قصة كفاح في تاريخ الأجداد

الحياة على ظهر السفينة قديماً

هي حكايات من الكفاح والصبر والقوة والشجاعة، لحياة عاشها البحارة قديماً على ظهر السفينة وفي أعماق البحار، باحثين في عباب البحر عن اللؤلؤ، وهو المصدر الرئيسي للرزق قديماً، تلك الرحلة التي شهدت الكثير من التحديات والمخاطر والصعوبات التي عاشها البحارة لأكثر من أربعة أشهر وهم في خضام البحر ومشاق السفر والغربة، يعملون ويكافحون في عرض البحر تحت أشعة الشمس الملتهبة أحياناً، وقساوة الليل البارد.

يقول الشاعر سيف بن حمد بن سليمان، وهو من حفظة تراث مهنة الغوص والشاهد عليها، إن الحياة على ظهر السفينة مليئة بالمتاعب والمشاق والمتعة أيضاً، فكانت رحلة الغوص تبدأ مع بداية فصل الشتاء، وتستغرق قرابة الأربعة أشهر وعشرة أيام، وتضم سفينة الغوص من 50 إلى 80 فرداً، لكل واحد منه مهمته وأدواره، وكان يقود هذا الفريق رجل يسمى «النوخذة» وهو المسؤول الأول والأخير عن الرحلة، ولهذا كان على الطاقم جميعاً طاعته، وغالباً ما يتمتع هذا القائد بصفات الهيبة والشدة والبأس، كما أن التعاون والإحساس بالمسؤولية اللذين يسودان بين أفراد السفينة يسهلان على هذا القائد إنجاز مهمة رحلة الغوص من أجل الحصول على اللؤلؤ وإعطائه للتاجر «نوخذة البر» الذي يمول السفينة.

يوميات شاقة

الاستعداد لرحلة الغوص تبدأ بتموين السفينة بالمواد الغذائية التي يحتاجها الطاقم، وتقتصر على التمر والماء والأرز، أما السمك فكان يتم اصطياده خلال رحلة الغوص، ويتحدث بن سليمان، عن يوميات الغوص ويقول: العمل على ظهر السفينة يبدأ من بعد صلاة الفجر، ويطلب النوخذة من البحارة وضع المحار في خلف السفينة، كون البحارة كانوا ينامون على (المحار)، وبعدها يبدأ (الفليج) الذين يفلجون المحارة لاستخراج ما بها من خيرات اللؤلؤ بالعمل، كما يبدأ طاقم الغوص بالعمل، ويضم «السيب» وهو الشخص الذي يقف على ظهر السفينة ومسؤوليته تتمثل في سحب «الغيص» والأخير هو الذي يغطس بحثاً عن اللؤلؤ.

يشير بن سليمان إلى أن عدة الغواص تشمل «الديين» وهو عبارة عن كيس مصنوع من خيوط مشبكة به عروة يعلقه الغواص برقبته أو يعلق بحبل «اليدا»، وعادة ما يضع الغواص في رجله حصاة من الرصاص تساعده في الغطس إلى قاع البحر، وعندما يصل إلى القاع يتخلص منها فيسحبها «السيب» إلى الأعلى، ويكون معه حبل آخر مربوط بالديين ويسمى «الزيين» فإذا وصل الغواص إلى قاع البحر ترك حبل الزيين فيقوم السيب بسحبه، ويبقى الغواص متمسكاً بحبل الإنقاذ «اليدا».

استراحة محارب

يشير بن سليمان أن عملية الغطس تتم بالتناوب فتأخذ المجموعة التي غطست قسطاً من الراحة، وهي عبارة عن وقفة قصيرة يسترجعون بها أنفاسهم ومن ثم يعودون إلى الغوص حتى تحين صلاة المغرب التي تعلن انتهاء يوم العمل الشاق.

وعن وجبات الطعام التي يتناولها الطاقم يتحدث بن سليمان: وجبة الإفطار تكون عند الضحى، وهي عبار عن قطعة من التمر بحجم قبضة اليد يوزعها عليهم الطباخ، ويمكن أن يحصل الفرد على فنجان من القهوة، ثم يوزع الماء بما يسمى «القبعة» وهي من ثمر النارجيل، ولا يمكن لأحد أن يطلب قطرة ماء زيادة على ما خصص له، كما يمنع الغواصون من الإكثار من شرب الماء الزائد لأنه يؤثر في سرعة وصولهم إلى قاع البحر، كون الماء يؤدي إلى حصول انتفاخ في البطن، ما يمنعهم من الغوص إلى الأعماق.

أما عن الوجبة الرئيسية التي يتناولها الطاقم فتكون بعد انتهاء يوم العمل الشاق، أي بعد صلاة المغرب، ويقول بن سليمان: عندما تأتي فترة الغروب يستعد الطاقم لتناول الوجبة الرئيسية وهي وجبة العشاء وتضم الأرز والكثير من السمك، التي يعدها الطباخ على ظهر السفينة، ولكن قبلها كان الطاقم يجففون أجسامهم ويستبدلون ملابسهم، استعداداً للراحة بعد يوم عمل شاق.

فلج المحار

عملية فلق المحار كانت تتم على ظهر السفينة، بحيث يجتمع «الفلجية» على شكل حلقة مستديرة، ويقومون بفلق المحار بواسطة أداة تسمى «مفلقة» وهي أداة تشبه السكين، ويكون النوخذة في ذلك الوقت يقظاً شديد المراقبة للمجموعة، وكان يجمع اللؤلؤ ويفرزه على حسب حجمه.

يقول بن سليمان: عند انتهاء رحلة الغوص يجتمع النوخذة مع التاجر من أجل عرض بضاعته «اللؤلؤ» ويتم مساومته على السعر. وبعد الحصول على المال يتم خصم المصاريف التي تم إنفاقها على رحلة الغوص، ويتقاسم البحارة المال، وكان «الغيص» يأخذ مبلغاً مالياً أكبر من «السيب»، كون مهنته تحمل الكثير من المخاطر والتعب.

أهازيج الغوص

للبحر والغوص أثره في الشعر الشعبي والأهازيج، وثمة شعراء كثر صوروا البحر وحالاته المختلفة، وتحدثوا عن رحلات الغوص وما يصاحبها من مآسٍ، ويقول بن سليمان: شلات الغوص تبدأ من الصباح الباكر، لا سيما في أثناء التجديف، والكثير من أهازيج البحر هي عبارة عن قصائد اخترعها البحارة، ومن أشهر أهازيج الغوص:

«الغوص غص بريجة لو فيه روبيات

ما ينشها من ضيجه تمضي فيه وهوقات»

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات