«الميكانيكا» مهنة التميز في الإمارات خمسينيات القرن الماضي

صورة

تشكّل الحِرف والصناعات التقليديّة أحد أهم مقوّمات التراث المادي في المجتمعات. إذ كانت تعد مِن مصادر الدخل الرئيسة في المجتمع وكانت أيضاً تمثل مصدراً للدخل القومي، وكانت تعمل على سدّ حاجات المجتمع.

وعن طريقها كان الفرد يملك حرّيّة ممارسة العمل وفق اختياره وإمكاناته واحتياجاته وميوله وقدراته.. ومِن أبرز مميّزات الحِرفي امتلاك المقدرة والمهارة والبراعة في أداء العمل. والعمل الحِرفي هو الصناعة التي تستخدم المهارة اليدويّة في إنتاج السلع ذات الجودة العالية.

وغالباً ما كانت الحِرف ترتبط بالحضر والتمدّن. وعادة ما يعتمد الحِرفيّون على مهاراتهم وإبداعاتهم في تحديد المعايير والمواصفات. ويستمدّون مِن حِرفهم خاصية إخضاع كل ما يتعلق بمراحل الإنتاج إلى أحوالهم النفسية. ويعتمد المُنتَج على ما يتصف به الصناع مِن مهارات إبداعية. ولأزمان قريبة، كان يحدث نوع مِن التوارث في المهن اليدوية ما يكسبها ثباتاً ودواماً واستقراراً.

ظهرت حِرفة الميكانيكا في مجتمع الإمارات في بدايات الخمسينيات من القرن الفائت واستمرّت مزدهرة في الستينيات وأواسط السبعينيات مِنه، بمعنى أنّها كانت تُمارَس مِن قِبل المواطنين حتى اتسعت وغلب العنصر غير المواطن عليها كحرفة ومهنة، وزالت بالتّالي الصبغة الوطنيّة عنها. وما زاد في ازدهار هذه المهنة إقبال الناس على استعمال الماكينات الميكانيكية في السقي والإرواء في المزارع، وإقبال الناس على استعمال السيارات والتنقل بها. فتطلب ذلك، بالتالي إصلاح وتركيب وتغيير واستبدال الآلات الميكانيكية.

ونظراً لاعتماد المهن والحِرف في تلك الفترة على المواطنين، برزت حاجة امتهان بعضهم إصلاح وتركيب مثل هذه الآلات، حتى أصبح بعضهم ماهرا في هذا العمل وزادت شهرت هؤلاء الحرفيين في إماراتهم ومناطقهم فسدوا بذلك مطلباً حياتيّاً مهمّاً. كما تطلّبت هذه المهنة خبرة في التعامل مع المعدّات ومعرفة تامّة بالأجهزة وطريقة تركيبها وإصلاحها، مع احتفاظ هذه المعدات والأجهزة بأسمائها وعباراتها وألفاظها الأجنبيّة وبالذّات الإنجليزيّة.

وهذه المهنة تحديداً تعرّفنا بكيفيّة تعامل الآباء والأجداد مع واقعهم المعاصر في وقت كان المجتمع بحاجة إلى خبرات وطنية ماهرة تتولى العمل في ميدان الميكانيكا. ومع كونها مهنة شاقة إلا أنها تدل على إقبال المواطنين على العمل في مثل هذه المِهن، رغبة منهم في توفير العيش الكريم لأسرهم وأهاليهم.

فكانوا بالتالي يعملون على تنمية المجتمع والارتقاء به في الميادين الصناعية والزراعية والاجتماعية. كما تعرّفنا بمهارة المواطنين في التعامل مع التقنيات الحديثة على الرغم مِن معيشتهم في مجتمع محلي، كان بعيداً عن مثل هذه التقنيات. ومَن عمل فيها تحصّل على شهرة كبيرة في المجتمع.

مقابلات وأسماء

وسبق لنا أن أجرينا مقابلات مع عدد من الميكانيكيين المواطنين على مستوى الدولة، وهم: أحمد بن سبت بن خميس، عبد الرحمن البيرق، الأستاذ إبراهيم بن راشد بن إبراهيم بن سالم الخيّال «الذي تحدث حول والده راشد بن إبراهيم بن سالم الخيال رحمه الله- أحد روّاد الميكانيكا في إمارة الشارقة»، محمد بن راشد بن علي الزحمي، مبارك بن عبد الرحيم بن محمد كفو، أحمد بن سعيد بو زنجال، سالم بن صيّاح بن غثي المنصوري، محمد بن يوسف بن جاسم الدوخي «حكى عن عمل مسيرة والده يوسف بن جاسم الدوخي- رحمه الله». إضافة إلى: سعيد بن عبد لله بن سليمان القابوعي، محمد بن جمعة بن صراي، علي بن عبدالرحمن الجرّاح رحمه الله.

وتنقسم مهنة الميكانيكا إلى ثلاثة أقسام، بناء على نوعيّة الماكينات، الأول: ماكينات السيّارات، ماكينات الريّ والسقاية، ماكينات «اللنشات».

ومن الأمور الملاحظة، أن كلّ مَن قابلناهم لم يتعلّموا الميكانيكا في المدارس الفنية، بل إن بعضهم لم يتعلم حتى في المدارس، وإنما اكتسب هؤلاء المهنة من خلال الخبرة والمزاولة والمشاهدة.. والعمل الدؤوب، حتى أضحوا أساتذة فيها، وتَعلَّم بعضهم على أيدي الآباء، وبعضهم تعلّم في الكويت والدّمّام والخُبر.. ثم نقلوا هذه الخبرة إلى الإمارات بعد عودتهم.

ومن الغريب أن الوثائق البريطانية تشير إلى إنشاء مدارس فنية في الإمارات في أواسط ستينيات القرن الماضي، وأنه انتسب إليها عدد من الطلّاب من أبناء الإمارات، ولكن لم نعرف أحداً منهم عمل في مهنة الميكانيكا، وهؤلاء الرجال الذين التقينا بهم لم يتعلّموا في هذه المدارس، بل كسبوا خبراتهم من الحياة العمليّة، وأحسنوا التعامل مع الآلات ومسمّياتها الإنجليزية.

أنواع ووظائف

وفيما يتعلّق بميكانيكا السيّارات، فإنّهم مارسوا الأعمال الخاصّة بها من صنع المسامير والـ«سفايف» وتذويب الـ«رنغات». وتصليح «استرنقات وراديترات ودفنشينات وجنبيلات» السيارات. وكانوا سابقاً يتعاملون مع السيارات الإنجليزية، وبالذات«اللاند روفر». وكانوا يعرفون سياقة السيارات منذ أن كانت أعمارهم في ال 12 سنة.

ونتيجة لهذه الخبرة في الميكانيكا اشتغل بعضهم في وزارة التربية والتعليم كميكانيكي في كراج الوزارة «إحدى الوزارات»، وفي مؤسّسة المواصلات وفي كراج الجيش، وبعضهم فتح كراجات خاصّة به. وكانت قطع الغيار تتَحصّل من الفجيرة أو من دبي، وكانوا يأخذون القطعة العاطلة معهم لشراء ما يماثلها.

وعمل بعضهم في كراجات الشيوخ، مثل: الشيخ خالد بن محمد القاسمي حاكم الشارقة السابق. كما تعامل بعضهم مع الشيخ صقر بن سلطان القاسمي حاكم الشارقة الأسبق، إذ كانوا يصلّحون لهما سياراتهما. وكانوا على علم تامّ بوجود فروقات بين السيارات الأميركية والبريطانية.

وعمل بعضهم في وظيفة سائق عند الشيوخ، مثل: الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، ثمّ تعلّموا بالتالي تصليح الأعطال التي تحدث في السيارات التي يتولّون قيادتها. ثم أدّى بهم الأمر إلى العمل في كراج خاصّ بشيوخ الشارقة.

وسافر بعضهم على الطرقات والدروب بين مدن الدولة وإلى الباطنة، فخبروا الدروب والطرق وعرفوا المعابر وتعلّموا كيف يواجهون صعوبات السواقة، ويصلحون السيّارات بأنفسهم، وأتقنوا تركيب العجلات والإطارات في ظروف صعبة، وفي أماكن جغرافيّة قاسية.

وكان المهنيون العاملون في المجال، وبعد أن لا يجدوا القطع التي يريدونها في الدولة، أحياناً، يضطرون للذهاب إلى البحرين الكويت لشراء قطع الغيار للسيارات، مثلاً:«للأنتارية والكاديلاك». إذ لم تكن متوافرة في الإمارات. أمّا بالنسبة لأسماء قطع السيارات فكانت كلها باللغة الإنجليزية، مثل: «غلاس، وتر بامب، كربريتر والدينمو».. وكلها حفظوا أسماءها. وكانت السيارة تشتغل بـ«الراديتر» والماء و«الكربريتر والبلكات».. وتقريباً تحتوي على 4 أو 5 أسلاك.

وكانوا يستطيعون، بمعظمهم، إصلاحها، مع انّها في هذه الأيّام كانت قد أصبحت معقّدة، إذ لم تعد لدى بعضهم القدرة على إصلاحها. وبلغت بهم المهارة أنّهم يفكّون الماكينة قطعة قطعة ويعيدون تركيبها بشكل أفضل عمّا كانت عليه.

كما افتتح بعضهم أول كراج لبيع وإصلاح السيارات، وهم في ريعان الشباب، وكانوا يأخذون مخلّفات الجيش البريطاني من السيارات من طراز «البتفورد» و«اللندروفر» وساعدتهم الخبرة في إصلاح محركات اللنشات على إصلاح محرّكات السيارات.

«بيت الماكينة»

وكانت من أنواع ماكينات الريّ: اللندني، المكائن الهندية، اللندنية - وهي أفضل وأقوى فهي لا تنعطب بسرعة، على العكس من الهندية. وكانت الماكينة توضع في بيت يسمى بيت الماكينة، ويعتمد عمق بيت المكينة على قوتها.

فكلما كانت ضعيفة زاد عمق بيت الماكينة، وكان الديزل يأتي من دبي حيث يشترونه. وأصبحت هذه المهنة تحديداً وكأنّها هواية لهم، وليست مجرّد وظيفة يتكسّبون منها رزقهم، وبلا شك فإنّ تصليح مضخّات المياه في المزارع أمر شاقّ ومرهق، ولكن استعانة المزارعين بهم لإصلاح ماكينات مزارعهم جعلتهم يندفعون للعمل غير مبالين بالتعب.

وكانوا يصلّحون مضخّات المياه أيّاً كان حجمها، كبيرة كانت أو صغيرة. ومن أنواع المحركات التي تعاملوا معها «البيتر» وهو النوع الأقدم من حيث الاستخدام، وتلتها محركات: البلاك استون واليمار والليستر والروبنسن وهي مختلفة الأحجام، لكن أحسنها هي محركات البلاك استون الإنجليزية الصنع، وكذلك «وروبن» الألمانية الصنع، واليمار اليابانية الصنع، وكانت أدوات الحرفي في التصليح عبارة عن مفاتيح متنوعة.

وكانت تُصلح المحركات لضخ المياه في المزارع في أماكنها التي غالباً ما تكون تحت الأرض، وأحيانا كانوا ينزلون إلى عمق 60 قدماً لتصليح المحرك ولعدة ساعات، وكان يُجلب لهم الغداء في بعض الأحيان وهم في الأسفل. وبرع بعضهم في فك المحركات، ومن أجزاء المحرك: «الكرنك والرود والبستن والوال».

قدرات متفردة

ومع ما في هذه المهنة من تعقيد، إلا أنّ المعرفة التامّة في التعامل مع الآلات الحديثة لدى الأسلاف تشير إلى مرونة حازوها في التعامل مع الحديث من الأجهزة والآلات، بل طوّعوها «نطقاً» لتتلاءم مع اللهجة المحلّيّة، لدرجة تُشعر وكأنّ اللفظة المحلّيّة لا صلة لها بأصلها الإنجليزي. إذ إن «كنديشن وسكروب ومكينة ودچمة وچير».

إضافة إلى أجزاء المحرّكات الدّاخلية ونوعيّة المحرّكات نفسها وأماكن صنعها ومعرفة تمايزاتها واتفاقاتها، كلّ ذلك يدلّ على مرونة في التعامل مع الجديد من الأجهزة، والنّاظر لمهنة الميكانيكا يستنتج أنّه على الرّغم من حداثة وصولها إلى المنطقة، وحداثة تعرّف الأهالي عليها، إلا أنّه سرعان ما انبرى من الأهالي لإتقان التعامل معها وإصلاحها والتخصّص فيها، بل والاشتهار بها.

 

أضرار وإصابات

ظهرت محركات «اللنشات» في الدولة، مع تطوّر صناعة القوارب في أواخر الأربعينيات من القرن الفائت، وزادت وازدهرت بعد ذلك في عقدَي الخمسينيات والستينيات، وتطلّب هذا تولي أحدهم مهام تسيير الماكينة وتشغليها.. وتصليحها، وأحياناً كانت تحدث أعطال والقوارب في عرض البحر، ولا يتمكن الشخص المكلّف من إصلاح العطل فيضطر النوخذة لطلب النجدة فيقطر المركب إلى الميناء.. وأحياناً كان يتعرّض الشخص المكلّف بالتشغيل والإصلاح إلى أضرار وإصابات.

قطع الغيار

كان العاملون في الميكانيكا، من مختلف مناطق الدولة، يشترون قطع الغيار من عند «قرقاش» ومحل «بهاني» في دبي ومتجر عبد الرحمن الصايري، وعبد الله المجان ويوسف العامري وناصر عبد اللطيف والطواير، ذلك لأنهم كانوا يمتلكون قطع الغيار والماكينات. وكانت قطع الغيار في الماضي في الشارقة تباع من عند محمد إسماعيل وغانم عند بيت المشامل وبالقرب من دكان المزروعي.

 

نتائج إيجابية

كان للمتخصصين في تشغيل وإصلاح ماكينات الريّ والسقاية، كبير الأثر في تطور المجتمع؛ فهؤلاء، وهم من الحرفيين الذين عملوا في وزارة الزراعة والثروة السمكية (سابقاً) لمدد طويلة في وظيفة ميكانيكي تصليح ماكينات الري، كانوا بعد الدوام الرسمي، يعملون لحسابهم الخاصّ في الميكانيكا. وأدّى ذلك إلى انتشار الرقعة الزراعيّة بالدولة وانتعاش زراعة الخضراوات والفواكه، وانتشار بساتين النّخيل.

صفحة متخصصة بالتراث والبحث في مفردات المكان تصدر كل خميس

تعليقات

تعليقات