تجربة متشعبة تجاوز عمرها 40 عاماً

عبد الرحيم سالم.. فنان ثنائيّة الحركة والزمن

عبد الرحيم سالم أحد الأسماء البارزة في التشكيل الإماراتي المعاصر، جمع بين الموهبة والدراسة الأكاديميّة، وبين النحت والتصوير المتعدد التقانات. درس فن النحت البارز (ريليف) والميدالية في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة.

له تجربة فنيّة طويلة ومتشعبة تجاوز عمرها الأربعين عاماً كانت هذه التجربة ولا تزال، دائمة التحوّل والبحث والتجريب، لاسيّما في حقل فن التصوير الذي أوقف عليه غالبية نتاجه التشكيلي، لأسباب ذاتيّة وموضوعيّة.

الفن المستقبلي

تُصنف تجربة الفنان سالم ضمن مفهوم (الفن المستقبلي) وهي دائمة الخروج من مرحلة والدخول في أخرى، لكن وفق رؤية خاصة، وتواتر مدروس، بعيداً عن هاجس الوصول إلى البصمة التي يسعى البعض بإلحاح لتحقيقها في أعمالهم الفنيّة، وهو يُؤكد على أن الموضوع هو الذي يحدد شكل أو هُوية وسيلة التعبير، وله في ذلك تجربة معروفة وظف فيها المرأة الإماراتية، كعنصر أساس في لوحاته، بحيث شكّل هذا العنصر محورها الذي فرض عليه حلولاً تشكيليّة مقروءة وذات دلالة مباشرة، لكنها في نفس الوقت، اكتنزت على روح البصمة المطلوبة.

بعدها غابت الهيكليّة التشخيصيّة من لوحاته لصالح عناصر تجريديّة، ما يؤكد أن الفنان سالم لا يرسم لتجربته مسارات مسبقة، بل يترك الحريّة المطلقة للتجربة نفسها، تحديد هذه المسارات والسير ضمنها، يدفعه هاجس أساس هو تقديم تجربة متواصلة غير مقيدة بعناصر محددة، تطمح للوصول إلى أهداف يصبو إليها، ويسعى جاهداً لتحقيقها، سواء من خلال الشكل المشخص أو المجرد.

ثنائية

رغم حرص الفنان عبد الرحيم سالم على إبقاء تجربته الفنية خارج المدارس والاتجاهات، إلا أنه يؤكد انتهاجه أسلوب (الفن المستقبلي) المعتمد على ثنائية الحركة والزمن التي حققها أينشتاين في نظرية بزوغ الشمس على الأرض وما يحتاجه من زمن قياساً إلى حركة الشمس، وقد ازداد (كما يقول) عدد الفنانين الذين باتوا يعتمدون في تجاربهم على قانون الحركة والزمن، فالحركة تمثل زمناً، وكل خط وحركة في اللوحة يمثلان زمناً محدداً، ولذلك فإن الكثير ممن يستخدمون العدسة في أعمالهم الفنيّة تظهر صورهم وكأنها مهزوزة.

لكنها في واقع الحال ليست كذلك، وإنما كمية الضوء الموجودة في العدسة والحركة هي التي تسبب هذا الاهتزاز داخل الصورة، وقد لجأ الفنان سالم إلى هذا الأسلوب الجديد في إنجاز لوحاته، بغية ربط الموضوعات التي تعالجها بالحركة والزمن، ما يعني وجود حالة من عدم الاستقرار في اللوحة، وهو ما يمنحه إمكانية تحقيق الإيقاع اللازم فيها لتعبر عن مختلف الانفعالات والإحساسات القابعة في داخله، بالشكل الأمثل.

(مهيرة) الواقع والأسطورة

ارتبطت تجربة الفنان عبد الرحيم سالم، في إحدى مراحلها باسم (مهيرة) وهي أسطورة ابتدعها للتعبير من خلالها، عن حالة اجتماعيّة ما زالت تسكن ذاكرة أهل مدينة الشارقة حتى الآن، وتمثل جانباً مهماً من الموروث المحلي لدولة الإمارات العربية المتحدة.

ومهيرة هذه (كما يقول) هي تجسيد حي لحالة المجتمع في فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، حيث حاول التعبير عن معاناته، وإبراز الطريقة التي يتعامل بها الرجل مع المرأة، ورسم صورة سلوك ونظرة المجتمع إليها، والقصص التي تحاك حولها، وتساهم إلى حد كبير في تشكّل بنيتها الفرديّة والاجتماعيّة.

استلاب المرأة القديم الجديد

بتعبير آخر، حاول الفنان عبد الرحيم سالم عبر (مهيرة) ومن خلالها، إبراز وتأكيد الكيفيّة التي يتعامل بها الرجل مع المرأة، بحيث يمكن القول إن إرهاصات تلك المرحلة بتلاوينها المختلفة جسدتها (مهيرة) التي هي صورة من صور المجتمع، محاولاً أن يكون صوت تلك المرأة، عبر العلاقة الوطيدة التي تربطه بها، وبالتالي تجسيد ما ينتابها وهي قابعة في تلك الظلمة التي تعيش فيها، وتصوير الألم والشعور بالوحدة والخوف الذي ينتابها ولا يشعر به من يرتع خارجاً في النور.

هذا الخوف وهذه المعاناة، حالات لصيقة بحياة المرأة منذ زمن طويل ومازالت ترافقها حتى اليوم، وهو ما حاول الفنان سالم استحضاره إلى لوحته من خلال (مهيرة) التي لم يكن بإمكانها التحدث عن نفسها، والتعبير عن دواخلها، فقام هو بهذه المهمة، مستخدماً جملة من العناصر والمفردات والخطوط والألوان، ماهى فيها بين القيم التشخيصيّة والتجريديّة للأشكال، ما وفر للمتلقي مدخلاً (ولو بسيطاً) للولوج إلى مناخات هذا الموضوع الذي شغل عقل وروح المبدع، على اختلاف الوسائل والأدوات التعبيريّة التي يسكب فيها إبداعاته، وذلك منذ تعرف لأول مرة عليها وحتى الآن.

فالمرأة الجسد والروح والرمز والدلالة، كانت ولا تزال الشغل الشاغل للمبدعين، جسدوها كتلة في فراغ، وخطوطاً وألواناً فوق سطح، ونصوصاً بين دفتي كتاب، وموسيقى وصورة... الخ.

ذاكرة بصرية

بالمقابل، ورغم وصوله إلى حالة التشبع والامتلاء، في تعامله مع وسائل التعبير التقليديّة لفن التصوير، ولموضوعاته العديدة، إلا أنه لم يستنفذ بعد كل ما تموج به ذاكرته البصريّة، ولا حقق أغراضه من اللغة التعبيريّة التي يشتغل عليها، ولهذا لن يتراجع عن أهدافه، لاسيّما وقد بدأ يفهم الجسد بشكل مختلف، ويوظفه لأمر مختلف، رغم صعوبة الفوز بالجديد المتميز في زمن الانتشار المذهل لوسائل الاتصالات البصريّة، وبالتالي وسائل التأثر والتأثير، المباشر منها وغير المباشر.

جماليات

يعيش الفنان عبد الرحيم سالم حالة ترصد ومراقبة وبحث، عن جماليات خاصة كامنة في جوانب مجهولة في الكائن البشري، توطئةً وتمهيداً، لتقديم تأويلاته لها، متسلحاً بقناعة تقول بأن للتحدي طعمه الخاص، أما اللوحة فهي نده الآخر، وهو وإياها في معركة مفتوحة يجب أن ينتصر فيها، والنصر هذا هو إنجازه لها، بهذا الاتجاه، أو ذاك الأسلوب.

وبهذه التقنية اللونية أو تلك، وبغض النظر عن مضمونها. المهم عنده الفوز بها وتحقيقها، حتى لو عاد إليها مرات عديدة، وفي هذا الحوار الدائم بين المبدع وبين منجزه الفني، تكمن متعة الفن الكبرى.

تعليقات

تعليقات