الرحّالة الإسباني أدولفو ريفادينيرا في بلاد العرب

منذ قرون، لم يغب الشرق عن اهتمامات المستشرقين، والرحّالة، والدبلوماسيين، والكتّاب، والباحثين عن المغامرة الأوروبيين، فالشرق، وهو منطقة جغرافية شاسعة تمتدّ من البحر المتوسّط إلى أقاصي آسيا، شكّل الوجهة المفضلة للراغبين في رؤية المفارقات، والتنوع.

والواقع أن هذا الشرق لم يبتعد كثيراً عما سطّره الرحّالة في كتاباتهم عنه، فهو مسرح للأعراق، والقبائل، واللغات، والتقاليد، والطقوس الغريبة، والجمال. وكانت آنذاك كتب الرحلات والقصص والروايات تستجيب لذوق الجمهور الأوروبي وتعطّشه إلى الغريب والجديد.

إنّ مَن سافروا مِن الإسبان إلى خارج القارّة الأوروبية هم من القلّة، بحيث إنّ كلّ ما يعرفه الإسبان عن الأمصار البعيدة يأتي من كتّاب آخرين، هم في الغالب الفرنسيّون الذين لا تتصف أعمالهم بالدقّة بقدر ما تعكس سرعة انبهار مؤلّفيها وتأثّرهم، وفيما يبدو، فإنّ غياب المصالح السياسيّة والعلميّة والتجاريّة في البلدان الأفرو-آسيويّة يفسّر قلّة الكتّاب وعلماء اللغة والدبلوماسيّين والمغامرين الإسبان في العالَم الإسلامي بالمقارنة بنظرائهم الفرنسيّين والإنجليز، إلا أنّ هؤلاء الرحّالة قد وُجدوا وإن يكن عددهم قليلاً جدّاً.

أدولفو ريفادينيرا

هو أحد أبرز الرحّالة الإسبان الذين قاموا بمغامرة الأسفار في البلدان البعيدة، وتركوا مشاعرهم ومشاهداتهم في رحلة تحكي قصّتهم أثناء تلك الأيام. وُلد أدولفو ريفادينيرا عام 1841 في مدينة بالبارايسو في تشيلي التي هاجر إليها والده في القرن التاسع عشر، وكان يعدّ أحد أبرز الناشرين الإسبان في زمانه، وكان قد غادر بلاده إسبانيا إلى أمريكا اللاتينية لينجز مغامرة نشر في ميدان الصحافة، فولد الابن هناك. وتلقّى ريفادينيرا دراسته في عدد من البلدان الأوروبية، وتعلّم لغات بينها اللاتينية والعربية والفارسية، ثمّ بدأ مسيرته الدبلوماسية بالتوجّه إلى شرقيّ المتوسط، إذ شغل مناصب في بيروت والقدس ودمشق، ثمّ بلاد فارس ثمّ سيلان وغيرها من المناطق. وتوفّي أدولفو ريفادينيرا في مدريد عام 1882 في الأربعين من العمر.

بين العمل والارتحال والكتابة

جمع ريفادينيرا بين تمثيل مصالح بلاده، وتأليف كتب أدب الرحلات، كما هو الحال بالنسبة إلى كتاب: «من سيلان إلى دمشق» Viaje de Ceylan a Damsco, Madrid, 1871 الذي صدر للمرة الأولى عام 1871، ثمّ توالت طبعات هذا الكتاب في لغات عدّة فيما عدا اللغة العربية، إلى أن قام المترجم صالح علماني أخيراً بترجمته إلى اللغة العربية، وصدر عن دار المدى دمشق عام 2009 ضمن سلسلة: البحث عن الشرق.

قصّته في رحلته

تبدأ رحلة الدبلوماسي الإسباني، بحسب ما يرويه في كتابه هذا، من مدينة بومباي (مومباي) الهندية، وتقف في مدينة كراتشي، ثم تمضي الرحلة نحو الخليج العربي، حيث تقف السفينة البخارية في موانئ عدّة مثل مسقط وبندر عباس وبوشهر وصولاً إلى البصرة، ثمّ من البصرة تنطلق الرحلة نحو بغداد، وبعد أن يمضي المؤلِّف أياماً عدّة في بغداد، يذهب في قافلة برّيّة باتجاه كردستان، إذ يتوقّف، أولاً، في مدينة كركوك، ومن كركوك يذهب المؤلِّف إلى أربيل، ومنها إلى الموصل، ومن الموصل تمضي الرحلة نحو زاخو، وكانت مدينة ديار بكر محطة رئيسة في الرحلة، ومن ديار بكر، وقبل أن تنتهي الرحلة في دمشق، يتوجّه المؤلِّف إلى مدينة حلب.

الأسلوب والمنهجيّة

كتب ريفادينيرا بأسلوب واضح ويسير، ينأى بنفسه عن أساليب الرحّالة الرومانسيين من أمثال شاتوبريان، ولورد بايرون، ولامارتين، وغوتيه، وسواهم ممن جعلوا من شرق البحر المتوسّط مكاناً خياليّاً، حصيلة أحلام يقظتهم أكثر مما هو حصيلة الواقع. وعلى الرغم من أنّ المؤلِّف يؤكّد أنه دوّن مشاهداته فحسب، لكن كتابته لا تأتي كسرد بصري محايد، بل تتلوّن بمواقفه، وآرائه.

وفي موازاة مدح بعض الشخصيات والعادات التي تنطوي على الكرم والشجاعة والمروءة، فإن ريفادينيرا يذكر، كذلك، الجوانب السلبية، ويندّد ببعض العادات السيّئة التي وجدها شائعة هناك وهناك. ويفسّر، استناداً إلى ثقافته الواسعة، طبيعة بعض المعتقدات والخرافات، ويشرح الخلفية التاريخية، الأسطورية لأسماء الأماكن، والمدن. ومع أن هذا الكتاب يندرج تحت إطار «أدب الرحلات»، لكنه يتجاوز هذا التصنيف ليكون، كذلك، كتاباً في الجغرافيا والتاريخ وعلم الاجتماع، إذ يصوّر الكاتب الجغرافيات التي مرّت بها رحلته من مختلف الجوانب من دون أن يدّعي التوثيق أو التأريخ.

ويعتمد على حدسه وحواسّه، ويكتب في شكل عفوي، لذلك جاء الكتاب في قالب قصصي، مشوّق بعيد عن الأرقام والتواريخ المملّة، التي قد تعوق مسار رحلة جميلة صاغ تفاصيلها قلم مرهف. وحاول أن يقدّم عملاً ينتهج الواقعية في رصد مشاهداته في الشرق بعيداً عن مبالغات بعض الرحالة. وتتميّز يوميات هذا الرحّالة بالتوازن، وعدم المبالغة في تصوير الشرق، فقد حرص على وصف تفاصيل الرحلة بدقّة، كما تحدّث عن الشعوب والحضارات التي سكنت تلك المدن التي مرَّ بها، وما بقي فيها من آثار ومعالِم حضارية.

في عمان ومسقط

في 4 يونيو 1869 وصل ريفادينيرا إلى مسقط، وينقل عن من التقاهم أن اسم عمان ينحدر من جذر عربي يعني البقاء في المكان، وهو قول وارد في المعاجم العربية القديمة، أشار إليه ابن دريد وابن منظور والفيروزأبادي وغيرهم. ويقول إنّه في أيّام السبئيين كانت تعني الألوهة التي تطلق على الشمس، وهو هنا يبعد في التفسير، ولا يصح إلا في إشارته إلى الألوهة التي كانت تشير إلى الشمس عند عرب الجاهلية. ويقول إنّ خور مسقط محميّ بمرتفعات وصخور سوداء، وشاهد على الشاطئ صفّ من 20 بيتاً.

ويشير إلى أنّه أثناء زيارته أحسّ أن الحداثة ليست بادية في مسقط، ثم يلمح إلى وفاة ثويني بن سعيد بن سلطان البوسعيدي الذي تولّى السلطة من 14 أكتوبر 1856 إلى 11 فبراير 1866، ثم يشير إلى حكم سالم بن ثويني بن سعيد، ويلمح الرحّالة إلى تحالف سالم مع الإمام فيصل بن تركي بن عبد الله بن سعود. ويتحدّث عن تسليح الجنود السعوديين بالبنادق الطويلة والخناجر. وألمح إلى وجود رقابة صارمة عن ارتكاب الفواحش وشرب الخمور ولبس الرجال للحرير والذهب، وشرب الدخان. وينقل عن الرحّالة بولغراف إشاراته حول الحركة الوهابية وانتشارها في شبه الجزيرة العربية، وضمّها للحجاز، ووصول نفوذها إلى العراق وسواحل الخليج العربي. ويخطئ حين يقول إنّ للشيخ محمد بن عبد الوهاب ابناً يدعى عبد العزيز، ويبدو أنّه يقصد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود. ويشير إلى اغتياله على يدي أحد المندسّين من الفرس.

السفير البريطاني في مسقط

ذكر الرحّالة أنّه التقى بالمقيم السياسي البريطاني في مسقط، الذي قدّم له شراباً بارداً، وذكر أنّ هذا الموظّف البريطاني على قناعة تامّة بأنّ منصبه أهم منصب في الدنيا.

الحياة والأسواق

أشار ريفادينيرا إلى الحياة في مسقط حينذاك، وعدم وجود حركة في الأسواق، وأنّ الأهالي كانوا يتخوّفون من الأجانب والحديث معهم. وأشار إلى أكل الأسماك المملّحة والمجفّفة، ويذكر أنّه تجوّل في محيط البلدة، وأنّه دخل أحد المقاهي، ودخل في حديث ودّي مع مرتاديها بعد أن اطمأنّوا إليه، ولاحظ عربيّتهم الواضحة والجيّدة. وأورد نتفاً حول مناخ مسقط الحار في ذلك الوقت من العام، واشتداد الحرارة والرطوبة، ثمّ يذكر مرورهم بميناء مطرح، وهي مدينة أجمل من مسقط، ومأهولة أكثر منها، ويشير إلى صناعة الأسلحة فيها، وبالذات السيوف والخناجر المفضّضة والمتاجرة بها، إضافة إلى السجّاد والتمور.

 

شبه جزيرة مسندم

ولأول مرة أجد تفسيراً لمسمّى مسندم، وهو قول ريفادينيرا: إن اسم رأس مسندم يعني: «رأس السندان» بسبب عنف ارتطام الأمواج المزبدة التي ترتطم بالصخور الصلدة، وهي صخور بازلتيّة خطيرة تمتدّ بمياه البحر. وأشار إلى جزيرة السلام، ويعني جزيرة سلامة، وأشار كذلك إلى أنّ مَن يعبر هذه الجزر فإنّه ينجو بسلام ويدخل الخليج العربي من مضيق هرمز، ثمّ بعدها يصل إلى البصرة ويواصل تجواله في بلاد العراق ثم سوريا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات