رحلات الغوص.. ذكريات وأهازيج وقصص زينتها بطولات صيد اللؤلؤ

طالما مثل البحر شريان الحياة في ماضي الدولة، كما كان له دور اجتماعي وثقافي واقتصادي لا يستهان به، إذ كان أهل البحر يعدونه المصدر الأساسي للرزق، وفيه الكثير من الخيرات الثمينة ومنها «اللؤلؤ» الذي كان يعد الثروة الوحيدة والدخل القومي للبلاد، ولا سيما في ظل تركز سكان دولة الإمارات في المناطق الساحلية للخليج العربي..وقد أحاطت بقصص وطقوس وذكريات الغوص لأجل اللؤلؤ، الكثير من حكايات إقدام الرجال وتحديهم المخاطر في البحار.

يصف النوخذة عبدالله أحمد الشحي، حياة أهل البحر في الماضي، ويقول: «البحر كان مصدر الرزق الأساسي لسكان الساحل، فمن يعمل ويجتهد كان ينال العيش الرغيد، فحين يذهبون في رحلات الصيد والغوص كانوا يرددون أهازيج هي عبارة عن أدعية لطلب الرزق، فالجميع يعمل ويخوض غمار البحر ويكتشف خباياه، لقد كانوا يجاهدون بحياتهم في سبيل لقمة العيش».

ويتحدث النوخذة الشحي، عن رحلات صيد اللؤلؤ، ويقول: ثمة طقوس اشتهر بها سكان الإمارات في الغوص على اللؤلؤ، وتتمثل في تجمع البحارة مع وجود أهاليهم على الجهة المقابلة من الشاطئ لتوديعهم، ومن أجل الاستعداد لانطلاق رحلة الغوص نحو الهيرات وهي مواقع تجمع محار اللؤلؤ، وعندها يعلن السردال وهو قائد أسطول السفن بدء رحلة الانطلاق، وفي هذه الأثناء يرفع النهام صوته منشداً الأشعار بصوته الشجي لانطلاق الرحلة التي تمتد إلى ما قد يزيد على الأربعة أشهر.

ويتكون طاقم السفينة من عدة أشخاص لكل واحد منهم مهمته الخاصة والمكملة للآخر، وهم: النوخذة قائد السفينة والمخطط الأساسي لسير الرحلة، والمجدِّمي وهو الذي يحل محل النوخذة ويجلس في مقدمة السفينة، والغواص والسيب معاون الغواص، والسكوني الذي يمسك دفة السفينة، والمطوع الذي يذكر البحارة بذكر الله والصلاة بهم، عدا عن الصبية ويسمون الرضيف ويقومون ببعض الأعمال المساعدة، فضلاً عن النهام، والطباخ الذي يطبخ لطاقم السفينة.

موسم الغوص

يقول الشحي، إن هناك ثلاثة مواسم في السنة للغوص، وتسمى الغوص الكبير الذي يكون في فصل الصيف، حيث تكون المحار والأصداف متكاثرة، أما غوص الرَّدِّة ويكون في الشهر العاشر، وغوص الرديدة وفيه يختتم موسم الغوص ويكون في آخر السنة. ويقول: قد تمتد رحلة الغوص إلى ما يزيد على الأربعة أشهر وتكون هذه الفترة محفوفة بالمخاطر على الغواص بشكل خاص وطاقم السفينة بصفة عامة، فالغواص يغطس لمسافة تمتد إلى 40 قدماً، وفيها قد يتعرض لمواجهة بعض الأسماك المفترسة وعلى رأسها ما يعرف بـ«اليَريُور» وهو سمك القرش القاتل، عدا حيوان البحر «اللخمة» التي تبث سماً من الممكن أن يؤدي إلى موت الغواص أو إصابته بجروح، فضلاً عن الأمراض التي تصيب الغواص في الأذن والأنف بسبب النزول المتكرر للقاع عدة مرات خلال الرحلة.

ويشير النوخذة الشحي، إلى أن الغواص الذي يفارق الحياة أثناء الرحلة يتم تكفينه ودفنه في إحدى الجزر المجاورة، وفي حال عدم توافر جزيرة يتم إلقاء الجثمان في البحر. وفي نهاية رحلة الغوص يعلن السردال عن بدء رحلة العودة، عبر إطلاق طلقة مدفع الإعلان لعودة السفينة، وعندها يبدأ الأهالي بالتجمع لاستقبال أبطال البحر.

عدة الغوص

يتحدث البحار سالم سيف، عن أدوات الغوص، ويقول: نستخرج اللؤلؤ الموجود داخل المحار باستخدام «مفلجة»، وهي التسمية المحلية لطريقة استخراج اللؤلؤ من صدفاتها التي تحتمي في باطنها من أهوال البحر، وهي عبارة عن قطعة خشبية مسنونة، و«الديين» وتستخدم لجمع المحار، وهو عبارة عن إناء مصنوع من خيوط متشابكة يعلقه الغواص في رقبته أثناء جمع المحار، وحصاة الغوص الذي يستخدم لتسهيل إنزال الغواص ويضعه الغواص بين أصابع قدميه والحبل أو الزبيل يكون متصلاً مع السيب وهو الرجل الذي يمسك الحبل ويكون على ظهر السفينة، فإذا حرك الغواص الحبل يبدأ السيب بسحبه بسرعة، ويضع الغيص على أنفه فطاماً مصنوعاً من قرن الثور منعاً لدخول ماء البحر إلى جسمه عبر الأنف، وعادة ما يحمل الغواص سكيناً لكي تحميه من مخاطر البحر، وعندما يجمع اللؤلؤ يسمى «قماش» ويفرز في «طاسة» تسمى «سبع».

لآلئ متنوعة

ويشير سالم إلى أن الإمارات اشتهرت بعدة أنواع من اللآلئ منها: «الناعمة» وهي من اللآلئ الصغيرة ولها عدة ألوان، و«السنقباسي» الذي يميل لونه للأزرق الفاتح، و«الحصباة» وتعد من أرقى أنواع اللؤلؤ وسعرها مرتفع عند الطواويش (تجار اللؤلؤ)، أما «الدانة» فلها لون أبيض يميزها عن بقية اللؤلؤ وهي من الأسماء المشهورة، ولؤلؤة «القولوه» هي غير كاملة الاستدارة على الرغم من أنها من اللآلئ الجيدة، و«اليَكَّة» من اللآلئ الجميلة كاملة الاستدارة، وهي ذات أحجام صغيرة، و«البدلة» يميل لونها إلى الزرقة، و«الخاكة» ذات الحجم الصغير جداً، و«الجيوَن» تعد من أجمل أنواع اللآلئ وأثمنها نظراً لصفائها واستدارتها الخاملة، ذات لون أبيض مشرب بحمرة خفيفة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات