طه حسين في نقده لابن خلدون: «المقدمة» ليست عملاً عبقرياً

طه حسين، أديب وناقد عربي مصري غني عن التعريف. لكننا اليوم نريد أن نُذكّر القراء بأطروحته ورسالة الماجستير التي نالها في فرنسا، وهي تحليل ونقد لفلسفة ابن خلدون الاجتماعية، وقد اختار الأديب مقدمته لأنه كان يرى بأن تاريخ الآداب العربية كلها ومنذ عصر الجاهلية إلى عصرنا هذا يحتفظ بذكر رجلين، لم يتصف غيرهما بعمل خارق وعبقري ومبتكر من العرب والمسلمين سواهما، وهما أبو العلاء المعري الذي استحدث الأدب في مجموعته الشعرية «اللزوميات» وفي «رسالة الغفران»، والعمل الآخر هو «مقدمة ابن خلدون» وهو عمل عقلي عملي سمي بالفلسفة الاجتماعية، لكنه أبى أن يطلق على المقدمة صفة «العبقرية»؛ لأن عمله امتزج بالدسائس والمصاعب السياسية. فلنتعرف هنا على نقده للمقدمة.

ابن خلدون

 

في البداية، نحن لا ننكر أن ابن خلدون العربي التونسي، المولود في القرن 12 الميلادي، ألّفَ كتباً عدّة ومختلفة، عالج فيها المنطق واختصر فلسفة ابن رشد، وكتباً أخرى في الرياضيات والأدب، لكن تلك المؤلفات لم يصلنا منها شيء، فكل ذلك مذكور كأسماء مؤلفات فقط في كتاب لسان الدين بن الخطيب المسمى «الإحاطة في أخبار غرناطة»، أما اليوم فنتعرف بدورنا إلى أشهر كتاب وصلنا من كتبه «المقدمة» الذي يقصّ فيه تاريخ العالم منذ بدء الخلق إلى نهاية القرن 8 الهجري.

تقسيم تاريخي

فضّل الدكتور طه حسين النقد؛ لأنه أدرك ضرورته لتبيان أهمية «مقدمة» ابن خلدون للعالم العربي والإسلامي والعالم بأسره، لذا كانت رسالته واضحة وصادمة في نقد المقدمة، والتي أرجع جسامتها وعظمتها إلى أمرين، الأول خطته التي خالف بها من سبقه من المؤرخين، حيث لم يتبع الترتيب السنوي كمؤرخ، بل قسّم التاريخ إلى فصول، ليتحدث في كل فصل عن دولة أو أسرة حاكمة، أما الأمر الثاني فهو المعلومات المهمة التي قدّمها عن البربر «الأمازيغ»، في شمال أفريقيا، وهي أصدق ما وصلنا في العصور الحديثة، لكون ابن خلدون عاش بين هذه القبائل.

عيوب

لكن أين العيوب التي سقط فيها ابن خلدون؟ تبين لطه حسين بعد دقة قراءته للمقدمة، أنها في أكثر من موقع، لينبه كناقد في رسالته للماجستير، ويوضح أن ابن خلدون لم يكن متمكناً من تاريخ المشرق كما كان متمكناً من تاريخ العرب والبربر، وكان عليه أن يكتفي به، لكنه بعد رحلته إلى مصر واحتكاكه بالمشرق اضطر أن يغير عنوان مؤلفه إلى «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر». أما إذا اعتبره البعض في ذلك الزمن خاصة في مصر وسوريا بأن أسلوبه نموذجي، فيقول طه حسين: «لأن الآداب العربية كانت في عصره في منتهى الانحطاط عندما طبع مؤلفه، بدأت المقدمة تفقد هيبتها بعد قرون أمام تأثير الآداب الفرنسية والإنجليزية في أدبها وذوقها وخيالها الممزوجة ببساطتها».

مبالغات

وأمام نصوص ابن خلدون وجد طه حسين أنه بالغ في بعض المواقع مبالغة كبيرة وساذجة، حين وصف زواج الخليفة المأمون العباسي، والبذخ الذي كان فيه، وخاصة في ذكره للأرقام غير المعقولة، فهو يقول إن المأمون قد خصص 140 بغلة تحمل الخشب إلى المطابخ 3 مرات في اليوم ولمدة عام كامل، وأن هذا القدر من الخشب قد أُحرق في يوم واحد.كما أن ابن خلدون الوحيد بين الأزمان كلها، ومنذ العهد القديم والعصور المتوسطة والعصر الإسلامي، الذي نظر إلى التاريخ بأنه كُلٌ لا يتجزأ، وهذا في رأي طه حسين طرفة حقيقية للأسف، فهو يتأمل التاريخ والقصص والوقائع حوله، دون أبسط ضروب النقد وأسهلها، ليذهب الدكتور طه إلى كتابه ويعطي أمثلة لمؤرخين آخرين كانوا قد سبقوه، ففي العهد القديم يمتاز مؤرخو الإغريق والرومان بصفات النقد وعدم التحيز، أمثال المؤرخ «توكوتيدوس» و«طيطوس» و«ليفيوس» و«بلوتارك»، بينما ابن خلدون ينظر إلى التاريخ نظرة واسعة النطاق دون دراسة شيء يستحق أن يُدرس.

ابن خلدون والسحر

المدهش أيضاً أنه حين كتب ابن خلدون عن السحر وقوة الطلاسم، وهو بلا شك يوضح مدى سخطه، أكد طه حسين أن السخط لا يكفي للمؤرخ، بل كان الأجدى أن ينكر نتائج السحر، بوصف قانون السبب أو السببية وهي نظرية تقول: «السبب هو تبرير لوجود الإرادة»، وبمعنى آخر أن «السبب هو الدافع الذي يدفع الإرادة إلى التصرف».

إسهاب مُمل

يقول طه حسين إن ابن خلدون كان مملاً في شرحه لتفصيلات فنية، ربما تفيد المؤرخين، خاصة فيما يتعلق بالحضارة التي خلقت فنوناً وتفكيراً، وأنها كلما تقدمت خلقت حاجات جديدة، وخلقت من الفنون ما يسدها، لكنه أسهب في ذلك إلى حد الملل. ورغم أن طه حسين لا ينكر فضل ابن خلدون في فصوله الأخيرة التي تحتوي تاريخاً كاملاً للعلوم والآداب عند العرب منذ بدء الإسلام وحتى القرن 8 الهجري، بوصفه أول مسلم كتب تاريخ الحركة الأدبية والعقلية لدى المسلمين بطريقة تكاد تكون حديثة، وهذا بحد ذاته جهد وعبقرية.

تحامل وإقناع

وأخيراً، مهما كتب ابن خلدون وغيره، فلا بد من النقد، بل وبناء بحث نقدي علمي ومنظم للمزيد من الإثراء بهدف الاتجاه الإنساني نحو الجودة، وإن بدا لنا طه حسين في بعض نقده لابن خلدون غير منطقي تماماً مع ابن خلدون وعصره، وظهر تحامله قليلاً أو كثيراً في بعض الأحيان، لكنه بالمقابل بدا مقنعاً في بدايات دراسته النقدية له، ومهما كان نقده بشده وجذبه، فإنها رسالة غزيرة لآثار ابن خلدون المتعددة، ولم يسعنا هنا سوى تقديم القليل منها.

المؤرخ و«القوانين الثلاثة»

بلا شك أن المؤرخ وفي أي مكان في العالم، لا يكتسب التقدير إلا إذا كان يلم بـ«القوانين الثلاثة» وبمؤثراتها، ويأتي الناقد طه حسين موضحاً هذه القوانين في كتابه ورسالته وهي:

قانون «العلية» وهو ربط السبب بالمسبب، فليس على المؤرخ أن يقرر ذلك القانون، بل عليه معرفة العلائق التي توجد بين حادث معين وبين أسبابه، وبالتالي نفهم التاريخ، لأنه على المؤرخ معرفة قانون ربط السبب بالمسبب بوصفه عملاً لعلماء الطبيعة والفلاسفة وما وراء الطبيعة، وليس المؤرخين، فما على المؤرخ سوى تفسير مؤثراته في الظواهر الاجتماعية، ومن هنا يأتي طه حسين على ابن خلدون الذي كان دائم الاستنتاج والتعليل، ومن ضمن ذلك التعليل يستعمل ابن خلدون كلمة «مصادفة» بمعنى الأسباب الخفية، أي من خلال المصادفة، وهذا لا يفسر إلا على قصور العقل البشري، وهذا ما أسقط ابن خلدون في ضعف أمام نقاد العصر الحديث.

أما الثاني فهو قانون «التشابه» الذي يستند إلى المبادئ العقلية والوقائع أحياناً، لكن ابن خلدون يعترف بتباين الأجناس، ووحدة الأصل رغم إنكار الكثيرين وحدة الأصل هذا، لكنه في مقدمته يضع أسباباً لهذا التشابه وهو تقليد الرعية للحاكم وتقليد الغالب للمغلوب، أو تقليد المغلوب للغالب.

لكن لنتساءل الآن، ماذا يجب أن نستنتج من كلام ابن خلدون؟ لا شيء سوى أنه لم يضع نظرية التقليد؟ بمعنى هل كان ذلك بسبب تأثير التقيد على المجتمع؟

وأما الثالث والأخير فهو قانون «التباين» ويستند إلى التجريب المحض، لكون المجتمعات متباينة ولا يمكنها أن تكون متماثلة وبصفة مطلقة، فلا شيء يدوم في العالم، وليس هناك ما يمضي على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، فالانتقال من حال إلى حال طبيعة هذه الحياة.

ومن هنا وقع ابن خلدون في المحظور والخطأ، ويبين طه حسين ذلك، وحدده حين نسب ابن خلدون المجتمع من توحيد الأرواح واتفاق الأصل، وأن المجتمع يتأثر بكل شيء، ومعظم أخطاء ابن خلدون في هذا الأمر تعود لجهله بالعوامل أو إهماله لتقدير النتائج.

 

طه حسين: لقب عالم اجتماع لابن خلدون «مبالغة»

لاحظنا عن كثب أن طه حسين في تحليله يعتقد في كتاب الدولة لابن خلدون، أن لقب عالم اجتماع لابن خلدون يعد مبالغة، فموضوعاته أضيق من أن تكون موضوعات اجتماعية، بينما هذا العلم الشهير منهج كامل شديد التعقيد واسع النطاق، وهو ليس موضوعاً خاصاً أو متخصصاً كما هو الاعتقاد.

علم الاجتماع

 

لنلاحظ من جهة ما قاله عالم الاجتماع الفرنسي إميل دور كايم «إن علم الاجتماع بحر كبير وليس نقطة بدء العالم، بل نقطة انتهاء أيضاً». وبلا شك يتأثر طه حسين بأن علم الاجتماع لدى ابن خلدون وموضوع «الدولة» وما فصّلَ فيه هو جزء من هذا العلم، أضيق من أن يصلح موضوعاً للاجتماع.

 

الإسهاب.. تقصير مشترك بين ابن خلدون ومونتسكيو

مونتسكيو

 

من يقرأ القسم 6 من المقدمة يجد أن ابن خلدون يسهب كثيراً بالتاريخ الأدبي والعلمي للشعوب الإسلامية، ما يجعلنا لا نعده من الفلسفة الاجتماعية، خاصةً أنه يؤكد أن العلوم هي ظاهرة اجتماعية، ندرسها مثل الظواهر الاجتماعية الأخرى، وكذلك الفيلسوف الاجتماعي الفرنسي المؤرخ مونتسكيو، الذي أفاض في كتابه الأخير «روح القوانين» حول تاريخ الإقطاع عند الإفرنج، فهو في رأي طه حسين، درساً وبحثاً، لا يوجد فيه أي إضافة، بل تكميلي، وكذلك كتابه «الملكية العالمية» وتوضيحه من خلاله الفروقات والتقسيمات بين شعوب الشمال والجنوب من حيث المناخ، تماماً مثل ابن خلدون، فلا إضافة بل تكملة.

 

 

الاختلاف بين ابن خلدون و«أرسطو».. قراءة ومعالجة

معالجة موضوع حياة الحضر والبدو لدى أرسطو تكمن كلها في ثمرة عمل الإنسان، فالبدو يستهلكون الضروري لهم دون بذل جهد كبير، لذا وصفهم بأنهم قوم كسالى، يمتهنون الصيد والسرقة، بينما الحضر يعملون بشكل متصل، بما يكفل لهم الحياة، كما أنهم يستثمرون المصادر الطبيعية ويصيغونها بما يلائم حاجاتهم.

أرسطو

 

أما من جهة ابن خلدون فيعالج هذا الموضوع كما عالجه أرسطو، لكن أرسطو أوجزه بشكل مميز ومرتب، بينما ابن خلدون يغرق في تفاصيل لا حاجة لها، ويعود ذلك إلى اختلاف الذهنين، فأرسطو منطقي قبل كل شيء، بينما ابن خلدون يلاحظ أعداداً من الرؤى فلم يستطع أن يرتبها أو ينظمها. ويعلق طه حسين على ذلك أن العرب لم يتعمقوا في دراسة الاقتصاد سواء السياسي أو غيره.

 

1332

في هذا العام ولد ابن خلدون بتونس، وتخرّج من جامعة الزيتونة، حيث اعتُبِر بمؤلفاته ونقاشه في علم الإنسان وتطرقه للعمران البشري وأساليب الناس مؤسساً لعلم الاجتماع.

 

1377

ألّف ابن خلدون «المقدمة» في هذا العام، ليضيف إليها فيما بعد فتصبح موسوعة، ويتغير الاسم بالتالي إلى «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر».

 

1889

ولد طه حسين في هذا العام بمصر وفقد بصره طفلاً، درس في الأزهر، والجامعة المصرية وتعلّم اللغات الشرقية مثل الحبشية والعبرية والسريانية، وأنجز دراسة الماجستير والدكتوراه في فرنسا.

 

reem.alkamali@albyan.ae

صفحة مُتخصّصة بعلوم التاريخ والتراث والفنون في الإمارات والعالم.. تصدر كل اثنين

طباعة Email
تعليقات

تعليقات