فنجان قهوة مع «صوت» لا تسمعه برلين!

ت + ت - الحجم الطبيعي

بعيداً عن السينما، عن أفلام ما فتئت تذكر بويلات الحرب العالمية الثانية، وجرائم النازية بحق اليهود.. بعيدا عن تلك الحكايات التي بت أحفظها عن ظهر قلب، والتي تسيطر على أفلام عدة تعرض في مهرجان برلين السينمائي، هربت إلى فنجان قهوة، على ناصية الطريق، مقابل محطة «بوتسدام بلاتز»، لأجد نفسي في حكاية أخرى، لا تريد برلين روايتها، بعكس الحكايات الأخرى.

السيدة الأفريقية جلست إلى الطاولة المجاورة مع امرأة أخرى بدت ملامحها شرق أوروبية. انهمكت، على عادتي، بالتقاط صور للمكان، وبعض لوحات الغرافيتي التي تحتل الجدار، لأجد السيدة الأفريقية، في مرمى عدستي، مع وجه مليء بعلامات الاستفهام. أشحت بالكاميرا وابتسمت:«لا، ليس أنت، الصور خلفك هو ما قصدت تصويره»، قلت لها، فردت: «حسنا، لأنه ان كنت أنا المقصودة، علينا أن نوقع عقدا على الفور». ضحكنا، وكانت تلك بداية التعارف الذي أوصلني إلى تاريخ أسود للمدينة، لا يشبه تلك الألوان التي تسيطر على هذا الاجتماع البشري العالمي الضخم الذي اسمه «برلينالي»، والمستمد من فرح السينما وإنسانية الفن ضد التحزب والعنصرية.

عرفت أنها تدعى بوليت أندرسون، تقيم في برلين، وتتخصص في دراسات عن حقبة الاستعمار الألماني لدول افريقية في القرن التاسع عشر، وهي مرحلة من تاريخ ألمانيا، يبدو أنه لا يزال مسكوتا عنها حتى اليوم، بعكس الصخب الذي يحيط بعصور الاستعمار البريطاني والفرنسي الذي نعرف عنه الكثير. السيدة أندرسون بدت متحمسة وهي تستعيد حكايات من العام‬1885 حين حصل حصل الرايخ الألماني على مستعمرات في أفريقيا وظلت تلك المناطق تحت السيادة الألمانية حتى عام ‬1918م. حينذاك، كان المد البريطاني والفرنسي قد بدأ يتقاسم خيرات القارة السمراء، وسعت ألمانيا القيصرية إلى المشاركة في هذه «الحفلة»، وبلغت قمة مشاركتها في عقد «مؤتمر برلين» الذي شاركت فيه ‬14 دولة في عام ‬1884، لتتقاسم النفوذ والأراضي والثروات في إفريقيا، بعيداً عن إرادة سكانها أنفسهم، حيث حصلت بريطانيا وفرنسا، لوحدهما، على ما يزيد على ثلاثة أرباع القارة. «هنا، ليس بعيدا عن هذا المكان ربما، الذي نحتسي فيه القهوة، حيكت نقاشات منذ ما يزيد عن مئتي سنة، أدت بالنتيجة إلى استعباد مئات الآلاف من شعوب إفريقيا، وتشريد مئات الآلاف غيرهم»، قلت لنفسي فيما أتأمل في ملصقات أفلام ألمانية تستعرض التاريخ الإجرامي للنازية ضد اليهود. هل يهتم الشباب الألماني بالتعرف على ذلك التاريخ المظلم لألمانيا، بدرجة موزاية لاهتمامه بتاريخ العار النازي؟ سألت السيدة أندرسون، فأجابت: الدعاية تركز على موضوع واحد، وبالتأكيد تعرف السبب، ومن يقف وراء هذه الحملات، أما عذابات الأفارقة المستمرة حتى اليوم، فقد أصبحت من التاريخ المسكوت عنه!

طباعة Email