جذور

إشارات لمناطق خليجية في رحلة بنيامين التطيلي

ولد بنيامين التطيلي أحد رحّالة القرون الوسطى الإسبان، في مدينة تطيلة (تقع على نهر إبرو، 78 كم شمال غربي سرقسطة بالأندلس).

ولكن لا يعرف تاريخ ميلاده بالتحديد، بدأ رحلته عام 1159 أو ربما عام 1167، وعاد إلى الأندلس في عام 1172 - 1173. ولا يعرف بالتحديد الهدف من رحلته، ولكنه ربما كان تاجر سلع نفيسة كالجواهر والأحجار الكريمة والمرجان.

 

بدأ بنيامين رحلته من تطيلة ثم إلى سرقسطة فبرشلونة فمقاطعة جيرونة، وأورد تفاصيل دقيقة عن الوضع التعليمي والعلمي وركز على علماء تلك المنطقة. ومن مرسيليا الفرنسية سافر بحراً إلى مدينة جنوه، ومنها اتجه إلى روما عبر پيزا، وبقي في روما مدة طويلة، حيث وصف روما وعمائرها التاريخية.

وكتب كذلك عن الجالية اليهودية في المدينة وعلاقاتها بالبابا الإسكندر الثالث، (اسمه الأصلي رولاندو باندينيلليز ولد في عام 1105م تقريباً.

انتخب بابا عام 1159م وحتى وفاته أغسطس 1181). ومن روما اتجه بنيامين إلى جنوبي إيطاليا واصفاً بإسهاب أحياناً الحياة والظروف في عدد من المدن التي مر بها مثل:

ساليرنو وأمالفي وبرنديزي. ومن أوترانتو أبحر قاصداً أرتا، ومنها اتجه إلى بلاد اليونان، ثم وصل إلى القسطنطينية، ووصفها وصفاً دقيقاً، وظروف سكانها، ثم غادرها بحراً عبر أرخبيل بحر إيجه حتى وصل إلى جزيرة قبرص. ومن قبرص اتجه إلى أنطاكية ثم صيدا فصور فعكّا، ومنها إلى أرض فلسطين التي كانت تحت الاحتلال الصليبي آنذاك.

حيث تجوّل في ربوع فلسطين ووصفها وصفاً دقيقاً وبالذّات بيت المقدس، ثم اتجه إلى دمشق فحلب ثم الموصل. وقضى مدة في بغداد، وزار البصرة التي ربما غادرها بحراً عبر الخليج العربي.

حيث وصف عدداً من الجزر والأماكن، ثم اتجه إلى جنوبي شبه الجزيرة العربية فالبحر الأحمر حتى وصل إلى مصر، حيث زار القاهرة والإسكندرية التي غادرها إلى صقلية، ومنها عاد إلى إسبانيا.

وشكّك البعض في وصول بنيامين إلى منطقة الخليج العربي، وعدّوا أن ما ورد في الرحلة من معلومات لم يكن عن طريق المشاهدة المباشرة بل هو نقل من مصادر أخرى.

ويعدّ بنيامين أول رحالة يهتم بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية للجاليات اليهودية التي التقى بها، كما أورد بنيامين في رحلته بعض المعلومات القيّمة كالمسافات بين المدن التي زارها، وأخبر عن رؤساء الطوائف والجاليات اليهودية.

والعلماء المشهورين في تلك المدن، كما ركّز على أعداد اليهود في تلك المدن، على الرغم من أن هذه الأعداد لا تخلو من مبالغات.

وقد كتبت رحلة بنيامين أولاً بالعبرية، ثم ترجمت إلى اللاتينية والفرنسية والدنماركية واليونانية والإنجليزية ثم العربية، وأول نسخة عبرية منها طبعت سنة 1543م في إسطنبول، وأحسن النسخ هي النسخة المنسوبة إلى أشر، وتقع في مجلدين والمطبوعة في لندن عام 1841م، مع ترجمة إنجليزية وحواشي تحقيق كثيرة.

القطيف

أشار بنيامين إلى مدينة القطيف التي سمَّاها «قطيفة»، وذكر أنّ فيها مغاصات الجوهر المعروف بالدّر.

وفي الرابع والعشرين تقريباً من شهر نيسان (أبريل) تتساقط قطرات المطر الكبيرة على سطح الماء، وتبتلع زواحف (حيوانات) أو (المحار).

وتطبق عليها ثم تغوص في قعر البحر، وفي منتصف تشرين الأول تقريباً (أكتوبر) يحضر الغواصون فيربطون حول أنفسهم الحبال، ثم يغوصون في الماء طلباً لهذه الزواحف (الحيوانات) أو (المحار)، يخرجونها ويفتحونها، فيجدون الدر في جوفها.

ويبدو على هذا النص التشويش والغموض وعدم معرفة بنيامين بتشكيل اللآلئ في الأصداف، وهذه الفكرة المشوشة نفسها وردت – أيضاً – عند عدد من المؤلِّفين المسلمين، الذين ذكروا أن حيواناً صغير الحجم يخرج من قاع البحر إلى السطح في أول الربيع.

فإذا ما هطلت الأمطار فإنه يلتقط قطرات المطر ويخزنها بداخله، ثم يعود إلى قاع البحر، وبعد مدة ينضح هذا الماء، وينعقد متحوّلاً إلى لؤلؤ.

ولكن مثل هذه الاعتقادات لا تتفق مع ما قرّره العلم الحديث عن كيفية تكون اللؤلؤ، وأما طريقة استخراج اللؤلؤ فهي كما وصف الرحّالة.

حيث اتبع أهل المنطقة هذه الطريقة حتى عصور ما قبل النفط، إذ يقوم الغواص عن طريق التعلق بحبل بالغوص إلى أعماق البحر. وأما القطيف فهو اسم مدينة من أهم مدن شبه الجزيرة العربية.

والقطيف أيضاً اسم واحدة من أعظم واحات المنطقة، تقع على الساحل الشمالي الشرقي لشبه الجزيرة العربية، شمالي العقير وشمال شرقي الهفوف.

كما تقع هذه الواحة إلى الشمال الشرقي من الأحساء، وتحدها الصحراء من الشمال والشرق بينما يقع بر الظهران إلى شمالها، وطول الواحة من الشمال إلى الجنوب 22 كم. وواحة القطيف مشهورة بالحدائق وبساتين النخيل والفواكه والخضراوات، والمياه العذبة. وورد ذِكرها في عدد من المؤلَّفات الجغرافية والتاريخية الإسلامية.

جزيرة قيس

وأشار الرحالة بنيامين إلى جزيرة قيس (كيش) قائلاً: «أرض هذه الجزيرة شحيحة المياه، ولا توجد في الجزيرة كلها إلا عين ماء واحدة، وأغلب شرب أهلها من ماء المطر، ويبلغ طول هذه الجزيرة ستة أميال، وسكانها لا يقومون بأي نوع من الزراعة، لعدم وجود الأنهار.

وهي مركز تجاري مهم، ومحطة تجمع يأتي إليها التجار الهنود والتجار المحليون، يجلبون إليها منتجاتهم وبضائعهم، بينما يقوم تجار العراق واليمن وفارس بجلب كل أنواع الحرير والثياب الأرجوانية والكتانية والقطنية.

وخيوط القنب والجريش والقمح والشعير وبيض السمك والماش ونبات الجاوداد وكل أنواع الأطعمة والحبوب الأخرى، ويجلب التجار الهنود كميات كبيرة من البهارات، وتصبح هذه السلع محل التبادل التجاري، وأغلب سكان الجزيرة دلالون ووسطاء بين هذا الحشد الغفير من التجار».

فإذا ثبت أن بنيامين قد قام بزيارة قيس، فإن ما يبدو من هذا النص هو أن زيارته كانت في فترة الازدهار القصوى للجزيرة.

حيث بدأت تحلّ محلّ سيراف، بعد أن حدث تبدّل في المركز التجاري الرئيس في شمال شرقي الخليج، وبعد أن فقدت سيراف شيئاً كثيراً من مكانتها التجارية، وانتقل مركز الثقل إلى جزيرة قيس فيما بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين.

وقد ألمح البلخي لهذا التغيير عندما ذكر أن سيراف كانت من قبل مدينة كبيرة مزدحمة بالسكان كثيرة المتاجر.

ولكن كل هذا النشاط انتقل إلى قيس، وأصبحت سيراف ميناءً صغيراً لا يقصده التجار كما كان في السابق.

وأما ياقوت الحموي فكان أوضح في المقارنة بين سيراف وقيس عندما قال: «منذ أن عمر بن عميرة قيس صارت فرضة الهند وإليها منقلب التجار، خربت سيراف وغيرها».

ووصف جزيرة قيس بقوله: «هي مدينة مليحة المنظر ذات بساتين وعمارات جيدة.. وفيها أسواق وخيرات..

وفيها مغاص اللؤلؤ». ومقارنة بين ما أورده بنيامين التطيلي وما ورد في عدد من المصادر الإسلامية، يوجد نوع من الاختلاف والاتفاق. فمثلاً: الأهمية التجارية وازدهار النشاط التجاري وتبادل السلع والبضائع ووفرة الأقوات التي ذكرها بنيامين، أكدها ياقوت الحموي. وتتفق المصادر مع بنيامين على أن سكان الجزيرة يعتمدون على مياه الأمطار وقليل من الآبار في شربهم.

وأما بخصوص عدم وجود الزراعة في الجزيرة فإن بنيامين يخالف بذلك ما ذكره عدد من المصادر الإسلامية.

حيث يقول ابن خرداذبة: «إن فيها نخلاً وزرعاً وماشيةً ولها غوص اللؤلؤ الجيدة»، وابن خرداذبة من أقدم الجغرافيين المسلمين الذين أشاروا إلى الجزيرة،.

وقال ياقوت الحموي: إن بها بساتين، كما يؤكد ابن المجاور أن بها بساتين النخيل، ويذكر أبو الفداء أن زراعة النخيل على الجزيرة كانت محدثة، ويثبت الرحالة المغربي أبو القاسم الزياني (ت. 1835م)، في كتابه «الترجمان المعرب على دول المشرق والمغرب»، وجود البساتين والمزارع على جزيرة قيس.

وقد مرّت الجزيرة بأحداث مهمة بعد انهيار الدولة السلجوقية؛ إذ قام عدد من الولاة وحكام الأقاليم بتأسيس دويلات على أنقاض تلك الدولة المنهارة.

وفي منطقة الخليج قامت بعض الأسر الثرية التي كانت تسيطر على التجارة بالتحول إلى السياسة وبتأسيس دويلات كان لها في بعض الأحيان دور بارز في تاريخ المنطقة.

ومن هذه الأسر أسرة بني قيصر في جزيرة قيس التي سارعت للاتصال بالخليفة العباسي في بغداد لإضفاء الشرعية..

ويعد الأمير غياث الدين بن تاج جمشيد من أشهر أمراء قيس، وقد ورد في رسالتين عربيتين من «رسائل جنيزة القاهرة»، الإشارة إلى قيام بني قيصر بمهاجمة ميناء عدن بهدف احتلال الميناء.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات