حقائق في وثائق - 1

سيارات وأنظمة المرور في الإمارات

منذ أزمان بعيدة عاش أهالي الساحل على قطْع المسافات والارتحال شرقاً وغرباً، ذهاباً وإياباً، راكبين ظهور الإبل، وبقيّة الدوابّ، شاقّين سُبلهم وسط الفجاج والجبال والشعاب والأودية وكثبان الصحراء والواحات والسهول الحصويّة وسفوح الجبال والسبخات غير عابئين بصعوبات الارتحال، ولا ناظرين إلى مشقّة الانتقال؛ لأنّ كلّ ذلك كان جزءاً حيويّاً من حيواتهم اليوميّة.

بل كانوا يرون حياتهم ما كان لها أن تتمّ لولا التواصل والوصول، والوجود والحضور، والتخاطب والتشاكي والتبادل والتعارف والبيع والشراء. ومع ذلك كانت الحياة تمرّ رتيبة لا يكدّرها سوى الانعطافات الكبيرة في تاريخها، وما تمرّ بها من أحداث تكاد تعصف بها في بعض الأحيان. وهذا ينطبق بطبيعة الحال على كلّ ظروف المعيشة في المنطقة.

ومع حلول القرن العشرين بدأت الأحوال تتغيّر، والأوضاع تتبدّل، وبدأ أهالي الإمارات يرون دوابّ جديدة مصنوعة من حديد، ولها أشكال غريبة لم يعتادوا رؤيتها من قبل، بل لم تكن شائعة في ساحلهم الهادئ، ولم يتعوّدوا .

كذلك على أصوات محرّكاتها الهادرة. بل إلى تلك اللحظة لم ينمحِ من ذاكرتهم وهم يشاهدون الطائرات لأوّل مرة، وهي تجوب سماء الإمارات، وتحطّ على مياه الأخوار ثمّ تنطلق مرّة أخرى في الأجواء عالية مجلجلة.

أوائل وبدايات

ومع الاستخدامات الأولى للسيّارات أو المواتر، بدأت حينها الوثائق البريطانيّة تزخر بالإشارات بشراء المواتر لدار الاعتماد أو المقيميّة السياسيّة أو للشيوخ أو لبعض عِلية القوم من الأثرياء والتجّار. وبدأت تظهر مصطلحات: ford pick-up، و second hand in new condition، على أن تكون إطاراتها صالحة للمشي على الطرقات الصحراويّة وعلى الكثبان الرمليّة.

واختلفت الروايات والأحاديث فيمَن أول مَن قاد سيّارة في الإمارات، كلّ حسب إمارته، فيذكر أنّ عيسى بن عبداللطيف السركال، اشترى سيّارة عام 1927 من نوع «فورد بوكاليتد»، تحمل 4 ركّاب، وهي بقوة 4 سلندر، وهو أوّل مَن أدخل مثل هذه العربات في رأس الخيمة مثلاً، ثم في العام التالي أحضر سيّارة أخرى إلى الشارقة، أخذ يستعملها في تنقّلاته بين دبي والشارقة وعجمان وأمّ القيوين.

سائقون

وفي الوقت نفسه بدأ حكّام الإمارات آنذاك في الحصول على سيّارات خاصّة بهم، كما تعلّم عدد من المواطنين قيادة هذه المركبات الجديدة والعمل في خدمة الشيوخ كقائدين لهذه العربات، وبطبيعة الحال فإنّ لكلّ شخص منهم ذكرياته مع هذه المركبات، ومع الشيوخ. وربّما تفنّن أحدهم في سرد حكاياته مع «المواتر» الجديدة. وقد ارتبط كلّ واحد منهم بذكرى أو حدث أو حال مرّ به وهو يقود «موتره» برفقة الشيخ، ولا أظنّ أنّ كل تلك الذّكريات قد دُوّنتْ أو انتبه إليها أحد إلا في النّزر اليسير.

حكايات المواتر

ومن القصص في هذا المجال أن الشيخ سلطان بن سالم القاسمي، حاكم رأس الخيمة، رحمه الله، اشترى سيّارة من نوع «دودج»، حمراء اللون، أشار إليها في أبيات لقصيدة له، منها قوله:

قم يا رسولي فوق موتر من الدوج

بالذّكر واجف عند بيت الوكالة

ومن الأخبار المُتَداوَلة في هذا الخصوص أنّ الشيخ سلطان نفسه كان قادماً من وادي القور عبر منطقة الذيد، وهناك تعطّلت السيّارة، ما اضطرّه أن يحضر جمالاً أخذت تجرّ السيارة إلى رأس الخيمة، ثم أرسل إلى البحرين للحصول على قطع الغيار لهذه السيّارة. وطبعاً هذه الحادثة أصبحت حديث النّاس آنذاك.

غرقت بعض الرسائل المتبادَلَة بين المسؤولين البريطانيين في الخليج في تفاصيل دقيقة حول الإطارات وأحجامها وصلاحيّتها والمحرّكات وسعتها، والعجلات الحديديّة التي تركّب عليها الإطارات المطّاطيّة، وأن تكون من ذوات الدفع الرباعي. بل بدأت تدخل في اللهجة المحلّيّة ألفاظ أغلبها إنجليزي المنشأ لها علاقة بالسّيّارات.

وظهر في الوقت نفسه مصلّحو السيّارات والمحرّكات سواء كانوا من المواطنين أو من غيرهم الذين أجادوا التعامل مع هذه العربات الجديدة. كما أنشئِت مرائيب للسيّارات، وأماكن تصليحها المعروفة بالكراجات. ولم تكد الحرب العالميّة الثانية تضع أوزارها حتى انهالت على عموم منطقة الخليج العربي الكثير من مخلّفات تلك الحرب من «المواتر» وغيرها.

ومن التفاصيل الغريبة تلك، ما دوّنتْه المراسلات خلال الحرب العالميّة الثانية؛ إذ حرص المسؤولون البريطانيون على تدوين دقائق الملاحظات بالعدد والكمّيّة والقيمة التفصيليّة، والقيمة الإجماليّة، وكيفيّة وصول قطع السيّارات إلى البحرين أو دبي أو الشارقة بل وأين يتمّ توزيعها، بل ولم تبقَ قطعة دون تسجيلها لدرجة تُشعر القارئ أنّه في متاهة من الحسابات والأرقام والأعداد، وأزعم أنّه لم تغادر تلك المراسلات قطعة غيار صغيرة أو كبيرة إلا أحصتْها.

قِطع غيار في وثائق

بطبيعة الحال فإنّ هذه المراسلات تركّز على مدى احتياجات سيّارات الشيوخ في دبي والشارقة وعجمان، وتشير إلى قطع الغيار المطلوبة، ونوعيّات السيارات التي بحوزة الشيوخ، والقطع المطلوبة لهذه السيارات تحديداً. وكنت أتساءل كيف تمكّن البريطانيون من إحصاء سكّان مدن المنطقة، بل وعدّ ممتلكاتهم من المنازل والبهائم وحيوانات النقل.

ووجدت ذلك أصعب من إحصاء السيّارات لدى الشيوخ وعلِية القوم، وهذا لما يرد في المراسلات من أعداد المركبات بأنواعها لدى كل مشيخات الخليج، وأجد ذلك أسهل وأيسر بلا شك من إحصاء أعداد الإبل والدّواب الأخرى، وإحصاء سفن الأسفار والغوص، وقوارب صيد الأسماك.

ولهذا حين نجد أنواع المركبات مسجّلة بدقّة عند الشيوخ وحكومات الخليج أعترف بأنّ للسلطة البريطانيّة آنذاك مصادر وموارد للمعلومات في كل بقعة، وفي كلّ حين، ومع كلّ ظرف. ومن هذا المنطلق أجد نفسي معجباً بهذه الدّقّة والتفصيل والحرص والتكامل في كل شيء.

وحين يتمّ شحن أحد تلك «المواتر» من البحرين مثلاً إلى دبي أو الشارقة على متن إحدى السفن الشراعيّة تكون حفلة في الوداع، وحفلة في الاستقبال، نقلاً وسحباً ودفعاً وجرّاً وحملاً، وتنزيلاً. ومَن يمرّ بالميناء ينظر للفرجة، وينقل الخبر العيان. ومن اللطائف أنّ كلّ سيّارة تشحن مع معدّاتها وقطع غيارها ترفق معها وصولاتها ووصفاتها الدقيقة في وثائق مختومة، ورسائل موثّقة.

مع شروحات مستفيضة حول هذه القطع الحديديّة والبطّاريّات، ومتعلّقاتها. ويتبع ذلك تعليمات صارمة في كيفيّة استخدام هذه المواتر الرسميّة، وأوقات استعمالها وسياقتها، وإصلاح أعطالها، وكيفيّة سكب البترول في خزّانها. وتمّ تخصيص ميزانيّة للصرف على هذه المركبات.

بل ووصل الحال بتخصيص مبالغ محدّدة لبناء مرآب لهذه المركبات القادمة من أعالي البحار، وتجهيز أسقف من الدعون، ومتعلّقاتها من الحبال وغيرها. وظهرت مصطلحات: سيّارات النّقل، والشحن، والأفراد. ووصل الحال بالوثائق البريطانيّة أن بدأت بتدوين مصروفات التشغيل، والتصليح، والبطّاريّات، والوقود، والفرامل، وحجم الإطارات، مدى تواؤمها مع كلّ نوع من السيّارات.

وكل صغيرة وكبيرة لها علاقة بالسيّارات وكأنّ ذلك شغل البريطانيين الشاغل آنذاك. وكان مسؤولو المقيميّة في الشارقة يشترطون أن تتمكّن سيّاراتهم من التنقّل بين دبي والشارقة وليس ذلك فحسب بل توصلهم إلى أبوظبي ورأس الخيمة والذيد والمنطقة الشرقيّة.

أعطال وتصليحات

في حالة تعطّل إحدى تلك المركبات الخاصة بالشيوخ أو كبار الشخصيات يتمّ إرسال البرقيّات تلو البرقيّات إلى البحرين طلباً لقطع الغيار وضرورة إرسالها على متن أقرب طائرة تقلع من البحرين إلى الساحل، مع دفع تكاليف كلّ ذلك بطبيعة الحال. وتجد الوثائق تترى وتتواصل في حالة شراء أحد الحكّام لمثل هذه المركبات، وما يتمّ تبادله من مراسلات ربما يفوق قيمة الموتر أحياناً.

وإن قرّر أحدهم السفر في إحدى هذه العربات من إمارة لأخرى أو من إمارته إلى إحدى الدول المجاورة فإنّ التقارير تدبّج تحدّد وقت السفر، وطرق المسير، وأوقات الانطلاق والوصول، ثم العودة كذلك.

استغراب وذهول

كان عامّة النّاس يعيشون في حالة ذهول، أو في حالة هلع، أو في حالة تعجّب واستغراب أو في حالة إعجاب وغرام بهذه المركبات التي تسير مسخّرة على كل الطرقات الصعبة والوعرة والسهلة والساحليّة والسبخات، وينظرون إليها وكأنّهم يشاهدون مخلوقاً فضائيّاً حلّ عليهم من العالَم الخارجي. بل إنّ دوابّ الحمل والنّقل تكون في حالة ذهول.

وقد عبّر الشاعر الراحل سلطان الشاعر، رحمه الله، عن شيء من هذه الحالة في قصيدته المشهورة بين البعير والموتر. وهو حوار شائق يدلّ على ما كان يدور على ألسنة النّاس في تلك الفترة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات