متطلبات الحرب على الإرهاب

«الإرهابي» هذه المرة ليس مثل ذلك الذي مثله القدير الأستاذ عادل إمام؛ هو الإرهابي فعلاً بشحمه ولحمه ونظرات عينيه، وكلمات لسانه؛ تماماً كما خرطته مخرطة الإرهاب الدولية التي تبدأ بجماعة الإخوان المسلمين وتنتهي بالقاعدة وداعش.

ومن يعلم من سوف يأتي فيما بعد. ومن يريد للإرهابي أن يكون شخصية كاريكاتورية تأتي من التمثيليات الرمضانية التي ترسم المتعصبين والمتطرفين كشخصيات خفيفة وبلهاء، فربما يكون عليه أن يجد لنفسه مهنة أخرى غير مقاومة الإرهابيين والإرهاب. في الواقع العملي فإن شخصياتهم قدت من جرانيت وليس من صلصال.

وجرت فيهم عمليات جراحية عميقة غسلت فيها الأدمغة، وتم فيها تفريغ الروح، وبعد ذلك جرت عمليات التعبئة خطوة بعد خطوة حتى يكون في النهاية «ربوت» وحش، أو هو في حقيقته وحش جرى تدريبه على «السمع والطاعة» والقتل. ومثل ذلك ليس جديداً على التاريخ، فقد كان فيهم إرهابيون من أول الخوارج وحتى الحشاشين ومن لف لفهم في الزمن الإسلامي.

كما كان فيهم فاشيون ونازيون ومنهم أنواع من الشيوعيين الذين شكلوا الجيش الأحمر الياباني والألوية الحمراء الإيطالية وبادر ماينهوف الألمانية والفهود السود الأميركية. كل هؤلاء كانوا صناعة واحدة، أضيف إليها من علوم الفقه ما اختلف، ولكن النتيجة في النهاية هي ما رأيناه من ثقة، ومن اعتقاد في رسالة لخلاص العالم لم ينيبه فيها أحد، ولم يفوضه فيها إنسان.

ولكنه مثل الكلاب المتوحشة جرى تدريبه على التوحش فانطلق ظناً منه أنه يفتدي ويهدي. كان رد الفعل للمقابلة التلفزيونية المهمة التي أجراها الأستاذ عماد أديب مع الإرهابي عبد الرحيم محمد المسماري مفاجئاً في استنكاره لما ظهر عليه من ثقة واعتداد وإيمان بأن وظيفته هي إقامة شرع الله ليس في أسرته أو حيه أو بلدته أو دولته، وإنما في العالم كله.

تلك هي «الحاكمية» التي تشكل السطر الأول في العقل الإرهابي، أما السطر الثاني فهو السمع والطاعة والتسليم لقائده الذي لم يقطع عنه فضيلة الكلام مع الآخرين فقط، وإنما مع زملائه في الإرهاب. لا أحد يتكلم ولا أحد يناقش ولا أحد يقرأ ولا أحد يكتب ولا أحد يتراسل، هو شخص جرى صهره ثم تم صبه في قالب وحده، فلا هو مسلم بين المسلمين الذين نعرفهم، ولا هو عضو في تنظيم واسع وحركة إرهابية كبيرة مثل الإخوان، ولا هو حتى من اتجاه التطرف الشديد مثل داعش، هو من «القاعدة» مهما كان إيمانه أو تطرفه.

السطر الثالث هو «الجهاد» ضد الجميع من سبق ومن لحق، هنا تحرر الرجل من أثقال الدعوة والتفكير والتنظير والاجتهاد، وبذلك فهو هادئ فكل تلك وظائف يقوم به من تم تجهيزه لهذه المهمة في التنظيم، أما هو تحديداً فهو جندي مهمته قتل الآخرين وكفى.

وعلى عكس ما قال من رغبته في «الشهادة» فإنه ما أن فرغت منه الذخيرة استسلم، وبات جاهزاً لكي يبوح ويفصح ولا بأس في أن يكون في الرواية زهو ينبع من تلك الحالة من التعالي الذي نجده فيمن يظن أن لديه الحقيقة المطلقة.

مثل هذا هو ما نحاربه، وما على جنودنا وضباطنا محاربته، إنهم ليسوا عرائس خشبية، وإنما قتلة محترفون يقتلون من أجل جائزة لا يقدمها بنوك وإنما حالة من النعيم المتجدد. هذا يجعل حربنا حربان: حرب ضد الإرهابيين الذين يمثلهم عبد الرحيم محمد المسماري؛ وحرب ضد المصنع الذي انتجه (التنظيم الذي انضم له في النهاية) أو المصانع التي فرغته (التيارات الفكرية التي كونته).

«الحرب على الإرهاب» سوف تحتاج إلى تعليم الإرهابيين كيف يكون الخوف والفزع والشك الدائم في إمكانية الوصول للهدف، مع فقدان للثقة في النفس والكفاءة القتالية للأفراد الذين يظنون أن وراءهم وأمامهم وخلفهم هالات مقدسة. الحرب على الإرهاب لا يوجد بها معدات مثل التي نعرفها في الحروب التقليدية.

ولا يمكن اعتبار عربات الدفع الرباعي، أو المدافع الخفيفة المحملة عليها، أدوات عسكرية جادة. ولكن الجاد فيها هو الأفراد وقدرتهم السريعة على الاختفاء والظهور والالتفاف، مع إرادة حقيقية لبث الخوف والفزع في تجمعات سكانية، وأحياناً في تجمعات قتالية .

كما حدث خلال «غزوة» الواحات. الحرب ضد الإرهاب تنتمي إلى نوعية جديدة من الحروب فهم ليسوا رجال حرب العصابات الذين عرفناهم إبان الحرب الفيتنامية، أو حرب تحرير الجزائر، فهؤلاء كان لديهم غطاء شعبي، ويتحركون بدوافع وطنية وقومية. الإرهابيون على العكس ليس لديهم تلك الصلة الخاصة مع «الشعب»، هم طائفة منتقاة جرى غسل عقلها بالفاشية الدينية بالطريقة التي تجعلها تفقد صلتها بالحياة.

مثل هذه الحرب باتت أطول الحروب في التاريخ، ولعل ذلك هو ما أدركه الأميركيون والأوربيون أخيراً، وعلينا أن ندركه أيضاً. الأسلحة التي لدينا تبدأ من التعرف إليهم دون نكوص عن إدراك نقاط القوة والضعف فيهم، وباختصار، وخاصة بين النخبة الفكرية، أن تأخذهم بجدية. وبعدها تجفيف المنابع التي أتوا منها بحرمانهم من ثقافة الموت بنشر ثقافة الحياة، والعمل من أجل التنمية وليس السماح ببقاء التخلف.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon