في مصفوت..خضـــرة وتاريخ ومغــــــارات أشاوس

نخيل على مد البصر

منذ أكثر من أربعين سنة خلت، نسمع عن أن «غلفا» التي لطالما روت الظمآن هي أولى ماركات المياه المعدنية الطبيعية المعبأة في منطقة الخليج.

ولكن قليل منا يعلم أن «غلفا» هذه هي في الأصل قرية، عريقة عمرها قرون، وتقع على وادٍ يحمل اسمها «وادي غلفا» الذي يتاخم قرية مصفوت التابعة لإمارة عجمان، على مبعدة بضعة كليومترات من مدينة حتا التابعة لإمارة دبي.

تضاريس المكان في حواشي مصفوت تجمع بين الظراب والأودية وروافدها «كالشعبة والغليل والطية» بجانب الجبال الشاهقة والهضاب التي تطالها الأبنية أحياناً والسهول المنبسطة حيث مزارع النخيل والموالح والخضراوات، فضلاً عن أنوع لا حصر لها من النباتات الصحراوية والصخرية التي تكسو الفيافي والسفوح بألوان أزاهيرها ونضرة سندسها، خاصة في فصل الشتاء الذي نحن فيه الآن.

فريق «البيان» وهو يسلك «دروب الإمارات» مرّ من هناك، يوم الأربعاء الأول من مارس 2017م، بحثاً عن عبقرية المكان وكنوزه المكنونة، قبل أن تعلوها الأيام فتتواري في الذاكرة، وعن الذهب الكامن في الإنسان قبل تطغى عليه شروط المدنية وتهيمن.

في مصفوت وضواحيها «غلفا ومزيرع» وجدنا الخضرة والماء والوجه الهاش الباش، إلا أن الوقت لم يتسع لزيارة الضواحي الأخرى التي تعد جزء من المنطقة مثل: الخنفرية والصبيغة ووادي قور وغيرها.. ولكننا علمنا أن عدد المزارع في هذه المنطقة ككل، تناهز الثلاثمائة مزرعة نضيرة، تؤتي أكلها كل حين.

مضيفنا الأول علي محمد الكعبي الباحث في تاريخ وأنساب قبيلة بني كعب التي تستوطن الأرض والجبال هناك هي وقبيلة البدواوي منذ فجر التاريخ.. يا هلا وارحب، ودخلنا في ثقافة المكان وذاكرته آمنين محلقين في التاريخ..

حفريات أركيولوجية

يذهب بنا علي الكعبي عميقاً في ماضي الزمان، إلى ألفي سنة قبل الميلاد، حيث دلت الحفريات الأركيولوجية على آثار تثبت وجود حضارة منذ تلك الفترة المطاولة في القدم، ومن بين الآثار عملات معدنية وأوانٍ فخارية وجدتها فريق منقبين بإشراف لجنة من المجلس الوطني.

ولكن الملحوظ واللافت للنظر هو تشابه أشكال القبور مع آثار أم النار في أبوظبي، حيث تتخذ القبور شكلاً دائرياً ذات أحجار لامعة بنية اللون تبدو كالمطلية بألوان زيتية. ومما اكتشفه الأثاريون في أعالي وادي غلفا وسفوح جبالها أن وضع الهياكل العظمية كشف أن القدماء على هذه الأرض كانوا يدفنون موتاهم جلوساً في هيئة القرفصاء.

وليس بشكل أفقي مستوٍ.

ورغم عصف الجرافات التي تمهد المساحات المتزايدة من أجل البناء السكني الحديث الذي يخبئ تحته الكثير من الأسرار التاريخية إلا أن المنطقة الأثرية ما تزال تحتفظ بقيمتها التاريخية في أعالي وادي غلفا، إذ ما برحت الكهوف والمغارات المتنوعة تتراءى في التلال المبعثرة في المكان،..

يقول علي الكعبي: إنها كانت بمثابة حصون وأبراج مراقبة بالنسبة للمحاربين الأشاوس الذي دافعوا عن كرامة هذه الأرض وإنسانها إبان فترة الاستعمار البرتغالي ولا حقاً البريطاني.

الحياة البرية

وقفنا فوق السفوح العالية المطلة على الوادي العميق بمشهده المهيب رغم خوائه من سيول المطر يومئذ، وهنالك رأينا النباتات الأكثر انتشاراً في غلفا فمنها: الشكّاع والوبية والمرخ والقلمان والسيداف الذي يؤكل على حد زعم الدليل، وهناك نبات الفاغي والحرمل الذي يستخدم للعلاج.

وهناك نبات المهتدي ذو الرائحة الطيبة ونبات الصخبر الذي تشعل به النار، بجانب العسبق الجميل والسدر وأما نبات الأشخر فهو الذي يخلط مع الكبريت لاستخلاص نوع من البارود جرى استخدامه في الزمان السابق.

وادي غلفا الذي يتحول لاحقاً إلى «وادي حذف» بعد اقترانه في ضاحية مزيرع بوادٍ أكبر منه ينحدر من الجبال قادما من سلطنة عمان المجاورة.. يفصل بين مصفوت وجبالها الشماء، وفيه أنشئ مصنع غلفا الشهير عام 1975م، وتسكن بلدة مصفوت قبيلة البدواوي بجانب غيرها.

وقد كانت هذه البلدة عبارة عن مصيف مهم في الماضي، حينما كانت عامرة بالماء والنخيل والمزارع، حيث أسهم موقعها وطبيعتها الطبوغرافية في طقسها الجميل. وكانت بها ثلاثة أفلاج هي: غيلي الذي تصنعه سيول المطر، و داوودي «نبع طبيعي» علاوة على الفلج الحالي.

أخذنا الطريق إلى مزيرع المجاورة، حيث البساتين الخضراء على امتداد البصر ومياه سد مزيرع على وادي حذف، هذا السد أنشئ منذ عشر سنوات من جانب وزارة البيئة الاتحادية للمحافظة وزيادة حصيلة المياه الجوفية، وقد أفادنا علي الكعبي بأن الشاعر الإماراتي سلطان بن علي العويس أنشأ أيضاً سداً آخر في المنطقة حمل اسمه «سد العويس».

الصدفة قدر

بنو كعب قبيلة بدوية شهيرة، اتصفت بالسمات الثقافية العربية التقليدية كالكرم والشهامة والشجاعة وخفض الجناح للضيف، وهذا بالضبط ما فعله معنا مضيفنا علي الكعبي، حيث أصر على أن نزل بداره لتناول وجبة الغداء وقسطاً من الراحة، فتأبينا عليه، متذرعين بعجلة أمرنا.

ولككنا في الحقيقة لم نشأ أن نكلفه عبء تهيئة طعام وضيافة فريق كامل، فجأة دون سابق إخطار، ودعنا عليّاً، فقال إذاً فعِدوني بالعودة في يوم محدد لتلبية دعوتي،.. وعدناه مجاملةً لكي تقر عينه ولكن ما لبثنا أن عرجنا على مطعم الشام في مصفوت، فطعمنا وشربنا وتفكهنا، ولكن ربّ صدفة خير من ألف ميعاد.

أو كما يقول المتصوفة: الصدفة هي تجلي الضرورة، فجأة حل على المكان رجل يظهر عليه الوقار والثقة بالنفس، لابد أنه من أهل الديرة، جاء وسلم وسأل عن الخبر.

كعادة العرب، إنه الشاعر الإماراتي المعروف محمد خليفة الكعبي، بقلب محب للحياة والناس رآنا مجموعة متآنسة متجانسة رغم مظاهر فروق السيماء والنوازع «إماراتيان وسوداني ولبناني وفلبيني» فهكذا مجتمع الإمارات المتسامح والمتعايش، على مائدة واحدة، نسترجع مع بعضنا الأحداث ونضحك سوياً، من أين؟

فقصصنا عليه القصص، فاستأنس وجلس إلينا، ثم ما لبث أن أمسى دليلنا ومضيفنا الثاني إلى مزيرع...

الشاعر و«البيان»

 

محمد خليفة الكعبي أخبرنا عن فخره واعتزازه بعلاقته القديمة مع جريدة «البيان» التي كان لها دور في نشر أعماله الشعرية في صفحاتها حتى نالت الذيوع لاحقاً، فللشاعر محمد خليفة الكعبي قصائد طوال في التشبب والغزل والفخر، ولعل أشهر ما انتشر من شعره بين الناس في عقد الثمانينات قصيدته «أنت الأمل» التي تغنى بها الفنان خليفة عبد الله، نقتطف من أبياتها:

إنت الأمل وانت حياتي

وانت عيوني اللي بها أشوفْ

وانت عن أمراضي شفاتي

وانت طبيبي الخاص موصوفْ

وأما قصيدته الأخرى التي تغنى بها المطرب سعيد سالم فقد جاء فيها:

شبكنا الحب بخطوط التماسِ

وفي أعماقي غلاك يزيد يكبرْ

ولو في الحب عانيت واقاسي

بعدني ع الهجر ما أقوى ولا اصبرْ

مزرعة البُر والرويد والجلجلان:

خرجنا مع شاعرنا، طلق المحيا، محمد خليفة الكعبي، الذي يقيم في العين رغم أنه من أبناء هذه المنطقة وقد جاء اليوم لزيارة أقاربه فيها،..انطلق بنا إلى مزرعة أحد أقاربه في مزيرع الخضراء..أحمد سعيد جمعة الكعبي، فعلمنا أنها واحدة من أقدم وأوسع المزارع في المنطقة، وفي معية أصحاب المزرعة:

راشد سعيد، وسعيد أحمد الكعبي، شهدنا أشجار النخيل وأحواض زراعة البر «القمح» والكسبرة، والفجل الذي يسمى محلياً «الرويد» والبقدونس والجلجلان، وفي المزرعة تربى الأغنام الماعز والضأن والبقر والدجاج.

ويقول محمد خليفة إن الألبان التي تنتجها مزارع الأهالي في قرى مصفوت كافة يجري تحويلها محلياً إلى سمن وبثيث وجبن وشامي ولبنة وروب في البيوت، الأمر الذي لم يتوقف حتى الآن رغم تغير الحياة والظروف.

وحدثنا محمد جمعة بأسف عن سوسة النخيل، وقد اعتبرها العدو الأول لنخيل الإمارات» التي أرانا بعضها وهي التي طرأت على البلاد في العقود الأخيرة وتؤدي إلى نخر سوق الشجر، وشرح لنا نظام الري الحالي الذي يزاوج بين الجداول «الفلج» وبين نظام الري بالتنقيط منعاً فإهدار المياه.

مصفوت المعاصرة

قرية مصفوت وتوابعها اليوم، مثلها مثل مناطق الإمارات الأخرى، تنعم بالخدمات الاجتماعية كافة، كهرباء ومياه نقية وطرق ومساكن حديثة راقية ومدارس ومركز شرطة ومراكز صحية وأسواق عامرة بجانب الحدائق العامة .

فضلاً عن مركز سند للخدمات المتكاملة، فليس فيها ما يدل على حياة القرى النائية إلا نبل القيم وحب الضيوف وفزعة الملهوف، خاصة وأنها تقع على مرمى نظر«دقائق فقط بالسيارة» من حتا التي لا تقل عن أن تكون منتجعاً سياحياً عالمياً مجاوراً.

شكراً حميد بن راشد النعيمي

تقدم أهالي مصفوت وضواحيها الذين التقيناهم خلال زيارتنا الخاطفة هذه بآيات الشكر والامتنان إلى صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم عجمان، تثميناً وشكراً على مكرماته ورعايته المباشرة للخدمات والحاجات التي يرتجيها المواطنون.

الأمر الذي انعكس خيراً وفيراً على المجتمع الريفي، خاصة أن سموه دائم الزيارة والاهتمام حيث يتفقد حال المواطنين ويسأل باستمرار عن مشاكلهم تجسيداً لنموذج القيادة الرشيدة التي تنعم بها بلادنا.

البدواوي طـــريـح «الفراش الأبيض» يـرعى ضيوفـه عن بعد

لسبب ما تأخرنا عن موعدنا المضروب مع مسؤولي بلدية مصفوت، ووصلنا إلى هناك بعد موعدنا المضروب بساعات، وكدنا أن نفقد فرصة الحصول على المعلومات التي نبتغيها، ولكن سرعان ما تذكرنا د. سيف بن عبود البدواوي، أستاذ التاريخ الخليجي الذي أصدر خمسة كتب مهمة في تاريخ الإمارات.

فتواصلنا معه وهو من أشار إلينا بالباحث علي الكعبي الذي هب لغوثنا، فرافقنا في مناحي وادي غلفا وظرابها، تلبية لإشارة أستاذه، ولذلك كان لزاماً علينا عيادته في مستشفاه بحتا القريبة على بعد دقائق.

طريق بهيج

الطريق إلى حتا كان رومانسياً في الحقيقة، سرنا تحت ظل غيوم بهيجة في الصيل، وفي مهب نسائم شتوية تطيل العمر، الروابي المدهشة تحف الطريق، وفي الذرى شيدت فلل أنيقة كالتيجان تغطي رؤوس الجبال الصغيرة المتناثرة على مدى النظر، ويتم الصعود إليها بسلالم مزركشة تتدرج من أدنى الربوة إلى الفناءات المحيطة بالقصر.

وهكذا توغلنا من تل متوج إلى آخر، لينتهي الشريط بفندق أرضي بسيط وواسع مطل على الجبال، تحفه الحدائق الغناء، ثم ننعطف يمنة إلى تفاصيل حتا، الأشد جمالاً، بهدوئها العجيب ونظافتها ورشاقة بيوتها الرائعة، وصلنا إلى مستشفى المدينة في زيارة إلى دكتور سيف البدواوي..

لم نذهب إليه للعيادة في عام الخير فقط، وإنما لخير آخر هو معرفة تاريخ المنطقة لكونه من علمائها الأجلاء، وبعد أن دعانا لتناول «الفندال» المشوي والرطب والمكسرات، وارتشفنا ما شاء الله لنا من القهوة العربية قال: هل استطعتم أن تروا الرسومات الأثرية داخل كهوف مصفوت؟

قلنا لا، قال «غلفا» سميت بهذا الاسم لأنها مغلفة بالجبال، وقديما كان الإنسان يحتاج إلى ضمانتين لكي يستقر ويعيش حياته، أولاً الماء «للسقيا والزراعة وتربية المواشي» وثانياً المكان الآمن.

ولذلك قال المولى عز وجل «الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف»، ووادي غلفا يؤمن المطلبين معاً، وثمة دلائل آركيولوجية كافية تحملنا على القول بأن البرتغاليين منذ قدومهم إلينا عام 1507م قد ارتكبوا بشاعات جعلت الناس ينزحون من الساحل ليحتموا بالجبال النائية، ولعل هذا ما دعا السكان إلى اختيار هذا المكان المميز.

وقال البدواوي: أرض مصفوت وضواحيها أنبتت خيراً كثيراً للوطن، فمن هنا وبجانب العسل الأصلي خرج للإمارات الدكتور سالم خميس الكعبي، أول مواطن تخصص في كهرباء القلب بكندا، فكان علماً مرموقاً في مجاله، ومن هنا خرج ضباط كبار في الجيش والشرطة نفخر بهم ونعتز.

وخرج سعيد خلفان الكعبي عضو المجلس الوطني عن إمارة عجمان ومن حملة الدكتوراه لدينا لفيف من أساتذة جامعات، وكذلك الشاعر المعروف مصبح علي الكعبي من مزيرع ولدينا طبيبات أخصائيات بينهن موزة سيف البدواوي وموزة خليفة الكعبي، ومن مصفوت خرج الشيف الإماراتي الشهير سالم البدواوي شيف فندق قصر الإمارات في أبوظبي وغيرهم كثير.

سفير

أفادنا الدكتور سيف البدواوي بأن سفير الإنسانية الإماراتي الذي بات علماً في رأسه نار السفير جمعة الكعبي الذي نالته يد الغدر والإرهاب وهو يقوم بواجبه الإنساني في أفغانستان مقدماً صورة مشرفة لوطنه إمارات الخير في عام الخير، هو من «وادي قور» التابع لمصفوت، وهذا فخر كبير سيذكره الوطن وشعبه وسجلات التاريخ زماناً طويلاً بكلمات من نور وعزة.

«مي ومنيور»

عن المثيولوجيات الشعبية المحلية يفيد دكتور سيف البدواوي بأن هناك حكاية فولكلورية في مصفوت وضواحيها تقول إنه في سالف الزمان كانت تعيش هنا في هذه الأرض وجبالها فتاة تسمى مي، ترعى غنم أهلها، وهي حسناء جداً وقع في غرامها شاب، فأراد أن يلفت نظرها إليه .

ولذلك صنع ساقية ماء «الساقية تسمى هنا المنيور» في أعلى الجبل، والساقية كالعادة تصدر صوتاً مميزاً يجذب الانتباه، وتخليدا لهذه القصة الغرامية العاصفة سمي ذلك الجبل حتى اليوم بحبل منيور وهو معروف بين السكان.

* تضاريس غلفا جبال ذات كهوف وظراب وأودية

* أنواع لا حصر لها من النباتات الصحراوية والصخرية تملأ السفوح

* الحفريات الأركيولوجية دلّت على آثار تثبت حضارة منذ 2000 سنة ق.م

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات