عام انقضى وعام أقبل

الجرد مهم ليس لأصحاب المحلات التجارية فحسب، ولكن للأمم والأفراد كذلك، فكل فرد عليه أن يجرد إنجازاته لعام منصرم وعام جديد دنا، وكذلك الشعوب والأمم عليها أن تتفحص ما لها وما عليها في عام فات وآخر آت، فالتقييم الصحيح يؤدي إلى مراجعة حقيقية وتغيير المسار إذا اقتضى ذلك، أما الاحتفال بالإنجازات المبهرة أو جلد الذات بسبب الإخفاقات المتعددة لا ولن يرتقي بواقعنا كثيراً، ما نحتاجه هو التقييم الموضوعي لحالنا وللمؤثرات الداخلية والخارجية علينا.

قليلون سيختلفون أن 2017 لم يكن عاماً تحسن فيه الواقع العربي كثيراً، بل قد يرى أن انتكاسات كثيرة حصلت في هذا العام، فقد دشن العام بدخول دونالد ترامب البيت الأبيض رئيساً لأعظم قوة في العالم، وهي المرة الأولى التي يأتي رئيس فاقد لأية خبرة سياسية أو عسكرية، ناهيك عن معرفة عميقة بالشرق الأوسط وتأثير واشنطن الكبير على المنطقة لا ينتطح فيها عنزان.

والرئيس ترامب توافق مع زعماء المنطقة وقادة العالم الإسلامي في اجتماع الرياض حول عدة قضايا منها مكافحة الإرهاب وتعزيز السلم في المنطقة، وما أن اتخذت دول المنطقة من قرارات بشأن مكافحة الإرهاب إلا أنه نكث بما اتفق عليه بإرسال رسالة مختلفة إلى المنطقة، ثم اختتم العام باعتراف القدس عاصمة لإسرائيل دون أن يكون هذا الاعتراف ضمن استراتيجية تسوية تؤسس لعملية سلام دائمة وعادلة.

استمرت الحروب في المنطقة بلا هوادة، ففي سوريا لا تزال الحرب تدور وتعرك السوريين عرك الرحى بثقالها، وقد أتى الدعم الروسي والإيراني لنظام بشار الأسد أكله، حيث حققت القوات الحكومية تقدماً على المعارضة، ولا يبدو مع بداية العام الجديد أن هناك من أمل لحل سياسي.

ورغم أن الوضع في العراق لا يسر عدواً ولا صديقاً إلا أن الانتصار على داعش بادرة أمل في السنة الماضية، ولا يزال العراق يتأوه من الانقسامات الإثنية والطائفية، فقد أعلن الأكراد نيتهم بالانفصال وتشكيل دولة مستقلة مما وضعهم في تصادم مع بغداد وبقية دول الجوار، مع عدا إسرائيل، وإذا ما تحقق هذا المطلب، فقد يكون بداية النهاية لعراق متوحد، وللأسف إن هذه الانقسامات ستكون لها ارتدادات على مستوى العالم العربي، خاصة أنها تجد من يغذيها من القوى الخارجية.

واليمن السعيد تسيطر على عاصمته ومناطق منه ميليشيات مدعومة من إيران افترت بالبلاد والعباد، وقد وصل التهديد الجيواستراتيجي للحوثيين باستهداف المناطق المقدسة وعاصمة السعودية، ورغم تقدم قوات الشرعية على عدة جبهات إلا أن العملية السياسية أصبحت بعيدة المنال خاصة مع اغتيال الرئيس السابق علي عبدالله صالح من قبل الحوثيين والذي قد أدخل اليمن في دوامة جديدة.

هناك بصيص أمل في وضع ليبيا لتطبيق اتفاق الصخيرات الذي وقع في 2015 بعد تعين الدبلوماسي ورجل السياسة المخضرم غسان سلامة، ولعل أحد استحقاقات العام المقبل سيكون الحل السياسي للازمة الليبية، وإذا ما قيض لليبيا الخروج من محنتها فإنها ستغدو أحد أعمدة الاستقرار والرخاء في الشمال الأفريقي بسبب ثرواتها وجذبها السياحي وموقعها الاستراتيجي على المتوسط.

وقد انشغل الكثير بتمدد القوى الإقليمية وهي إيران وتركيا في الفضاءات العربية، إلا أن الأحداث الأخيرة في مدن إيران مع نهاية العام 2017 تعطي أملاً بأن إيران قد تنشغل بنفسها وتوفر مواردها للتنمية الداخلية بدلاً من العبث بالسياسات الداخلية لدول عربية.

أما تركيا فقد زادت شهيتها في التدخل في الشؤون الإقليمية، وقد وسع الرئيس رجب اوردغان من سلطاته السياسية، خاصة بعد الانقلاب الفاشل في صيف 2016، عبر إجراءات دستورية وخارجة عن الدستور مع اتباعه سياسات خارجية أكثر صرامة، وما انفكت أنقرة من البحث على فرص لنشر نفوذها في بلاد عربية مثل قطر والسودان.

وقد تفاقم الوضع في لبنان في العام 2017 بسبب تداخلات خارجية في الوضع اللبناني مما حدا برئيس وزرائها سعد الحريري إلى تقديم استقالته من الرياض، وقد كانت أبرز مطالب الحريري اتباع سياسة النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية والتي بدأت تؤثر سلباً على الداخل والخارج اللبناني، ومع أن الحريري تراجع عن الاستقالة بسبب إصرار رئيس الجمهورية، إلا أن استحقاقات الاستقالة ستكون في هذا العام، وتخندق الفرقاء في لبنان لا يبشر بخير.

وتظل أم القضايا في المنطقة دون بارقة أمل للحل، والبوادر تشير إلى أن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني سيدخل في نفق مظلم، فاعتراف الرئيس ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل قضى على ما تبقى من أمل في ضغط أميركي ووساطة يسترد بها الفلسطينيون بعض حقوقهم السياسية والوطنية.

ومع آخر يوم في السنة 2017، قرر حزب الليكود مد الاحتلال إلى مستوطنات الضفة الغربية وضمها إلى إسرائيل، وقد تكون هذه الخطوة آخر مسمار في نعش المسيرة السلمية، وهناك احتمال قوي بأن تشهد الأراضي المحتلة انتفاضة ثالثة في العام الجديد، وصدق الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي حين قال:

أَرَى الدَّهْرَ لا يَرْضَى بِنَا حُلَفَاءَه وَلَسْنَا مُطِيقِيهِ عَدُوَّاً نُصَاوِلُهْ

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon