إدراجها في أجندات الخطط التنموية الثقافية بات ضرورة ملحة

الأعمال التاريخية في رمضان.. غياب يُضيّع رهان الجمهور

محيرة ومنغصة هي ندرة، وبالأحرى غيبة، الأعمال الدرامية التاريخية على شاشات القنوات التلفزيونية العربية في الموسم الرمضاني الحالي«2017».

فمعها وجدتْ شريحة عريضة من الجمهور نفسها مرتبكة وفاقدة البوصلة في مخطط أوقات ترفيهها المفضل والنافع خلال الشهر الفضيل، إذ لا عِقد تُحلي به جيد مشاهداتها التلفزيونية في هذه الفترة.. ولا استحضارات تاريخية درامية، متقنة شائقة، تسافر بها/‏‏‏ بنا إلى بيادر مواضينا الغناء، لتقتنص وتقتبس منها فتذكرنا بسير وفعائل فريدة اجترحها أبناء جلدتنا في قرون خلت.. ولتسرد لأجيالنا الشابة قصص علمائنا وقادتنا وحكمائنا المعجونة بأيقونات من نور وزهر ودر خالص.

إن هذي «الحرقة الدرامية» التي نشكوها حالياً، مبعثها ومؤججها، تلك المسؤولية التنويرية والفكرية التي عودتنا وأقنعتنا «درامانا» بأنها منوطة بها، إلى حد ما، مع الموسم الرمضاني السنوي المتجدد، الذي يجمع العائلة أمام الشاشة التلفزيونية.. فتتخفف من زحمة الانشغالات العصرية، وإفرازات المجتمع المعرفي العصري المسيَّر بإرادة إعلام «السوشيال ميديا»، الذي غدا يشكل المرجع القيمي والتاريخي والحياتي والعلمي الأول في حياتنا.

لماذا؟

ليس مستساغاً أو مبرراً، أن تنسحب الدراما التاريخية هكذا وفجأة.. أو «وهو المرجح»، أن تُسحب وتغيّب بقرار من الجهات المنتجة، وبعض التلفزيونات، بفعل اعتبارات جمة، مؤكد أن أبرزها تحكم منظور الربحية وحسابات كُلفها المادية.

لا يمكننا تقبل الأمر مهما كانت الدوافع والأسباب، العلنية والخفية، لأن دراما السيرة والتاريخ، أمست رهاننا الأجدر والأفعل، في الوقت الحالي، للإضاءة على رفعة منجزنا الحضاري، كونها تنطوي على سمات إمتاعية وفنية جاذبة ومتجانسة، تتخلق في مزيج الخيالي والواقعي، فتنفح شذرات منجزاتنا الغابرة وسير هاماتنا الأولى ومحطات تاريخنا المشرق، جناحين من نور، ترتحل معهما إلى فضاءاتنا العصرية، برحابة وسلاسة، مثمرة تصويباً لأفكارنا وشحذاً لهممنا يهيئاننا لمعاودة التشبث بعزيمة التغيير والتطوير، فالخلاص من ابتلاءاتنا وانكساراتنا والمستنقعات التي تطوقنا.

فلا غنى لنا عن تلك الجرعة الترفيهية التي تحولت لدينا طقساً جمالياً درامياً، ندمنه بحميمية ولهفة.. طقساً نلج في رياضه دربة الحلم براهن أفضل لن تصنعه غير فِعال متفردة، نحاكي بها غابر مجدنا، ونمهد لمستقبل حافل بالنجاحات، مسور بجنائن المحبة والألفة والمنعة.

ما أحوجنا

نعم أيها السادة، مسيرو ومصممو مكون «معارفنا ومكتباتنا ومشاهداتنا الدرامية». إننا، كمتلقين، متلهفون لتلك الدراما الملتزمة نهج الحرفية في الصنعة والأسلوب البعيد عن الخطابية الممجوجة واللغة الخشبية، بينما هي تعرّف بمنجزنا التاريخي وبهويتنا وكينونتا. نطالب بها ونبغيها، لأننا أدمنّاها بعد أن أشجتنا وسحرتنا مع أدوار ومشاهد وحكايات بطولية مجلوبة ومستوحاة من صحائف التاريخ، تاريخنا.

فما أحوجنا في هذا الزمن لسير الأبطال واجتراحات النوابغ، وحتى ولو كان ذلك الحضور درامياً فقط. انظروا، ها دنيانا قد أمحلت، وها هزائمنا وأمراضنا المجتمعية استوحشت وشرعت تتآكلنا.. وها الأفق قد ضاق والمشهد اكتهل واكتحل بالسواد. هلموا إذاً ومدونا بترياق التخييل الناجع الذي يمكنه، ولو بنسب ضعيفة، حفزنا ودفعنا نحو تجسيد حلم غد الأنوار المُبدد مفاعيل كبوة طالت وتقعرت.

ليس مقبولاً أو مسموحاً لـ «درامانا» ولجميع القائمين عليها، من منتجين وكتّاب وممولين وممثلين..وحتى من الجهات الرسمية المعنية، هذا البعاد عن ينبوع ثر لموضوعاتها. وربما أننا لا نعوز كبير جهد لنتبين العوامل الكامنة وراء هذا التوجه والخيار.

فطالما أن مخزون تاريخنا مغزار عصي على الزوال أو النضوب.. وبما أنه لا قطيعة مع التراث ألمت بعقول كتابنا وباحثينا الجديرين بإنجاز هذه النوعية من الأعمال.. وكون الجمهور يريدها بشدة ويتلهف لها.

فلا جدال إذاً في أن مربط الفرس وأصل العقدة في هذه المعضلة جهات التمويل وبعض أصحاب القرار في الشأن. إن نسبة غالبة من هؤلاء فصّلت ثوب مشاهداتنا على هواها، وطبقاً لرؤاها النفعية البحتة بلا حسبان لأي اعتبارات مجتمعية.

ما أفرز وقوعنا رهينة الاقتصار على أعمال.. مغرية للمعلن وسهلة ومدرة للأرباح السريعة، فهي إما: رومانسية سطحية ممجوجة، أو مُعدة ومُقولبة ومُهندسة لتناسب بطلين ثابتين في كل سنة، يخوضان غمار سيناريو جديد لا حاجة للقوة والتماسك فيه، كون رافعته نجمين جماهيريين، أو ثالثة تعكس استشراء الحقد والتعصب والعنف في مجتمعاتنا...!

خطط واجبة

لا يجب أن نترك الحبل على الغارب. ولا بد للهيئات المعنية من المسارعة لتلافي هذا الخلل الحادث.. فالدراما أداة توجيه وإثراء محورية لمكون وعينا الجمعي العام. وعليه، يجدر رصد خطط منهجية وميزانيات ضخمة لها من الجهات الرسمية.

ولا ضير في أن تعتمد وتعامل كمفردة أصلية بنيوية ضمن أجندات خططنا الوطنية التنموية. وأعتقد أنه حري بنا الاتعاظ من مسار وتعاطي الغرب في الخصوص، حيث لا تزال الأعمال التي تستحضر أمجاد روما وانتصارات قيصر وعظمة لينكولن وفرادة شكسبير وحكمة سقراط، حاضرة بقوة ومؤثرة ومطلوبة، في السينما والتلفزيون والمسرح.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات