جذور

«قصتي».. عبق الأصالة وروح التراث يعانقان صفحات الإنجاز

لم أكد أنتهــي من قراءة كتاب «قصّتي»، لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، حتى تراءى لي ما حواه الكتاب من إضاءات فكرية، وملامح ثقافية، ومؤشرات اقتصادية، ومبادرات سياسية، وإشارات إلى التراث في معانيه وآثاره، وتلميحات إلى وقائع التاريخ في أحـــداثه وشخوصه.

ومن هنا انطلقتُ للكتابة حول التراث والتاريخ في إشارات مختارة من إشارات سموه، في كتابه القيّم. ويبقى الكتاب ميداناً ثريّاً لِمَن أراد التعليق والاستفادة والاستفسار والتعرّف إلى الأحداث والوقائع والمبادرات والأفكار.

منذ الصفحات الأولى من كتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، «قصتي.. 50 قصة في خمسين عامًا»، نجد عبق التراث وأصالته في حديث سموّه عن بيت المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم، طيّب الله ثراه، في الشندغة، المشيّد من الطين واللّبِن، والحجارة المرجانية، والغرف ذات السقوف المنخفضة.

وهي عمارة تقليديّة كانت منتشرة في المدن الساحليّة، إذ كان الأهالي يبنون بيوتهم ومساجدهم وأبراجهم وحصونهم ممّا توافر لهم من المواد في البيئة المحلية، حرصاً منهم على توفير الدفء والتهوية في فصل الشتاء البارد. وهذا التوازن الدقيق بين البيئة والمعيشة والحياة والعمارة والسكن هو الذي جعل الناس يحيون حياة متكاملة في تلك الفترة.

وأشار سموّه إلى تراث البادية، من حياة وصيد بالصقور وحمل للحطب وحلب للنّوق، وإقامة في الخيام، ومن وجبات، وكـان سموه دقيقاً لدرجة أنه - رعاه الله - وصف المأكــولات وكيفية إعدادها، ووصف البيئة بدقة، ثم تعلُّمه كلّ آداب البادية وما تحتّمه الحياة فيها من صبر وتأنٍّ.

كما قدّم للقارئ معلومات قيّمة حول كيـــفية صيد الأرانب، وتتبّع آثارها على الرمال، وكيفية التعامل مع الصقور، وهو حديث ينمّ عن خـــبرة ودراية اكتسبها سموّه أثناء إقامته في البادية فترة من الـــوقت. وفي هذا المبحث تحديداً إشارات جليّة إلى حياة البادية التي كان يحــياها الأجداد في عقـــود مضت قبل عام 1971.

مُثُل عليا

ومن تراثيات المجتـــمع وآدابه تلك الإشارات البيّنة إلى العلاقة المتميزة بين سموه ووالده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، رحــمه الله، وهي من أفضل آداب العلاقات الإنســـانية في مجتمع الإمارات، وسموّه هنا يعرّف الأجيال بما للآباء من أفضال وقيم ومُثل عليا ينقلونها إلى أبنائهم عبر تعليمهم وإيصال ما لديهم من خبرات إليهم.

وما أجمل ذكريات الماضي لمّا تكون في أجواء الأُنس والبهجة والراحة والطمأنينة، وهي حياة كان يعيشها الآباء والأجداد منذ عقود مضت. ولا شكّ أن الرماية وركوب الخيل والفروسيّة من أكبر ملامح التراث في مجتمع الإمارات، وهي عادات مترسّخة وأصيلة في نفوس الناس يتناقلونها عبر الأجيال.

وفي الكتاب تلميحات جميلة حول الحياة في الصحراء، وتعقّب آثار الإبل، والغزلان، والحبارى، والطيور، والعقارب، والأفاعي، والذئاب، والثعالب. وسموه، رعاه الله، ينبّه القارئ إلى أنّ لكل حيوان أثراً خاصّاً به، ولكلّ منها طريقة حياة، ومشية.

بل وأشار إلى ردّات أفعال الحيوانات حين ترى البشر، وتعتمد ردّات أفعالها على مدى اندفاع الآخرين نحوها. ومثل هذه الأمور لا يتعلّمها الإنسان نظريّاً بل عليه أن يعيشها واقعاً ويتلمّسها فعليّاً، وبعدها يكتسب المعرفة المبنيّة على التجارب والعلم.

العائلة

ما أعظم الحبّ الذي يجمع العائلة الواحدة التي تمثّل فيها الأم الركيزة الكبرى في البيت، بما لديها من علم ولطف وحنان وخبرة وعاطفة وحكمة. وهذا جزء أصيل في مجتمع الإمارات، وسموّه هنا يلفت الأنظار إلى المجتمع المحلّي المترابط. ومن لطائف الإشارات، ما ذكره سمّوه من أن والدته، رحمها الله، كانت خبيرة في العلاجات الطبيّة بالأعشاب.

وهذا الطب كان ركناً رئيساً في العلاج التقليدي، وكان مثابة للناس حين كانوا يفتقدون العلاج الحديث، وبناءً عليه كان المطبّبون محلّ ثقة الناس ومحبّتهم؛ نظراً لدورهم المُهم في علاجهم وإسعافهم. وحتى مع وجود الطبّ الحديث إلا أن للعلاج الشعبي بريقه عند كثيرين من الأهالي.

إباء الخيل

ويلفت سموّه الأنظار إلى الخيل وما تمثّله من إباء، وما يحتلّه الفارس من مكانة عُليا في مجتمع الإمارات منذ القِدم. ويعرّفنا رعاه الله، بما للخيل من ريادة ومكانة في نفوس الفرسان ومحبّيها. فهو ليس مجرّد اهتمام بل يتعدّى ليكون استقراراً في الوجدان وتعاملاً في الواقع من رعاية خاصة، ومن سباقات للخيل نال فيها سموّه المثل الأجل والأكرم في الفروسيّة والسبق.

وفي حديث سموّه عن الغوص إشعار بما كان لهذه المهنة من مكانة عالية في مجتمع الإمارات، مع ما فيها من خطورة، وقسوة وتعب إلا أنها ميدان حيوي لطلب الرزق.

سِجِل تاريخي

وقدّم سموّه بياناً تاريخيّاً مركّزاً عن نشأة إمارة دبي، وما مرّت به من تطوّرات ونموّ عبر 185 عاماً. وكان - رعاه الله - دقيقاً في تحديد الإنجازات التاريخية التي قام بها شيوخ آل مكتوم الكرام في دبي. وكأنه ينشئ سجلاً للتاريخ يُعرّف بماضٍ له آثار في الواقع المعاصر.

وفي حديث سموّه عن جدّه المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم، رحمه الله، مواصلة للشهادة التاريخية حول دوره البنّاء والفاعل في إمارة دبي، اقتصاداً وصحّة وتعليماً وتواصلاً مع الناس، مع ما اتصف به رحمه الله، من حنان وحبّ ورحمة.

ويواصل سموّه هذه الشهادة التاريخية حول والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله. وهو هنا يضع أيدينا على بداية الطريق الذي حدثت فيه النهضة في إمارة دبي، واضعاً بين يدي القارئ الإنجازات الرائدة التي تحقّقت في عهده رحمه الله.

 

شهادة تاريخية

ومن الملامــح التاريخية التي أفاد سموه بها القرّاء قصة إنشاء مطــار دبي، وحرص المغفور له الشيخ راشد، رحمه الله، على إنشائه، وتعميره، وأدّى به الأمر للسفر إلى لندن لمقابلة رئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان، وهي شهادة للتاريخ فيها توثيق وإشادة، وفيها تأكيد على حرص الشيخ راشد، رحمه الله، على تطوير دبي.

1961

كما أبدع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في وصف المأساة التي حدثت للباخرة «دارا» (Dara)، التي احترقت وغرقت قبالة ساحل أمّ القيوين، في صبيحة الثامن من أبريل 1961.

ومَن يقرأ حديث سموّه عنها يجد إيضاحاً لم يكن متوافراً في المصادر الأخرى، خاصّة عن كيفيّة وقوع الصدمة على الناس، وعن ردّات الأفعال في دبي، وكيفية تعامل الشيخ راشد - رحمه الله - مع هذه الفاجعة. وسموّه هنا يكمل لنا القصّة ومجريات الحادثة الأليمة، يسجّلها بعاطفة تتخلّلها الخبرة والمعرفة بمجريات الأمور آنذاك.

ومن الجدير بالذِّكر أن «دارا» كانت باخرة حديثة الإنشاء إذ دخلت الخدمة عام 1947/‏‏ 1948، وحمولتها 5030 طنّاً، وتحمل من الرّكّاب نحو 1451 شخصاً، وسرعتها 14 عقدة، وإجمالي طاقمها 132 فرداً، وطولها 399 قدماً (121.5 متراً)، وعرضها نحو 54.8 قدماً، وفيها ثلاثة مستويات. وقد راح ضحيّة هذا الحادث المأساوي 238 راكباً، منهم 20 من أهل الإمارات، و24 من طاقم السّفينة.

وكان على متن السفينة دارا وقت وقوع الفاجعة 819 راكباً من أبناء الإمارات. وما أجمل كلمات سموّه وهو يعبّر عن الحزن الذي أصاب الجميع، وفي الوقت نفسه يعبّر عن ردّات الأفعال الإيجابيّة المؤثرة في القيام بعمليات الإنقاذ.

وقدّم سموّه شهـادة للتـــاريخ حــين وصـــف الحفل الكبير الذي أقامه شاه إيران بمناسبة مرور 2500 عام على تأسيس المملكة الفارسيّة، وفي ملمح رائع يَذْكُر سموّه أن هذا الاحتفال جرى في محيط بريسيپوليس، وهــي العاصمة التاريخيّة للدولة الفارسيّة التي أنشأها الملك قورش الكبير عام 555 قبل الميلاد.

وما أجمل إشاراته إلى تغيّر أحوال الممالك، وتبدّل أوضاعها خلال بضعة عقود. هذا غيض من فيض تحصّلت عليه من قراءة كتاب: «قصّتي»، وهو سجلّ قيِّم فيه للباحثين والمتخصّصين كل ما يبحثون عنه.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات