أمانة الوطن

إن الوطن من أغلى ما يملكه الإنسان، فحبه يتغلغل في سويداء قلبه، وتلك فطرة فطر الله الناس عليها، وقد كتب العلماء والحكماء والأدباء والشعراء في حب الوطن، وسطروا ذلك في بطون الكتب، لتتناقله الأجيال، وتتغنى به الشعوب.

إن هذا الوطن الغالي لم يقم إلا بتضحيات وجهود الآباء المؤسسين، الذين بذلوا الغالي والنفيس لقيام الاتحاد، والنهوض به، فبذروا بذرته، فخرجت شجرة باسقة يانعة الثمار، بعد أن سقوها بماء الكد والتعب، وحمل الراية من بعدهم قادة أفذاذ، سهروا الليل والنهار لرقيه وازدهاره، فكانوا خير خلف لخير سلف، ومن واجبنا جميعا المحافظة على هذا الوطن، ليستكمل مسيرته المشرقة.

إن أداء أمانة الوطن يبدأ من الأسرة، التي هي نواة المجتمع، بأن يكون الوالدان قدوة لأبنائهم في حب الوطن، والتعبير العملي عن ذلك، في أخلاقهم وسلوكهم، واحترامهم للأنظمة والقوانين، وتحليهم بقيم الولاء والانتماء وحب القادة، وغرس ذلك في نفوس أبنائهم، ليجري فيهم حب الوطن مجرى الدماء في العروق.

وتحصينهم من التيارات الدخيلة، وما يهدد أفكارهم وعقولهم، وخاصة في ظل التقنيات الحديثة، التي أصبحت في متناول الصغار قبل الكبار، وفي ظل تطبيقات كثيرة متاحة أمامهم، منها النافع و منها الضار، ومنها ما يهدد العقول والأوطان، ودور الأسرة أن تمضي بسفينتها لخير المجتمع والوطن، برعاية الأبناء وتوعيتهم وتحصينهم، وحسن إعدادهم، ليكونوا ثروة كبرى لوطنهم.

ومن أمانة الوطن الالتفاف حول القيادة الحكيمة، ولاء وانتماء، وطاعة واستجابة، فمن نعم الله علينا أن وهبنا قادة لا مثيل لهم، هم قدوات في أخلاقهم، ونماذج في تفانيهم في خدمة وطنهم وشعبهم، وتوفير أرقى سبل العيش لهم، وقد جعلوا ذلك على رأس أولوياتهم، وترجموه واقعا عمليا، حتى أصبح أبناء الإمارات من أعلى الشعوب في مؤشرات السعادة العالمية.

وما زالت جهودهم متواصلة بلا كلل ولا ملل للصعود بدولة الإمارات في آفاق الصدارة، لا يرضون بديلا عن الرقم واحد في مختلف المجالات، ومن واجبنا أن نؤازرهم ونعمل في ظلهم متكاتفين متلاحمين لخير حاضرنا ورقي مستقبلنا.

ومن أمانة الوطن إشاعة السلوكيات الإيجابية في المجتمع، وخاصة السلوكيات التي تترجم قيم الخير والوئام والتعايش والتسامح والمثل العليا التي غرسها الشيخ زايد طيب الله ثراه، وعيال زايد يقتدون به في التحلي بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور، لتصبح دولة الإمارات واحة خضراء لأهلها والمقيمين عليها.

ومن أمانة الوطن التسلح بالعلم والمعرفة، وتنمية العقول وتطوير المهارات لخدمة الوطن، ولا شك بأن الطلاب والطالبات اليوم سواء في المدارس أو الجامعات هم أولى الناس بالتزود بالعلم، من خلال جدهم واجتهادهم في التحصيل الدراسي، حفظا وفهما وتطبيقا ومهارات ذهنية وعملية، ليكونوا خير جنود لهذا الوطن بعلمهم في مختلف المجالات، الهندسية والصناعية والطبية والعسكرية وغيرها.

ومن أمانة الوطن تسخير الأقلام في خدمته، من قبل العلماء والأدباء والمثقفين والإعلاميين، فتأثير الكلمة اليوم كبير، وسلاح القلم لا يقل أهمية عن أي سلاح آخر، وخاصة في ظل بروز أدوات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت منصات كبرى للتعبير، ولها دور في التأثير والتغيير، مع سرعة انتشار الكلمة عبرها، وتركيز الأعين عليها، فتجدر أن تكون هذه المواقع منصات للإشادة بالوطن، والاعتزاز بإنجازاته، والدفاع عنه، وصد السهام المغرضة عنه.

ومن خير من يؤدي أمانة الوطن الأجهزة الشرطية والأمنية والعسكرية، الذين هم دروع هذا الوطن، والأعين الساهرة عليه، وإن جنود الإمارات البواسل خير قدوة في هذا الباب، فقد حملوا راية الوطن خفاقة، وأدوا أمانة الوطن كاملة غير منقوصة، وقدموا في ذلك كوكبة من الشهداء الأبرار، الذين لبوا نداء الواجب، وقدموا أرواحهم في ميادين البسالة والشجاعة.

وإن هذه الروح الوطنية العليا هي امتداد لقيم أسر الشهداء، الذين أدوا أمانة الوطن بحسن تربيتهم لأبنائهم على حب الوطن، واحتسابهم عند الله تعالى، مؤمنين بأنهم استشهدوا في أشرف الميادين، وأنهم بإذن الله أحياء عند ربهم يرزقون. وإن الناظر اليوم في أحوال بعض المجتمعات وما تعاني من كوارث وويلات ليدرك تماما ضرورة المحافظة على الوطن.

وما ينجم عن ذلك من خير عظيم، فبالمحافظة على الوطن ينعم الإنسان بالاستقرار والأمان، ويهنأ بالراحة والاطمئنان، لا تؤرقه مخاوف الفتن، ولا تطارده كوابيس الحروب، وإن الوطن سفينة تقل الجميع، ومن واجب الجميع المحافظة عليها، لتبحر بسلام إلى بر الأمان، وتمخر عباب التقدم والازدهار، متألقة مزدانة، لا تهددها عواصف، ولا تعترض طريقها أي مهدد.

وإن أعداء الأوطان يحرصون كل الحرص على هدم القيم الوطنية، باستخدام معاول مختلفة، ومن معاولهم الدعاوى الزائفة التي تهدم الأوطان تحت شعارات براقة، كالثورات المقنعة بكلمات الحرية والكرامة غيرها، وما أن تهب هذه الثورات حتى لا تبقي ولا تذر.

ويصبح الإنسان مهددا في وجوده، لا يكاد يجد متطلباته الأساسية، ومن المعاول الهدامة اختراع أوطان زائفة بديلة، كما تفعله التنظيمات المتطرفة، التي تعتبر التنظيم هو الوطن، فتخدع بذلك الأتباع، وتزج بهم في جرائمها الإرهابية الحارقة، ومن المعاول الهدامة الإشاعات المغرضة والأكاذيب الباطلة.

إن دولة الإمارات قيادة وشعبا ضربت أروع الأمثلة في أداء أمانة الوطن، باتحادها، وتكاتف قيادتها، وتآزر شعبها، وأكدت للقاصي والداني أنها حصن حصين، عصية على الحاقدين، تتقدم ركب الحضارة والريادة، وكل فرد في هذا الوطن جندي مخلص له، لا يتردد في أن يفتديه بالغالي والنفيس.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon