عدسة الأيام

هاشم عبدالرحمن الجناعي.. أول كويتي درّس الإنجليزية

من الشخصيات التي أدّت دوراً تربوياً وصناعياً في الكويت خلال العقود الـ 3 الأولى من القرن 20، من تلك التي غلّفها النسيان ولم يعد أحد يتذكرها، هاشم عبدالرحمن البدر القناعي (أو الجناعي) المولود في حي الفرج بمدينة الكويت عام 1898.

الجناعي بدأ حياته الدراسية بمدارس الكويت الأهلية البدائية مثل بقية أقرانه في مطلع القرن الماضي، حيث حفظ القرآن ومبادئ الكتابة والحساب، إلا أنه أقبل في الوقت نفسه على تعلم اللغة الإنجليزية بشغف، من خلال الكتب التي كانت بعثة الإرسالية الأميركية بالكويت توزعها مجاناً عام 1920.

لقيت اللغة الجديدة، التي لم يكن أحد يجيدها في الكويت آنذاك، هوى في نفس الجناعي، فانكب على دراستها ليل نهار، وراح يستفسر من مبشري وأطباء الإرسالية عن كل عصي يصادفه، بل ويرسل في طلب المزيد من كتب تعليم اللغة الإنجليزية من الخارج. وعلى الرغم من أن مواطنيه كانوا ينظرون إليه كمرجع وحيد لأصول وقواعد «الإنجليزية» في الكويت في تلك الفترة، فإن الرجل شعر بحاجته إلى الاحتكاك اليومي بشعوب تستخدم «الإنجليزية» في كل مناحي حياتها، كي يقبض على ناصيتها بإحكام أكبر.

ولهذا سافر في عشرينيات القرن الماضي إلى الهند، والتحق بإحدى مدارسها المتخصصة الراقية، لينهل من مناهجها ما فاته من العلوم الحديثة بلغة العصر، خصوصاً أن الهند في تلك الفترة كانت مكاناً لإقامة وتجارة الكثيرين من أبناء الجناعات الذين ترجع أصولهم إلى إقليم الوشم في نجد.

حينما عاد إلى وطنه عام 1932، سارع إلى افتتاح «المدرسة الأهلية» أول مدرسة خاصة لتعليم اللغة الإنجليزية في الكويت، بالقرب من ساحة الصفاة، قبل أن تُنقل إلى منطقة مرتفعة نسبياً اسمها «البهيتة»، في نهاية سوق التجار من جهة البحر.

في هذه المدرسة، كان الجناعي هو المدير والمدرس والمحضر والمشرف في آن واحد. وعلى الرغم من قيامه شخصياً بكل هذه الأعباء والمسؤوليات مجتمعة، فإنه وجد الوقت الكافي لتطوير مناهج المدرسة وأساليب التدريس فيها. وتجلّى ذلك بإدخال آلات الكتابة والمحاسبة باللغة الإنجليزية إلى مدرسته وتدريب الطلاب عليها، علاوة على تخصيص دروس للاستماع، أو ساعات للتدريب على النطق الصحيح، من خلال إدارة أسطوانات مخصصة لتعليم «الإنجليزية»، وتعريف أبناء وطنه لأول مرة على دروس الخط والاختزال (Short Handwritings).

إقبال

والحقيقة أن ما جاء به الجناعي وغرسه في مدرسته كان شيئاً غير مسبوق في تاريخ الكويت، كما أنه كان مناسباً لمتطلبات مرحلة كانت الكويت فيها قد بدأت دخول عصر التجارة والصيرفة ومؤسسات الأعمال الخدمية الأخرى بكل ما تطلبه ذلك من كفاءات تجيد «الإنجليزية» والاختزال والمحاسبة والعمل على الآلة الكاتبة. ومن هنا زاد الإقبال على الالتحاق بـ«المدرسة الأهلية»، وصارت المدرسة تقدّم خدماتها صباحاً ومساءً مقابل «روبيتين» شهرياً للطالب الواحد.

في الوقت نفسه، وبسبب قلة المدرسين المؤهلين، راحت «المدرسة المباركية» (افتُتحت في ديسمبر 1911 في عهد الشيخ مبارك الصباح، وكان أول مديريها الشيخ يوسف بن عيسى القناعي)، تستعين بخبرات الجناعي لتقديم دروس لطلبة المستوى التجاري بالمدرسة، وكذلك تدريس «الإنجليزية».

وهكذا يمكن القول إن الكثيرين من أبناء الجيل الذهبي في الكويت ممن عملوا في المؤسسات التجارية والمصرفية والخدمية والنفطية أو تولوا مناصب الدولة القيادية يدينون بالفضل للمرحوم هاشم البدر القناعي ومدرسته.

من هؤلاء الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، سليمان الجار الله، عبد الرحمن العتيقي، د. صالح العجيري، يوسف جاسم الحجي، محمد صالح الحميضي، شيخان الفارسي، د. أحمد الخطيب، د. داود مساعد الصالح، جاسم القطامي، عبد العزيز الصرعاوي، جاسم المنيس، عبد المطلب الكاظمي، حمد مساعد الصالح، عبد الله عبد اللطيف المطوع، أحمد مشاري العدواني، حمد الرجيب، زيد عبد الله الزيد، وأولاد جاشنمال، وغيرهم.

علاوة على كونه رائداً من رواد تعليم «الإنجليزية» في الكويت، فإن الجناعي هو رائد من رواد الصناعة فيها، ذلك أنه دخل تاريخ بلاده بصفته أول مؤسس لمصنع صابون، حينما أقدم في 1935 على افتتاح مصنع صغير لإنتاج الصابون داخل بيته بطاقة يومية صغيرة نسبياً.

وكان يبيع إنتاج مصنعه على بعض الدكاكين والباعة المتجولين، غير أن الإقبال على المنتج كان قليلاً بسبب تفضيل المستهلكين الصابون الأجنبي، وهو الأمر الذي قرر معه الجناعي إغلاق مصنعه والتوقف عن العمل، خصوصاً أن قيام الحرب العالمية الثانية تسبب في انقطاع مادة الصودا الكاوية، وهي المادة الأساسية في صناعة الصابون.

تأثير إيجابي

غير أن اندلاع الحرب العالمية الثانية كان له تأثير إيجابي في نشاط الجناعي الصناعي، فاختفاء الكثير من البضائع - منها الصابون - من الأسواق، وارتفاع أسعارها، جعلا الطلب على صابون الجناعي يرتفع ويزداد، فاستغل الرجل الفرصة للعودة إلى الإنتاج مجدداً، بل نقل مصنعه المنزلي إلى مكان أرحب في أحد المحال بسوق «التناكة»، قريباً من سوق «الغربللي»، لإنتاج كميات كبيرة من الصابون، للأسواق الكويتية ولأغراض التصدير إلى الدول المجاورة، خصوصاً البحرين والإمارات والسعودية، أما الصودا الكاوية، التي لم تكن متاحة خلال الحرب، فقد استخرجها بالتعاون مع زوجته مريم عبد الإله القناعي، من بعض صخور «الهردك» الصحراوية، التي كان البدو يحضرونها إلى المدينة لبيعها للعطارين.

كما أن قلة المياه العذبة في الكويت آنذاك دفعت الجناعي إلى ابتكار نوع من الصابون يُحدث رغوة في الماء المالح يسميه الكويتيون «الماء الخريج». ويبدو أن مراسلات الجناعي التجارية، ومراسلاته مع دور العلم الأجنبية للاستفادة من أساليبها في تعليم «الإنجليزية»، قد بلغت اليابان وأستراليا وسنغافورة والملايو والعديد من الدول الأوروبية، في مقدمتها بريطانيا، حيث إن بعض مغلفات هذه الرسائل، محفوظة لدى المؤرخ والباحث في التراث الكويتي د. عادل محمد عبدالمغني.

وبعد سنوات طويلة من انتقال الجناعي إلى جوار ربه في 5 فبراير 1961 عن عمر ناهز 63 عاماً، قضى جلّه في أداء رسالته التربوية السامية، نشرت صحيفة «الأنباء» الكويتية (2011/‏‏‏‏‏‏1/‏‏‏‏‏‏1) حواراً مع ابنة الراحل ضياء البدر، أعربت فيه عن حزنها وألمها لعدم التفات الجهات التربوية والتعليمية إلى تكريم والدها بإطلاق اسمه على واحدة من دور العلم.

ميدان تربوي

وطالما أتينا على ذكر ضياء البدر، فلا مناص من التحدث عنها وعن مشواريها التعليمي والمهني، لأنهما مشرّفان مثل مشوار والدها، فهي واحدة من الرائدات في الميدان التربوي منذ التحاقها بالتدريس معلمة لغة إنجليزية عام 1963، حتى تقاعدها عام 1990 في إدارة التعليم الخاص.

في مشوار ضياء الدراسي منعطفات كثيرة، عنوانها الأبرز الاجتهاد والعمل الجاد من أجل إنهاء دراستها الجامعية الأولى وما فوق الجامعية بنجاح، كي تخدم بلدها تأسياً بما فعله والدها من قبل. والمفارقة هنا أن الابنة تأثرت كثيراً بوالدها لجهة اختيار اللغة الإنجليزية مجالاً للتخصص.

وُلدت ضياء في «فريج الجناعات» بالكويت عام 1941، ودرست في المدرسة «القبلية» والمدرسة «الوسطى»، حيث كان لها فيهما الكثير من الذكريات الجميلة والسيئة من تلك التي تحدثت عن بعضها في حوارها مع جريدة «الأنباء» الكويتية (2011/‏‏‏‏‏‏1/‏‏‏‏‏‏1)، إذ قالت ضياء ما مفاده أنها لم تسلم من الغيرة والحسد، بعد أن أعلنت ناظرة مدرستها المتوسطة «القبلية» نتائج امتحانات الصف الرابع المتوسط، حسب النظام القديم، وكانت الوحيدة التي نجحت من بين زميلاتها، ثم سردت حكاية ما حدث لها عندما وصلت إلى الصف الثالث ثانوي، فقالت (بتصرف): «عندما وصلت إلى الثالث الثانوي كان تخصصي علمياً، لكني غيّرته إلى الأدبي بعد شهر من مرور السنة، والسبب أن معلمة العلوم كانت تسرق درجاتي وتعطيها إحدى الطالبات، لأن هذه الطالبة كانت دائماً تدعو هذه المعلمة للطعام عندها في البيت، وترصد درجة هذه الطالبة المتدنية لي».

ومن ذكرياتها في المرحلة المتوسطة أنه في إحدى السنوات تمّ تعيين معلمة ذات مستوى ضعيف ولفظ سيئ جداً مدرسةً للغة الإنجليزية. تقول ضياء عنها: «تضايقنا منها أنا واثنتان من الطالبات، فكانت هذه المدرّسة حينما تدخل الصف نخرج نحن من الصف ونذهب إلى غرفة صغيرة بالمدرسة، وكنت أنا المدرّسة لزميلاتي، إذ كان الوالد هاشم البدر يشرح لي الدرس وأنا بدوري أشرحه لزميلاتي».

مرحلة متوسطة

بعد حصولها على شهادة الثانوية العامة، التحقت بجامعة القاهرة لدراسة آداب اللغة الإنجليزية، فتخرجت وعادت إلى وطنها، وتمّ تعيينها عام 1963 معلمةً لـ«الإنجليزية» بمدرسة «اليرموك» المتوسطة. وتقول ضياء عن تجربة عملها في المدرسة إنها طبّقت تجربة لكتاب لغة إنجليزية جديد اسمه (New Living English) على الصف الأول المتوسط، وجاء المؤلف البريطاني ليشاهد نتائج التجربة حتى تُعمّم على بقية المدارس، ففوجئ بـ«شطارة» الطالبات ونجاح التجربة، فتمّ تطبيق الكتاب على المرحلة المتوسطة.

بعد ذلك تقدمت للحصول على بعثة حكومية لمواصلة دراستها العليا في بريطانيا، حيث التحقت عام 1964 بكلية (Averyhill College of Education)، فشعرت بالضياع بسبب استخدام الناس هناك لهجة عامية (Slang) غير مفهومة بالنسبة إليها، فطلبتْ من الملحقية الثقافية الكويتية في لندن نقلها إلى مصر لإكمال دراستها.

وهكذا، سافرت إلى مصر، والتحقت بكلية التربية في جامعة «عين شمس» وحصلت منها في مايو 1965، على الدبلوم العام في التربية - تخصص طرق تدريس اللغة الإنجليزية، وعلى الدبلوم الخاص في التربية في سبتمبر 1966. بعد ذلك، أكلمت سنة دراسية في دراسة المواد المقررة لنيل درجة الماجستير في التربية، واجتازتها بتقدير جيد.

وفي العام الدراسي 1967/‏‏‏‏‏‏1966، صارت ضمن المقيّدات لنيل درجة الماجستير في التربية (تخصص أصول التربية)، لكنها انشغلت بمسؤوليات بيتها وتربية أطفالها، فقررت أن تتوقف عن الدراسة. وخلال دراستها للدبلوم العام، كانت إحدى المواد هي التربية العملية في التدريس، فمارست التدريس في مدرسة الأورمان للبنات مقابل بيت الطالبات في حي الجيزة، وحصلت على تقدير امتياز.

في سبتمبر 1968، تمّ تعيينها معيدة في كلية التربية بجامعة الكويت، غير أن مسؤولياتها العائلية وقفت مرة أخرى ضد استمرارها، فكان قرارها العودة إلى العمل في وزارة التربية موجهة لغة إنجليزية عام 1973، وهي السنة التي ترجمت فيها كتاباً للجنة الوطنية الكويتية «لليونيسكو»، عنوانه «مدخل إلى التربية الدائمة» (An Introduction to Lifelong Education)، من تأليف Paul Lengrad. وبعد 12 عاماً من العمل في وزارة التربية موجهةً لمادة اللغة الإنجليزية، رُقّيت في 1985 إلى موجهة أولى للمادة، ثم استكملت مشوار العطاء في التعليم والتربية الذي اشتمل على عضويتها في لجان المقابلات المحلية لهيئات التدريس، وفي لجان تطوير مادة اللغة الإنجليزية. ومن خلال اللجنة الأخيرة، اقترحتْ فكرة إدخال الاستماع في دروس اللغة الإنجليزية واعتماد درجة لها، بعدما شاهدت مختبرات اللغة مهملة في المدارس الثانوية الحكومية ولا يتم استعمالها.

1987

كتبت ضياء البدر الجناعي، في أبريل عام 1987، 4 مقالات في جريدة «الوطن» المحلية: المقالة الأولى بعنوان: «كم يوم نصيب الطالب من الدراسة الفعلية في مدارسنا؟»، والمقالة الثانية بعنوان: «المدة الزمنية للدراسة الفعلية في مدارسنا»، أما المقالة الثالثة فكانت بعنوان: «الحوار الضروري لمعرفة الوقت الضائع»، فيما جاءت المقالة الرابعة تحت عنوان: «عطلة نصف السنة الدراسية لمدارسنا».

إذ أن بعد نشرها، قام مسؤولو وزارة التربية بتحويلها إلى لجنة تحقيق، وكان مسؤول قسم التحقيق كويتي الجنسية، وقد أصيب بالضيق من وجود مواطنة كويتية يتم التحقيق معها بسبب التعبير عن رأيها، فخرج تاركاً الأمر في يد محقق آخر الذي سألها: «لماذا تمّ تحويلك على الرغم من أنك لم تتعرضي في كتاباتك لأي شخص في الوزارة؟ قبل أن يعبّر لها عن استحسانه مقالاتها وآراءها».

وتقول ضياء البدر الجناعي إنها قالت للمحقق حينذاك: «إنني عندما عُيّنتُ في وزارة التربية لم أوقّع على ورقة تمنع التعبير عن الرأي». ونظراً إلى شعورها بالغبن في الترقيات، بسبب تلاعب بعض المسؤولين في وزارة التربية بالتقارير، وتيقّنها من قيام بعض هؤلاء بالدسّ ضدها، قررت تقديم استقالتها، فتقاعدت في شهر مارس من العام 1990، منهيةً بذلك رحلة طويلة في سلك التعليم، كانت فيها مسؤولة عن جيل كامل.

 

صفحة مُتخصّصة بالتأريخ الاجتماعي لمنطقة الخليج العربي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات