مقتطفات وأخبار من الوثائق البريطانية (1-3)

أشرنا في أكثر من مناسبة إلى الأخبار والتقارير والإحصائيّات والمسوحات المدوّنة في الوثائق البريطانيّة عبر عقود طويلة من الزمن، إذ لم يترك فيها المسؤولون البريطانيّون، من عسكريّين وسياسيّين وإداريّين ورحّالة ومنقّبين وباحثين، شاردة ولا واردة وصلت إليهم إلا ودوّنوها وتتبّعوا خبرها، وأثبتوها كتابة وصورة ورسماً ووصفاً وتعليقاً. وهم في كلّ أحوالهم ورؤاهم يمثّلون القوّة العظمى في تلك الحقبة الغابرة من الزمن. وهم بالتالي حملوا على عاتقهم تتبّع المعرفة أيّاً كانت، وأيّاً كان مصدرها، ولهذا كانوا في حينها يحفظونها في سجلّاتهم ودفاترهم لتفيدهم في طريقة تعاملهم مع المنطقة أرضاً وسكّاناً. وفي الوقت نفسه تزوّدهم بمعرفة عامّة حول طبيعة المكان وكيفيّة الإقامة فيه والتعامل معه.

بعد مرور السنين تلو السنين أصبحتْ الوثائق والمحفوظات البريطانية ذِخراً ينهل منه الباحثون عن العِلم فيجدون فيه ضالّتهم، فيحلّلون ويناقشون. وهي بطبيعتها تتحمّل القبول والرفض، والشّكّ واليقين، والتحليل والمناقشة.

وأتساءل أحياناً، ما هي الفائدة المرجوّة من ذِكر أعداد حيوانات الرعي أو بهائم النّقل أو أشكال الأرض أو طول الدروب أو وعورة الطرقات أو انخفاض السواحل أو ملوحة التربة؟ إلى غير ذلك من الأمور. وحين نضعها في ميزان المعرفة نجد أنّ لكلّ منها قيمته في ميدان البحث العلمي الرصين. ونقول كذلك ما هي الفائدة المرجوّة لرجال السياسة البريطانيّين آنذاك أن يدوّنوا معلومة تفيد بأنّ الحاكم الفلاني تزوّج فتاة من القبيلة الفلانيّة وغير ذلك من التفاصيل. وحاكم تزوّج فتاة من العائلة الفلانيّة، وكانت أخواتها متزوّجات شيوخاً آخرين.. وما هي الفائدة المبتغاة من توثيق وصول أحد الشيوخ إلى الموضع الفلاني في الساعة المحدّدة في التاريخ المحدّد، ثم غادره في الوقت المحدّد عائداً إلى إمارته. وأنّ الحاكم الفلاني قد غادر مدينته إلى إمارة أخرى لقضاء بعض الوقت مع عائلته هناك في وقت المقيظ. وما هو الأمر المرتجى من تحديد الهدف من كلّ زيارة، بل من كلّ حركة يقوم بها شيوخ الإمارات حينذاك، وأتباعهم، مصحوباً بالوقت والتاريخ والساعة. وما هو الهدف من تحديد الحالات المزاجية والشعورية لكلّ حاكم في هذه الأوقات، ولكلّ شيخ قبيلة، ولكلّ مسؤول كبير من الإمارات آنذاك، وما هو الوقت الأمثل للحديث معه حول موضوعات الساعة آنذاك.

ويزداد الإنسان ذهولاً لمّا يجد في متون هذه المحفوظات الزيجات والوفيات والأفراح والأتراح والأقارب، بل وشائج القربى بين شيوخ الإمارات فيما بينهم وفي الإمارة الواحدة. ويزداد الإنسان استغراباً حين يجد أوصافاً دقيقة لحالات من المواقف السياسيّة المعارضة للوجود البريطاني في المنطقة، وصلة هذه المواقف بالخارج. وكيف سوف تؤثّر على توجّهات السياسية البريطانيّة آنذاك.

وفي هذه الحلقة سوف نستعرض مع القارئ الكريم أخباراً منتقاة عن الأوضاع البيئيّة والمناخيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة وردت في: The Political Diaries of the Arab World: The Gulf. في المجلّدات: 21 و22 و23 و24 وهي هنا بمعنى يوميّات أو ملاحظات، أو بمعنى دفتر تسجيل ملاحظات سياسيّة للعالَم العربي: الخليج العربي.

وأثناء بحثي في مكتبة دائرة الآثار والمتاحف برأس الخيمة، لفتَ نظري كتاب بعنوان: The Gulf Historical Summaries: 1907 - 1953. Vol. II: Historical Summary of Rvents in the Gulf Shaikhdoms and the Sulatnte of Muccat and Oman: 1928-1953.

وهذا المصنَّف صادر في لندن عام 1987. ويرد في استهلاله أنّ هذا المؤلَّف مقسّم إلى خمسة فصول، تحتوي على عناوين فرعيّة تدور حول الوضع العام في المنطقة، والمسائل الدّاخليّة، وشؤون النّفط، والعلاقات بين الإمارات والدول في الخليج العربي. وفي نهاية كل فصل توجد ملاحق تحتوي موضوعات شتّى. وأنّ مادّة هذا الكتاب مخصّصة لِتقديم خلفيّة محدّثة حول المشاكل الغالبة في الخليج، تمكّن خلالها المسؤولين من الاطّلاع على الأوضاع عن كثب، وتساعدهم على اتخاذ القرارات المناسبة. ومن الغريب أنّه بعد مرور كلّ الأعوام إلا أنّ واضعي الموجز التاريخي لا بدّ لهم من الإشارة إلى حروب القراصنة المفترى اسمها من قِبلهم أصلاً. وكأنّ الأمر صار ملتصقاً بالمنطقة وأهلها حتى ولو كان افتراء أو ادّعاء.

ومن الإشارات الواردة في الموجز التاريخي في الجزء الثاني أنّ إمارات الدولة تأثّرتْ كثيراً بسبب الحرب العالميّة الثانية خاصّة فيما يتعلّق بنقص مواد التغذية. وفيه من الدعاية السياسيّة التي تلمح إلى قيام السلطات البريطانيّة بتقديم الدعم الغذائي للمنطقة، وتوفير كمّيّات من الحبوب والأطعمة لتوزيعها على السّكّان. ومن الأمور اللافتة التي وردت في المحوز التاريخي في الجزء الرابع، أنّ المعتمد السياسي أصبح محطّ الاهتمام من قِبل الأهالي الذين يأتونه مسلّمين، مقدّرين، شاكين، أو سائلين المشورة، والتفاهم. وأنّ رأيه معتبر لدى كلّ حكام المنطقة نظراً لعدم وجود خبراء اقتصاديّين أو عسكريّين أو إداريّين عندهم، فبالتالي أضحت دار الاعتماد تعجّ بالزوار. خاصّة أنّ الحكام كانوا راغبين بشدّة في تطوير إماراتهم ووضع خطط للتنمية الاقتصاديّة والعمرانيّة والمدنيّة. ومن الإشارات المعبّرة عن التطوّر، اعتبار عام 1958 من الأعوام المثمرة لِما فيه من تطوّرات وتنمية.

الأمراض والإصابات

ورد في إحدى هذه التوثيقات أنّ حاكم الشارقة الشيخ سلطان بن صقر بن خالد القاسمي أُصيب بخرّاج في كتفه.. وهو الآن في حال أحسن. بتاريخ 1 فبراير 1947. وفي موضع آخر يرد أنّه في شهر نوفمبر 1959 توعّك الشيخ محمد بن صقر بن خالد القاسمي في الشارقة، فسافر إلى البحرين للعلاج.

وفي شهرَي يناير وفبراير 1962 ظهرت بعض حالات الإصابة بالجدري بين السكان.

التصدير والبيع والشراء

ذُكر أنّ الشيخ أحمد الجابر الصباح اشترى عدداً من الإبل العمانيّة بهدف التربية، وقد نُقلت إلى الكويت من ميناء دبي بتدبير من التاجر الكويتي الشّهير مرشد العصيمي في شهر فبراير 1947.

وأثبتتْ التقارير أنّ شركة س. س. بهاريستان (S. S. Baharistan) قامت بتصدير ألف طنّ من الأكسيد الأحمر من جزيرة أبو موسى، و70 طنّاً من جزيرة صير بو نعير إلى بريطانيا، (أبريل/‏‏‏‏‏‏‏ مايو 1947). ثمّ في 23 أكتوبر صدّرت الشركة نفسها 2000 طنّ من الأوكسيد الأحمر من جزيرة أبو موسى. وأنّه في بدايات عام 1948 وصل إلى جزيرَتَي أبو موسى وصير بو نعير إنيس پوكوك (E. Innes Pocock) مندوب شركة الوادي الذهبي البريطانيّة (Golden Valley Ochre Company of Bristol). وفي شهر مايو 1949 صُدّر من جزيرتَي أبو موسى وصير بو نعير 4000 طنّ من الأوكسيد الأحمر إلى بريطانيا. وفي الجزء الثالث من الموجز التاريخي يرد أنّ إنيس پوكوك نجح في التواصل مع حاكم إمارة رأس الخيمة، واتّفق معه على التنقيب عن الأكسيد الأحمر.

وفي موضع آخر يرد أنّه في شهر يونيو 1947 تأكّد أنّ الحكومة الهنديّة قد أوقفتْ تماماً استيراد اللؤلؤ الخليجي. واستمرّ هذا المنع سنة كاملة. وأنّه في شهر يونيو 1948 شهد نقصاً كبيراً في شحنات الأرز من شبه القارّة الهنديّة. وفي شهر يونيو 1948 وصلتْ الروبيّة الباكستانيّة إلى منطقة الخليج العربي، إلا أنّها لم تنل حظّاً من القبول بين الأهالي في مقابل الروبية الهنديّة. وذُكر أنّه وصلت في شهر مارس 1947 إلى ميناء دبي حوالي 26 من المحرّكات الإنجليزيّة التي تعمل بالديزل لريّ الأراضي الزراعية والسقاية.

الوفيات

ورد أنّه في 17 فبراير 1947 توفّيت الشيخة حصّة بنت المرّ بن حريز الفلاسي، زوجة الشيخ سعيد بن مكتوم، حاكم دبي، فكانت وفاتها صدمة كبيرة على الأسرة. وقد أغلقت الأسواق أبوابها في كلّ من دبي والشارقة حداداً على الفقيدة الكبيرة، وقام شيوخ الإمارات بتقديم التعازي للشيخ سعيد بن مكتوم.

وفي 13 مايو 1948 توفّيت الشيخة سلامة بنت زايد بن خليفة، عمّة حاكم أبوظبي آنذاك، الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان. وكانت سيّدة مؤثّرة في محيط الأسرة الحاكمة في أبوظبي، وكانت وفاتها إثر مرض لم يدم طويلاً. وقد أغلقتْ أسواق دبي يوماً واحداً حداداً على هذا المصاب.

وذُكر أنّه بعد وصول خبر اغتيال المهاتما غاندي في 30 يناير 1948 إلى دبي، أغلق الهنادكة محلّاتهم لمدّة ثلاثة أيّام حداداً على وفاته.

1948

من ضمن بيانات السجلات، أنه في 12 سبتمبر 1948 أغلقتْ أسواق دبي والشارقة أبوابها حداداً على وفاة الزعيم الباكستاني الكبير محمد علي جناح، كنوعٍ من التقدير والاحترام لهذه الشخصيّة الرائدة. وبعث حاكم الشارقة حينها، برقيّة تعزية لحرم محمد جناح السّيّدة فاطمة، وتلقّى جواباً منها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات