواطنين، شركات وأفراد، بالمساهمة في نقل الحجاج، فظهرت شركات مثل: خميس نصار، العربية، المغربي، التوفيق، الكعكي، الداخلي، باخشب (انظر صحيفة المدينة 3/‏‏‏9/‏‏‏2016).

وهكذا، أسس باخشب شركة حملت اسم «شركة محمد أبو بكر باخشب باشا وأولاده»، لإدارة أسطول من الحافلات، مكون من 92 حافلة. وبالتزامن، نجده يساير ما شهدته مدينة جدة من انقلاب في ثقافتها وأنماطها الحياتية، وغزو المنتجات الغربية لأسواقها التجارية في نهايات الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، فيفتتح معرضاً للسيارات من نوع «فيات» الإيطالي، ملحقة به ورشة كبيرة لصيانتها، ومكتب لتأجيرها، لينضم بذلك إلى الرجالات الأوائل ممن استثمروا في تجارة السيارات والحافلات في جدة، من أمثال محمد محمود زاهد وإخوانه (تجارة سيارات جنرال موتورز الأمريكية)، والمقاول محمد علي موصلي (تجارة سيارات فولكس فاغن الألمانية)، والحاج عبد الله علي رضا (تجارة سيارات فورد الأمريكية)، وإبراهيم شاكر (تجارة سيارات كرايسلر الأمريكية)، إضافة إلى الشيخ محمد سرور الصبان، الذي أسس «شركة الفلاح للسيارات».

ومما قيل عن باخشب، إنه كان بصدد التوسع في أعمال النقل والمواصلات، لتشمل امتلاك أسطول من الطائرات، لتأمين وصول الحجاج إلى جدة من البلاد البعيدة بطرق ميسرة وأكثر راحة وأقصر زمناً. غير أن الملك عبد العزيز، طبقاً لإحدى الروايات، فضل أن تكون ملكية الأسطول الجوي للدولة، ومن ضمن مسؤولياتها وإشرافها.

خادم للعلم

بعيداً عن كل ما سبق تفصيله، يظل الشيخ باخشب، اسماً محفوراً في ذاكرة أبناء مدينة جدة لسبب آخر، هو فضله الكبير على العلم والمتعلمين. فهو أبرز من ساهموا في عام 1967، في تأسيس جامعة جدة الأهلية، التي عــُرفت بـ «جامعة الملك عبد العزيز»، بعد تحويلها إلى جامعة حكومية مجانية، بدءاً من عام 1974، بل كان ضمن لجنتها التأسيسية، إلى جانب كل من أحمد شطا وأحمد صلاح الدين وعبد الله الدباغ، ووهيب بن زقر ومحمد علي حافظ.

فقد تبرع لها بمبلغ مليوني ريال، وهو مبلغ قال عنه الكاتب عبد الله باجبير في مقال له بصحيفة الاقتصادية السعودية (1/‏‏‏5/‏‏‏2009) «لعله الرجل الوحيد الذي تبرع بمليوني ريال، أيام كان المليون رقماً تنحني له الجباه. لقد كان باخشب باشا رجلاً من الزمن الجميل». ومن إسهامات باخشب العمرانية، قيامه ببناء المساكن المعروفة بعمائر باخشب، بجانب القشلة في جدة، وعمائر باخشب في مدينة الخبر شرقي السعودية.

وقد أطلق على الشارع الذي يربط بين مطار جدة والدوار المؤدي إلى جامعة الملك عبد العزيز من جهة، وإلى الكيلو 15 على طريق مكة القديم (حيث كان منزل الباشا) من جهة أخرى، اسم شارع «محمد أبوبكر باخشب»، تكريماً له، لتبرعه السخي للجامعة.

وفاته

توفي باخشب باشا بمدينة جدة في عام 1390 للهجرة، الموافق لسنة 1970، وقبل وفاته، تم تكريمه من قبل رجل لا يقل عنه مكانة لجهة أعمال البر والخير ودعم صروح العلم، ألا وهو تاجر اللؤلؤ، الشيخ محمد علي زينل علي رضا، رحمه الله، المعروف بتأسيسه وإنفاقه على مدارس الفلاح بمكة وجدة والبحرين ودبي وبومبي.

 

أكبر تبرع لبناء جامعة أهلية في جدة

كتب الدكتور عبدالله صادق دحلان في مدونته الإلكترونية، ما مفاده أن الشيخ أحمد صلاح جمجوم وزير التجارة الأسبق، المدير العام الأسبق للخطوط الجوية السعودية، تم تكليفه بجمع التبرعات من كبار رجال الأعمال في جدة، بهدف تأسيس أول جامعة أهلية في عروس البحر الأحمر، فذهب إلى محمد أبو بكر باخشب باشا، الذي كان أكبر تاجر وأكبر مالك سفن بجدة، وعرض عليه الأمر، وكانت الأخبار وقتها تقول إن إحدى أكبر سفن باخشب قد غرقت في البحر وهي محملة بالبضائع، الأمر الذي ألحق به خسائر كبيرة، فضلاً عن مطالبة التجار له بتعويضهم، علماً بأن الباخرة لم يكن مؤمّناً عليها.

هنا تدخّل جمجوم وأقنع التجار بالتنازل، وأن هذا قضاء وقدر، ولا ذنب لباخشب فيه. وبعد محاولات طويلة، تنازل التجار عن مطالبهم بالفعل، فسارع جمجوم إلى منزل باخشب ليزف له البشرى، قائلاً: «لقد تنازل التجار عن حقوقهم في الباخرة التي غرقت، فما الذي تتنازل أنت عنه اليوم، فقال له احكم أنت وأنا أنفذ، قال له، أطلب منك التنازل عن قيمة الباخرة، فقال له، وأنا قبلت التنازل عن الباخرة»، ظناً منه أنها غرقت ولا جدوى منها، وسأله عن قيمتها آنذاك فقال: «مليونا ريال».

وفي نهاية الزيارة، قال جمجوم لباخشب: «وبماذا ستتبرع لو علمت أن الباخرة لم تغرق، وستصل جدة بعد أسبوع، فقال له، أنت تأمر وأنا جاهز، فقال له جمجوم تبرع بقيمتها لبناء جامعة أهلية لأهل جدة، فوافق باخشب باشا على ذلك».

صفحة مُتخصّصة بالتأريخ الاجتماعي لمنطقة الخليج العربي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات