تعرض للمرة الأولى في نسختها الجديدة

أوبرا دبي تعزف اليوم «ناي موتسارت السحري»

قسنطين أورليان يتوسط أبطال العمل خلال البروفات التحضيرية | تصوير: عماد علاءالدين

«أوبرا الناي السحري» (Magic Flute) في نسختها الجديدة التي أنتجها المسرح الأكاديمي الأرميني، تعرض اليوم للمرة الأولى من دبي إلى العالم على خشبة مسرح «أوبرا دبي» ولمدة 3 أيام، لتقف على التماس بين أكثر الأعمال نخبوية في تاريخ الأوبرا.

وكذلك هي الأكثر حظوة وشعبية نظراً لتوليفتها التي تتراقص على أزلية الخير والشر، وتضيء حبكتها المتصاعدة الأحداث على قصة حب أسطورية، تتدخل فيها القوى الخفية، الشريرة والطيبة، ويدور الصراع بين الخير والشر فيها، وتحدث انقلابات مسرحية تقلب توجهات الشخصيات رأساً على عقب، وتتفاعل قوى «الماورائية» مع البشر العاديين، وصولاً في النهاية إلى انتصار الخير والنور: أي انتصار الحب.

طقوس وتفاصيل

ويمزج العمل وفقاً للمدير العام والمدير الفني، قسنطين أورليان بين الغناء (الفردي والجماعي) وبين الحوار المسرحي الذي يلقى من دون أي ألحان، وهو نوع شعبي تماماً كان له رواج في ذلك الحين ويطلق عليه اسم «الزينجشبيل»، وهذه الأوبرا تنتمي إلى عالم الحكاية الفلسفية، لكنها حكاية تمزج بين مبادئ الحكمة والفكر في طقوسها وتفاصيلها، وبين الهزل الشعبي الذي يبدو من دون حدود.

وتتألف «الناي السحري» من فصلين، على غير عادة أوبرتات ذلك الزمن، غير أن كلاً من الفصلين ينقسم إلى مشاهد عدة، حيث يبدو العمل في نهاية الأمر أشبه بـ«موزاييك» شخصيات ومواقف ومشاهد.

ويضيف أورليان: لم تعرف «الناي السحري» الحقيقية إلا في عام 1923، وقبل ذلك كان ما يقدم اقتباساً بعنوان «أسرار ايزيس» حققه موريل دي شيديفيل، يركز على الجانب «الفرعوني» من العمل.

وعندما وضع موتسارت ألحان أوبرا «الناي السحري» في العام 1791، كان في الـ35 من عمره، وحين قدمت هذه الأوبرا في خريف العام ذاته، كان لا يزال أمامه شهران فقط يعيشهما قبل أن يموت ميتته التراجيدية المثيرة للأسئلة، التي جعلته يدفن في مقبرة عامة. وبعد «الناي السحري» لم يؤلف موتسارت سوى عمل موسيقي واحد، ظل دون اكتمال وإن كان ما أنجز منه اعتبر وصية فنية ذات عمق استثنائي وجمال أخاذ.

ويشير أورليان إلى أن أوبرا «الناي السحرى» تعد من أضخم الأعمال التي أنتجها المسرح الأكاديمي الأرميني لأوبرا والأوركسترا، في كافة التفاصيل ومنها الأزياء الديكور التي صممها ألبرتو سبيزا، التي تزيد على 150 تصميماً وأجانب أكثر من 200 ممثل وممثلة يرافقون أبطال العمل بصحبة الأوركسترا التي يفوق عدد أفرادها 40 موسيقياً، إلى جانب الاستعانة بأحدث تقنيات الصوت والإضاءة والفيديو ويشرف عليه دافيدي بروكولي، والجميع يعمل وفقاً لرؤية المخرج باولو ميتشيتش.

100

وحول دورها «مملكة الليل»، تؤكد الـ«سوبرانو»، هسمك هورسان أنها الزيارة الثانية إلى دبي بعد مرور سنوات من خلال عمل جديد وللمرة الأولى على خشبة «أوبرا دبي»، منذ العرض الأول، اعتبرت أوبرا «الناي السحري» من أكثر الأعمال «الأوبرالية» المحبّبة عالمياً، واحتفلت الأوبرا بالعرض رقم 100 في عام 1792، ولكن للأسف، لم يحالف موتسارت الحظ في أن يشهد هذا الإنجاز لأنه توفي في 5 ديسمبر من العام 1791.

وتقول هورسان: أمثل في هذا العمل الشخصية الشريرة التي تتحكم في تعاونها نسوة نخطط للانتقام، من القوة النورانية متمثلة في «ساراسترو» الباسط نفوذه على هيكل الحكمة، حيث تحفّ به كهنة المعرفة وأساطين الحكمة دعاة القوانين الأخلاقية التي ستقف في أعلى درجات سلم رقيها الإنساني ونضوجها العقلاني في النهاية الأمير «تامينو». وهو الذي سلك السبيل الأمثل إلى الكمال، وحمى نفسه من التردّي والسقوط.

والفتاة «بامينا» الحسناء الرقيقة ابنة ملكة الليل التي نشأت وترعرعت في كنف أمّها بمملكة الظلام حتى تطهّرت أخيراً في هيكل الحكمة بنار الحب المقدّسة، وأصبحت لا تليق إلا بأمير كريم وندب هميم هو «تامينو».

حكمة «أنثوية»

وتلفت «السوبرانو»، جولييت ألكسليان، التي تقوم بدور «بامينا» ابنه ملكة الليل إلى أن موتسارت يعطي أهمية قصوى لشخصياته النسائية، فهي غالباً ما تكون «القوة» التي توجّه الحدث، كما تلعب الحكمة «الأنثوية» دوراً لا غنى عنه في الإرشاد والتوجيه خلال الرحلة الروحية.

ولهذا السبب بالذات، فإن «تامينو» و«باباجينو» لا يكتملان دون «بامينا» و«باباجينا»، وفقط عندما تكون هاتان إلى جوارهما، فإنهما يهتديان إلى وجهتهما الروحية الحقيقية. وباتحادهما معاً، فإنهما يمثّلان الصورة الكاملة التي أبدعها الخالق عز وجل.

وتتابع: في الغناء الثنائي بين «باباجينو» و«بامينا» نسمع كلمات «الزوج والزوجة»، والزوجة والزوج يتوصلان للمعنى الإلهي. والثنائية تلخص قصة الأوبرا الأخلاقية المتعلقة بالحب، والذي هو ثمرة النضوج والتجربة والحكمة. إنها علامة على وجود علاقة «حميمية» متبادلة واندماج حياتين في حياة واحدة.

 

المؤثرات الإبداعية تستهوي طلبة المدارس

استضافت «أوبرا دبي» خلال العرض التحضري لأوبرا «الناي السحري» أمس، مجموعة من طلبة المدارس من مراحل دراسية مختلفة ضمن مشروعها الثقافي لدعم الفنون والتعريف بأهم الأعمال الأوبرالية التي تعد الإنجاز الأعظم لفن الباروك، وجمعت الموسيقى والمسرح وكافة المؤثرات البصرية والقدرات التكنولوجية للعصر، وأصبحت مسارح الأوبرا مكاناً صُممت فيه أزياء وديكورات مبهرة، واستُخدمت كل أنواع الآلات الممكنة لتقليد أصوات الرياح وغيره من الأدوات وتحريك الوحوش؛ للخروج بالعمل في أبهى صوره.

 الطلبة إلى العرض التحضري لأوبرا «الناي السحري»

 

أعمال عالمية

ما يتم تقديمه من نماذج عن هذه الأعمال العالمية وتعرض على خشبة مسرح دبي أوبرا تسهم بشكل كبير في تنمية الحس الموسيقي لدى الطلاب اليافعين وحثهم على تذوق مفرداتها، فمعرفة الشكل الظاهري للمقطوعات الموسيقية واكتشاف القيمة الفنية الكامنة داخل المقطوعة الموسيقية، والفن الأدبي المرتبط بالعمل ككل ومنها «الزينجشبيل الألمانية» أحد أهم فروع الأوبرا العالمية التي استندت في خصائصها إلى أوبرا «بالاد» الإنجليزية والأوبرا «كوميك» الفرنسية والتمثيليات المدرسية الألمانية، وكان من أهم روادها المؤلف ويبر، وهذا العمل «الناي السحري» الذي ينتمي إلي هذا النوع من الغناء الأوبرالي الذي باتت الأوركسترا جزءاً من القصة، ويتم تكرار الجملة الموسيقية المرتبطة بالشخصية أو بحدث ما.

فرصة

وفى السياق تشير الطالبة أمنية جاسم 13 عاماً إلى أن أوبرا دبي منحتها الفرصة للتعرف على ثقافة موسيقية كلاسيكية، قد لا تتوافق مع ما تستمع إليه أو اهتمامها، ولكنها تفضل أن تكون على معرفة بأساليبها ومنهجها خاصة أنها اليوم تعرض في دبي، وفيما يخص عرض «الناي السحري» تشير أمنية إلى أنها ممتعة وغير معقدة من ناحية القصة، وعلى الرغم أن الحوار الغنائي كان باللغة الألمانية إلا أن أوبرا دبي وفرت ترجمة نصية للعرض باللغتين العربية والإنجليزية، التي أسعدتني كثيراً ودعمت متابعتي للعرض الذي لم أشعر بفضل أجوائه وبراعة الممثلين وقوة الأداء بالملل.

تشويق

ويؤكد الطالب يوسف العابد 16 عاماً أن زيارة اليوم كانت مشوّقة بدءاً من التعرف على دار أوبرا دبي وحضور العرض المميز بحضور زملائه، وجاء العرض بمثابة تطبيق عملي للمعلومات المقدمة لهم من قبل المعلم المشرف على الرحلة، التي على الرغم من صعوبة التركيز في كافة تفاصيلها إلا أنها تجذب المتلقي من خلال الأداء والأزياء وكذلك استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة في إخراج العمل الفني عوضاً عن قطع الديكور المتعارف عليها، فتحل الصور البصرية عبر تقنيات الإضاءة والغرافيك محلها، وتعطي بعداً جمالياً بقاع عصري مبهر ويحث على متابعة الأحداث التي تتصاعد حدتها في كل فصل بموسيقاه المميزة وأصوات معبرة عن المشهد.

 

بُعد الألحان الدرامي

الجهد يوحّد شكل الموسيقى بمعناها

 

تعتبر أوبرا «الناي السحري» واحدة من أعظم الأوبرات في تاريخ الموسيقى، حيث عرف موتسارت كيف يقدم الاستخدام الأمثل للبعد الدرامي في الألحان، إذ لا يعود ثمة فارق بين شكل الموسيقى ومعناها، بين الأغنية والموقف، خصوصاً أن الموسيقى أتت هنا في حد ذاتها لتعبّر في كل لحظة، عن الموقف الموصوف، وعن رد الفعل «السيكولوجي» لدى كل شخصية على الموقف الذي يجبهها. ولقد كان من المدهش أن يُقدم موتسارت على هذا في عمل له هذا البعد الفلسفي كله، وموجّه -إضافة إلى هذا- إلى الجمهور الشعبي، لا إلى البلاط، أو إلى أماكن تغشاها الطبقة الراقية وأعيان المجتمع.

 

آخر المسار الأوبرالي

المفكر والكاتب الألماني غوته، لفرط إعجابه بها، كان ينوي أن يكتب لها تتمة، تختم آخر أعمال موتسارت ومساره «الأوبرالي»، واعتبرت ذروة في ذلك المسار، وأنجزها موتسارت في آخر حياته في «سالزبورغ».

من إبداعات موتسارت

 

وكان بعمر السادسة حين بدأ يعزف ويبرز أمام الجمهور، ما جعل والده الموسيقي يصطحبه في جولة مبكرة إلى أوروبا. بعدها استقبل في البلاطات كافّة، وبدأت تظهر أعماله المؤلفة، التي كان يضعها في وتيرة سريعة وغريبة.

تعليقات

تعليقات