قصر الحصن بين المرويّات العربية وقصص الرحّالة - البيان

أمس واليوم

قصر الحصن بين المرويّات العربية وقصص الرحّالة

للقلاع والحصون بلا شك، الدور الأساسي في استقرار الأوطان، فهي من جهة أولى، تعني الحماية والأمن الضروريين للقيام بتشييدها، ومن جهة ثانية، الملاذ الأول لسكّانها، بوصفها مقراً لإقامة الحكام وموقعاً عسكرياً يدافع عن المكان.

فيصبح رمزاً للدفاع والقوة والنفوذ، وأملاً للناس وطموحاتهم في نجاح مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية، حتى يظلوا يمارسون أنشطتهم باطمئنان. وقد انتشرت الكثير من الحصون والقلاع بأحجام مختلفة؛ بهدف المراقبة وتسيير الشؤون السياسية. أما اليوم، فإننا سنتحدث عن أول حصن في عاصمتنا أبوظبي، وذلك بمناسبة مرور 225 عاماً على إنشائه.

لكن وقبل أن يُقام هذا الصرح، سنقوم بعرض سؤالنا عمّا جرى قبل البناء، وهو لماذا بُني قصر الحصن في هذا المكان تحديداً؟ وما سر جاذبيته؟ لذا أجمل ما يمكننا البدء فيه هي الروايات المنقولة.

والشاهد أنها روايات جميلة عن المكان، حملت خصوصيته حتى اصطبغ فيها هذا الحيز فاجتذبته، واعتماداً على هذه الروايات المعروفة في المروّيات العربية، صدر كتاب قصر الحصن عام 2001، عن مركز الوثائق والبحوث، للمؤلفين جوينتي مايترا وعفراء الحجي.

تقول إحدى الروايات، إن أحد الصيادين من قبيلة بني ياس قام بحفر بئر في منطقة أبوظبي، فابتهج بعد أن تدفقت المياه العذبة بين يديه، كان هذا الماء الحلو سبباً في إقناع الزوّار الذين يؤمّون المكان إلى اتخاذ الجزيرة مقراً دائماً لهم.

وفي رواية أخرى تم ذكرها في الكتاب أيضاً، أن جماعة من بني ياس أتوا مهاجرين من واحة ليوا تحديداً، ليكتشفوا مصادفة نبع مياه عذبة، لكنه يصب في البحر دون فائدة، وتقول الرواية إنه حين كان شيخ القبيلة يعبر من البر الرئيس على حاجز رملي ضيق يتبع غزالاً شارداً، وجد نبع هذا الماء بتوقف الغزال عنده، وقد أصبح ذلك المكان المستوطنة السكنية التي عرفت باسم «أبوظبي».

موقع استراتيجي

وأمام هذه الروايات، فإن موقع أبوظبي استراتيجي، ولأسباب عدّة، أهمها أن الجزيرة تتكون من خورين اثنين يصل بينهما من جهة الخلف بحيرة أسهمت في عزلتها وجعلها في مأمن من أي هجوم خارجي.

ونقول إنه موقع استراتيجي؛ لأن الجزيرة كانت شبه منعزلة، بذلك الحيد البحري المرجاني من الأمام، والصحراء الشاسعة الممتدة من الخلف، وبالتالي فإن جزيرة أبوظبي كانت محمية من الهجمات البرية والبحرية بدفاعات طبيعية ترد كل غارة أو اقتحام.

ساهمت هذه العزلة في بناء الحصن، حيث لم يلتفت لجزيرة أبوظبي أي إنسان، فلم يدر بخلد أحد أن هذه الأرض القاحلة وغير الصالحة للزراعة بمياهها المالحة، من الممكن أن تنمو فيها قوة بشرية، أو أن تصبح مقراً بديلاً للقبيلة في نهاية القرن 18.

برج مُراقبة

أمام صفحة أمواج أبوظبي الفيروزية، يهمنا أن نشير إلى أن قصر الحصن كانت بدايته برجاً مخروطي الشكل للدفاع عن بئر المياه العذبة، أمر ببنائه شيخ قبيلة بني ياس الشيخ ذياب بن عيسى بن نهيان بن فلاح بن ياس.

وبالتحديد في عام 1760، بحيث لا يمكن اختراقه؛ وبهدف مراقبة المكان، ليتم الانتهاء من هذا البرج الأول عام 1761، لكن وبعد سنوات لاحقة أتى ابنه الشيخ شخبوط بن ذياب بن عيسى، مُكمّلاً البرج إلى بناء أوسع، ليصبح حصناً؛ بقصد تنظيم المكان في أبوظبي، وسعياً إلى أن يكون حصناً لشعبه وأرضه.

الحصن

وهكذا، وبعد اكتشاف المياه، وتأسيس البرج ومن ثم الحصن الذي بُني على مراحل من الحجارة البحرية والمرجان بطبقة من الجير والرمل المحلي، أما بناء السقف والأرضيات الصلبة والقوية.

فقد تم بجذوع أشجار القرم «المانجروف» المتوافرة في أبوظبي، وهكذا حتى اتسع البناء وضم المكان حوله 400 منزل، وأخذ في الازدياد بفضل الشيخ شخبوط بن ذياب بن عيسى، ليصبح قصر الحصن نقطة البداية لنمو الإمارة، بل ويعد في العقود التالية ذا بُعد تاريخي لحكام آل بوفلاح، أجداد أسرة آل نهيان الحاكمة.

في غضون أعوام، ومع وجود أجيال جديدة، نشأت مناطق مجاورة للحصن، لتصبح أبوظبي مدينة مزدهرة، وها هو قصر الحصن ما زال اليوم واقفاً في قلب المدينة، وبعد أكثر من قرنين ونصف قرن، ليرمز إلى تاريخ العاصمة وتراثها، وفيما بعد نمو دولة الإمارات.

مقر رئيس

ما لا نريد إغفاله أن الحصن ومنذ عام 1795 وحتى 1966 أصبح مركزاً للقوة والسلطة في أبوظبي، لكونه المقر الرئيس لإقامة الحكام والممارسات الحكومية والإدارية، وبين جدران مجالسه المتعددة تم اتخاذ القرارات.

ورسم السياسات وتنفيذها من أجل بقاء الإمارة، خاصة بعد مرور المنطقة بظروف صعبة مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية، التي لم تؤثر بشكل مباشر في الإمارات، لكنها أسهمت في تسويق اللؤلؤ الصناعي بدل الطبيعي، وهو الذي سدّد الضربة القاسية لعرب المنطقة، ولكن شاء الله بعد 3 عقود من التراجع الاقتصادي أن يخرج النفط وتزدهر الإمارة وتنعم بالسخاء من جديد.

توسع الحصن

خلال هذه الرحلة الاقتصادية بين الصعود والهبوط، نما قصر الحصن أو الديوان الأميري أكثر مما كان عليه كبناء ضخم، ليبرز المكان حاجته للتوسع، وبناء أجنحة أكثر اتساعاً.

وتزداد حركة البناء حتى عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيّب الله ثراه في الستينيات من القرن الماضي، بعد أن شهد الحصن على التغييرات المهمة في تاريخ أبوظبي، فأصبح رمزاً لحكم آل نهيان، بوصف المكان رمزاً لقوة الحصن وقدرته على الصمود في وجه المناخ والخصوم والأحداث الكثيرة، مروراً بممارسة الحكام الإدارية من خلال حفظ تاريخ عائلة آل بوفلاح حكام أبوظبي.

زيارات وتوثيقات

قصر الحصن في عهد زايد الأول

 

كان ساحل الإمارات حتى نهاية القرن 19 شبه معزول، ونادراً ما يزوره الرحّالة الأجانب، إلا أنه في عام 1901، قام المبشر الأميركي صمويل مارينوس زويمر، بزيارة أبوظبي، ليستضيفه شخصياً الشيخ زايد بن خليفة (زايد الأول)، فيكتب زويمر عن العديد من المظاهر، واصفاً القصر بـ(الحصن المهيب)، ويروي الكثير، ويبقى هو أول من التقط صورة فوتوغرافية لقصر الحصن.

إضافةً إلى صور أخرى للمنازل وساحل أبوظبي.

وقبل أن يوثق زويمر بنصف قرن المكان بالكتابة والصور، قام الرحالة البريطاني تال وتحديداً في 1868، بإرساء سفينته على شاطئ أبوظبي، ليرى أن المدافع أمام بوابة الحصن عددها 8 مدافع من حديد الزهر والنحاس الأصفر، وذكر أن هيكل قصر الحصن وملامحه لم تعكس فقط طبيعة التطور المعماري لقصر الحاكم في أبوظبي، بل عكست مدى تمتع الحكام بالسلطة السياسية والعسكرية في المنطقة.

أما السير البريطاني بيرسي كوكس فأفصح في 1902 عن نيته زيارة أبوظبي، وحين زارها تم وضع بيت الضيافة داخل قصر الحصن تحت تصرفه، كاتباً بأنهم أقاموا له في اليوم التالي عرضاً خاصاً بالفروسية، ومن خلال حفل رياضي على الرمال، ليتم تسجيل هذه المناسبة في الصور الفوتوغرافية، وهي خالدة حتى يومنا هذا، حيث يظهر الشيخ زايد الأول وأولاده وهم يعتلون ظهور الخيل.

بعد رحلة كوكس الشهيرة، علينا أن نذكر أن هناك رحلة أخرى أثارت الاهتمام قام بها الرحالة الألماني والمختص بعالم الآثار المصرية لودفيج بورخاردت، الذي زار الساحل بين عامي 1903 و1904.

حيث وصل أبوظبي في سفينة شراعية صغيرة، ليقيم فيها 6 أيام ضيفاً على الشيخ زايد الأول، فأثار المكان اهتمامه، ليصف كيف تطورت أبوظبي تجارياً في جو ساده الأمان، واصفاً كيف تم فرش سجادة كبيرة أمام قصر الحصن، ليعقد الشيخ مجلسه بشخصيته البارزة بمعية حاشيته وفي الهواء الطلق.

توقعات مُبكّرة لـ«وايتلوك»

ذكر كتاب «سجلات عن الإمارات 1820-1960» صدور «كامبردج» وطبع المكتبة البريطانية 1990، أن البريطاني هـ. وايتلوك استطلع عام 1824 الساحل العربي وقال عن الجزيرة: سوف تكون لها أهمية كبرى بسبب المرسى الذي تتمتع به قرب الشاطئ والأخوار الواقعة على الجانبين.

هذه السجلات الضخمة والبالغ عددها 800 صفحة والمحفوظة في أرشيف الحكومة البريطانية، تشرح تاريخ وتطور أبوظبي من 1920 إلى الآن، مع خرائط قديمة وجداول للأنساب والتطور الاقتصادي والبلديات والخدمات المصرفية والطب والسفر الجوي للإمارة.

«قصر الحصن».. توثيق الإنجازات

صدر هذا الكتاب الوثائقي والتاريخي عن مركز الوثائق والبحوث عام 2001، وهو بعنوان «قصر الحصن.. تاريخ حكام أبوظبي 1793-1966» للمؤلفين د. جوينتي مايترا، رئيس قسم البحوث في إدارة البحوث والنشر بالمركز، وعفراء الحجي.

ويتحدث عن قصر الحصن الذي شهد الكثير من الأحداث وعاصر التطورات والإنجازات في وقت واحد، وكيف كان لهذا الصرح الدور الأول والأكبر في مختلف تاريخ الإمارة، من خلال الحكم فيه وإدارة دفة السياسة بمنعطفاتها الملموسة داخلياً وخارجياً، وبالمعلومات الموثقة والصور النادرة، وبوصف القصر المرجع الصامد منذ إنشائه وصولاً لتوسعته وترميمه.

«الحصن الأبيض».. فخر أبوظبي

على الرغم من شهرة الحصن بأنه قصر معروف وعلى نطاق واسع باسم «الحصن الأبيض» أثناء بنائه وتوسعته، إلا أنه لم يكن أبيض اللون عندما تم بناؤه.

فقد تم طلاء الحصن باللون الأبيض خلال التجديدات بين عامي 1976-1983. بعد كل هذه التجديدات فإن قصر الحصن أصبح اليوم فخر أبوظبي بمعالمه وزواياه، ويضم حالياً متحفاً يعرض تاريخ الإمارة ومنطقة الخليج العربي من خلال الصور والتحف والأسلحة، كما اعتمده الباحثون الأثريون والمؤرخون معلماً تراثياً ذا أهمية ثقافية وتاريخية.

11

ألقى كتاب «قصر الحصن» الضوء على تاريخ 11 شيخاً من آل بو فلاح حكام أبوظبي، على مدار ما يقارب قرنين من الزمان، مع بيان مساهماتهم في تحديد ملامح تاريخ المنطقة وما جاورها.

1760

ذكرت الوثائق البريطانية أسماء عدّة للقصر منذ إنشائه في هذا العام مثل: «البرج»، و«القلعة»، و«الحصن»، و«قصر الحاكم»، و«دار الحكومة»، و«القصر الأبيض»، إلا أن قصر الحصن يبقى مثالاً ورمزاً لفن العمارة القديمة في أبوظبي.

1816

من الرحّالة الذين مرّوا على أبوظبي في بدايات القرن 19، جيمس سيلك بكنغهام، والذي قال خلال رحلته في هذا العام: «في المدينة نفسها ميناء ومكان تمارس فيه بعض التجارة».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات