كيف أثرت السياسة الدولية في أوضاع الأساتذة اللاجئين

تقاطعت في السنوات الأخيرة، وعود أجندة 2030 للتنمية المستدامة بتعليم جيد ومنصف وشامل للجميع، مع زيادة قياسية في أعداد اللاجئين من بلدان تشهد نزاعات مطولة، وحدث تحول هام في توجهات الأمم المتحدة في مجال توفير التعليم، باتجاه تأكيد إدماج أطفال اللاجئين في نظم التعليم الوطنية للبلدان التي تستضيفهم، وهو تحول لفت الانتباه أخيراً لأوضاع المعلمين في الحالات الطارئة، فمن هم الأساتذة اللاجئون؟ وكيف أثرت السياسة الدولية في أوضاعهم؟

نظرة عامة

حتى فترة قصيرة، كان التعليم يجري من خلال مخيمات اللاجئين، وقد فضلت الحكومات المضيفة هذا النهج أيضاً، لأسباب أمنية ومالية. ثم حدث تحول عام 2012، مع إطلاق المفوضية العليا للاجئين استراتيجية التعليم الدولية والدعوة لإدماج الطلاب اللاجئين في نظم التعليم الوطنية للبلدان المضيفة، من الابتدائي إلى الثانوي، وهناك اليوم، وفقاً لتقرير «معلمو اللاجئين: مراجعة للأدبيات» الذي أعدته مؤسسة «إديوكيشن ديفيلوبمنت ترست»، أكثر من 11 دولة تدمج اللاجئين في مناهجها الوطنية.

وعلى العموم، يعد التعليم حقاً إنسانياً معترفاً به دولياً، وفقاً لمختلف الأطر القانونية الوطنية والدولية، وهناك وعي متزايد بدوره في إضفاء رسالة تفاؤلية وتأسيس أوضاع طبيعية للاجئين.

لكن هذا الحق، لم تقابله أطر قانونية خاصة بالأساتذة اللاجئين. واستناداً إلى اتفاقية اللاجئين لعام 1951، تحتاج الحكومات لضمان حصول المعلمين على أجور مناسبة وفرص التطوير المهني. لكن إلى أي حد يجري تطبيق ذلك؟.

ويواجه الأساتذة اللاجئون، في العديد من البلدان، تحديات عدة على صعيد الشهادات والحوافز المالية وفرص التدريب والتطوير المهني، مع اختلاف في الممارسات والاستراتيجيات على عدد من السياسات المتعلقة بهم. بالإضافة إلى العقبات المرتبطة بحق العمل في البلد المضيف.

العقبات كثيرة

الحق في العمل يشكل قضية حرجة بالنسبة للمعلمين اللاجئين تحديداً، نظراً لأهميته البالغة في تعزيز شعورهم بالأمان الاقتصادي. ويفيد التقرير أنه في كثير من الأوضاع، يواجه اللاجئون عقبات في إيجاد أي نوع من العمل. وفي مراجعة لـ20 دولة تستضيف 70% من اللاجئين، تبين أن أغلبية الدول كانت شديدة التقييد في هذا المجال، وأن اللاجئين يدرسون في القطاع غير الرسمي، تحت ظروف من الاستغلال.

وبالاعتماد على السياسات الوطنية للدول المضيفة، فإن الأساتذة اللاجئين قد لا يكون لهم الحق في العمل مقابل راتب، أو كأساتذة في نظام التعليم العام. وفي بعض السياقات، يمكنهم قانوناً العمل كمتطوعين فقط أو مساعدي أساتذة، تدفع لهم «حوافز». وفي تلك الحالات، فإن الأساتذة المؤهلين يفضلون التفتيش عن عمل في مجالات أخرى.

في كينيا، على سبيل المثال، يفيد تقرير «معلمو اللاجئين..» أنه لا يسمح للأساتذة اللاجئين التعليم في المدارس الحكومية، أو الحصول على راتب بأي صفة، بدلاً من ذلك، يكسبون «حافزاً» شهرياً ما يوازي 70 دولاراً، وعلى نحو مماثل في الجزائر وإثيوبيا.

ويؤدي غياب الحق في العمل إلى الانتقاص من مكانة الأساتذة اللاجئين في المجتمع عموماً. وفي أوغندا، في المقابل، للاجئين الحق نفسه في العمل كما المواطنين طالما اعترفت السلطات الأوغندية بشهاداتهم. وفي 2016، أصدرت تركيا مرسوماً يسمح للاجئين السوريين بالحصول على أذونات عمل، ووافقت الأردن أيضا على توفير أذونات عمل إلى ما يصل 200 ألف سوري.

وفي لبنان والأردن، حيث هناك فائض عرض من الأساتذة، من غير الممكن توظيف اللاجئين السوريين كأساتذة في وظائف القطاع العام (كالتعليم)، ويسمح لهم في الأردن بالعمل كمساعدي تعليم في مدارس المخيمات وبرامج المنظمات غير الحكومية، ولا يجري توظيفهم في النظام الحكومي بلبنان بل في المدارس الخاصة بعد حصولهم على تصريح من وزارة التعليم، ويُدفع لهم في لبنان والأردن «حوافز» لا رواتب.

كذلك في تركيا التي تواجه نقصاً في الأساتذة، يسمح للأساتذة السوريين بتوفير خدمات للسوريين حيث هناك 12 ألف معلم سوري متطوع بحوافز مدفوعة. وأفادت «يونيسف» أن هناك على الأقل 3650 أستاذاً سورياً يعملون في المخيمات، وأن وزارة التعليم التركية وافقت على استخدام المنهاج السوري لعام 2012/‏‏‏‏ 2013.

ويشير التقرير إلى تحديات أخرى في إيجاد عمل للمعلمين اللاجئين: عدم قدرة المعلمين على الحصول على اعتراف بشهاداتهم، النقص في التنسيق بين وزارت التعليم والوزارات المسؤولة عن اللاجئين، ووجود فائض عرض من الأساتذة الوطنيين المدربين، وأحياناً الاختلاف في اللغة.

توظيف المعلمين

يشكل المعلم في أوضاع اللاجئين العامل الأكثر أهمية في التأثير على جودة التعليم، لا سيما في ظل محدودية الموارد. لكن هناك وجهات نظر متباينة داخل المجتمع الدولي حول من ينبغي أن يدرّس للاجئين.

منظمة الشبكة المشتركة للتعليم «أي إن أي أي» تدعو إلى اختيار المعلمين أساساً من مجتمع اللاجئين المتأثر، لإدراكهم بقضايا اللاجئين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كذلك تبدو ميول مجتمع اللاجئين مشجعة لهذا الاتجاه، لخلفيات ثقافية ولغوية أو لتجربة التهجير المشتركة، لكن أنظمة مدارس الدول المضيفة ترفض أحياناً خضوع الأطفال للامتحانات الوطنية ما لم يجر تدريسهم على يد أساتذة مدربين.

ويفيد التقرير أن لغة التعليم والمنهج يؤثران على الأساتذة الذين ينبغي توظيفهم، ويشير إلى أن الأساتذة الوطنيين ربما في وضع أفضل للتعليم، أخذاً في الاعتبار طبيعة الصراعات المطولة، إذ من المرجح أن يحتاج أطفال اللاجئين تعلم لغة البلد المضيف والمنهج الوطني لاستكمال تعليمهم والسعي وراء فرص اقتصادية.

ويبقى اختيار الأساتذة المناسبين بتداعيات طويلة الأمد على جودة التعليم، فيما توظيف أساتذة جيدين والحفاظ عليهم يعتمد على المكافآت والحوافز وشروط التوظيف غير التمييزية والشفافة كما الدعم الإجمالي بالتدريب وغيره.

الاعتراف بالمؤهلات

وعلى أهمية توظيف أساتذة بمؤهلات معترف بها، فإن الاعتراف بالمؤهلات مشكلة كبيرة للأشخاص خارج البلاد التي حصلوا فيها على شهاداتهم، لا سيما وأن اللاجئين يفرون من بلدانهم دون شهاداتهم. ومن دونها، لا يمكنهم الحصول على وظيفة.

يفيد المؤلفان «بنسن وسسنان» أن الأساتذة اللاجئين في وضع المحرومين في كل خطوة تقريباً. ونادراً ما يحصل الأساتذة اللاجئون على دعم للحصول على الشهادات الضرورية للتعليم في البلدان التي تستضيف اللاجئين.

ومع ذلك، فإن عدد أساتذة اللاجئين المؤهلين مهنياً في صعود، بفوارق كبيرة بين البلدان. ويدعو البعض إلى تقييم مهارات الاساتذة المؤهلين إذا لم تكن معهم شهادات بسبب أوضاع طارئة، لكن الموضوع يطرح مشكلاته.

التدريب والتطوير

ويبقى موضوع التدريب المهني موضوعاً مهملاً خلال الصراعات. وفي دراسة على طلبة سوريين في بعض مدارس الشرق الأوسط، وجد كل من كولبرتسون وكونستانت أن المدارس والأساتذة غير مهيئين عموماً للتعامل مع طلبة تعرضوا لصدمات، وبحاجة إلى دعم نفسي اجتماعي. وبشكل مماثل في الجزائر وإثيوبيا، حيث تحدث الأساتذة عن مشكلات متعلقة بالانضباط ومشكلات نفسية ونقص في الحوافز بين الطلاب.

ويفيد التقرير أن التحدي الأكبر الذي يواجه أطفال اللاجئين قد يكون ضمان أساتذة بالمعرفة والمهارات النفسية والاجتماعية والسلوكية. فأساتذة اللاجئين يؤدون مهامهم في أوضاع معقدة، وتفيد الدراسات بأن العديد منهم لم يستفد من فرص التطويرالمهني، فيما سياسات التقييد على حرية الحركة داخل المخيمات عقبة أخرى تحد من حصولهم على مؤهلات.

ويبقى هناك التدريب غير الرسمي الذي تقوم به وكالات مختلفة، وليس معروفاً مدى فعالية تلك البرامج. وفي هذا الصدد، يشير التقرير إلى منظمة «الأنروا» كمثال جيد لسياسة بأسس إعداد أساتذة لاجئين رفيعي المستوى والحفاظ عليهم.

خلاصة عامة

وثمة مفارقة واضحة في السياسة الدولية تجاه أساتذة اللاجئين، فهناك من يقترح اختيارهم أساساً من مجتمع اللاجئين، وهناك من يوصي بإدماج طلبة اللاجئين في أنظمة تعليم البلدان التي تستضيفهم، غير أن دمج أساتذة اللاجئين في أنظمة تعليم تلك البلدان لتعليم الطلاب اللاجئين قد يكون مستحيلاً، مع تباين في فرص التطوير المهني بين المعلمين اللاجئين والوطنيين.

وبينما تشير الدراسات إلى أن الأساتذة اللاجئين هم الأفضل لتعليم اللاجئين، أو ينبغي أن يكونوا على الأقل جزءاً من توفير التعليم، وهذا ما تنبهت إليه البلدان المضيفة حيث ضمت أساتذة لاجئين كمساعدين لدعم الأساتذة المحليين، كما هو الحال في الأردن ولبنان وكينيا وتركيا، إلا أن التقارير تشير إلى أن أساتذة محليين يدرســون اللاجئين على نحو متزايد، بدعم وإعداد محدود. ويبقى توفير التعليم لملايين الأطفال اللاجئين في المنفى مهمة شائكة للغاية، ولا يوجد، للأسف، نهاية سريعة في الأفق.

معاملة -  اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين

 المادة 22 من اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين: تمنح الدول المتعاقدة اللاجئين المعاملة الممنوحة نفسها لمواطنيها فيما يخص التعليم الأولي. وتمنح الدول المتعاقدة اللاجئين أفضل معاملة ممكنة، على ألا تكون في أي حال أقل رعاية من تلك الممنوحة للأجانب عامة في الظروف نفسها، في ما يخص فروع التعليم غير الأولي. وافقت 146 دولة ولم توقع الأردن ولبنان وماليزيا وباكستان.

عهد -  العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966

 يضع العهد الحقوق المتعلقة بالتعليم والعمل والمعايير الملائمة للعيش والسكن والطعام والمياه والصرف الصحي والأمن الاجتماعي والصحة. وتنص المادة 13 من العهد جعل التعليم الابتدائي إلزامياً وإتاحته مجاناً للجميع، وتعميم التعليم الثانوي والعالي بمختلف أنواعه، وجعله متاحاً للجميع بكل الوسائل المناسبة ولا سيما بالأخذ تدريجياً بمجانية التعليم. ماليزيا لم توقع.

تلبية الاحتياجات الأساسية -  إعلان نيويورك بشأن اللاجئين والمهاجرين 2016

تنص المادة 32 من إعلان نيويورك بشأن اللاجئين والمهاجرين 2016 على تلبية الاحتياجات الأساسية الصحية والتعليمية المتعلقة بالنماء النفسي الاجتماعي، وعلى ضمان تلقي الأطفال اللاجئين والمهاجرين التعليم في غضون بضعة أشهر من وصولهم.

وتدعو المادة 39 إلى اتخاذ إجراءات لتحسين الإدماج والاحتواء في الوصول إلى التعليم. وتسعى المادة 79 لتوسيع برامج القبول المتعلقة بالتعليم عبر المنح الدراسية وتأشيرات الطلاب، كما تدعو المادة 81 لتوفير تعليم جدي النوعية في بيئات تعلم آمنة. المادة 82 تنص على دعم التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة وتعزيز التعليم الجامعي، بما في ذلك المهارات والتعليم العالي.

حقوق الطفل - اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل 1989

تضع الاتفاقية الحقوق الأهلية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والثقافية للطفل. وتنص المادة 28 من الاتفاقية على أن «الدول الأطراف تعترف بحق الطفل في التعليم»، مع نظرة لتحقيق هذا الحق بشكل تقدمي وعلى أساس الفرص المتساوية، مع تأكيد جعل التعليم الابتدائي إلزامياً ومتاحاً للجميع، وتشجيع تطوير شتى أشكال التعليم الثانوي والعالي. وقعت عليها كل البلدان باستثناء أميركا وجنوب السودان.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات