الخطيئة وتعريفاتها

ما الخطيئة؟ ليس هذا السؤال بسؤال لاهوتي. ليس من شيمة الفيلسوف أن يجعل من أسئلة اللاهوت أسئلته الخاصة. بل إعادة السؤال حول الخطيئة وتحريرها من حمولاتها اللاهوتية وإعادتها إلى حقلها الحقيقي بوصفها فعلاً بشرياً مرتكبَاً بحق الآخر.

كل سلوك يهدف إلى إيذاء الآخر، كالقتل والإهانة والتعذيب والاغتصاب، وإهدار الكرامة وكل أشكال الاعتداء على الآخر هو خطيئة، وعكسها الإيمان بالحرية الشخصية -الفردية المعترف بها اعترافا مطلقا واحترام حق الآخر واعتباره غاية وليس وسيلة.

درجات الخطيئة البشرية كثيرة تبدأ من الحسد وتنتهي بجريمة القتل وما بينهما من اعتداءات من الكذب والتلصص والسرقة إلخ، والملاحظ أنها كلها أنماط سلوك تؤذي الآخر، ولهذا فهي حملت البشرية على سن عقوبة على ارتكاب الخطايا، ولهذا أيضا لا عقوبة لكائن في تصرف بحق ذاته.

غير أن أخطر ما يواجهه المجتمع الإنساني، بل والإنسان هو المدخل النسبي في النظر إلى الخطيئة، والاختلاف حول ما يندرج في عداد الخطايا وما لا يندرج، فضلاً عن خطر التبرير الأيديولوجي للخطيئة بدافع المصلحة.

هل احتلال أراضي الغير خطيئة نسبية تخضع للاختلاف حولها؟ بالطبع لا. فكل احتلال لأرض الغير مهما كان الدافع إليه هو خطيئة مطلقة حتى لو حُملَ المُحتَلة أرضه على الاعتراف للمحتل بهذه الجريمة.

احتلال فلسطين وما شابه ذلك من احتلالات خطيئة كبرى ومطلقة.

قس على ذلك الاعتداء على الملكية الشخصية، ومن الغريب والعجيب أن تجد من يبرر للمستبد خطاياه القاتلة بحق الكرامة الإنسانية بدواعي أيديولوجية كاذبة.

فكرة الوطن ليست سبباً لارتكاب الخطايا، بل على الضد من ذلك، إنها هي بالذات التي تؤسس للحب، وليس هناك انفصال أبداً بين الوطن والناس، بل ليس الوطن سوى ناسه، وتجريد الوطن من ناسه لارتكاب الشر والخطيئة باسمه جريمة لا تغتفر أبداً.

الخطيئة المطلقة قتل الآخر سلبا لحقه، وليس هناك فرق في أدوات القتل للحكم على القتل، فالقاتل بمدية كالقاتل برصاصة كالقاتل بقنبلة، والقاتل بقنبلة نووية أو القاتل بقنبلة كيميائية كالقاتل بقنبلة عادية، فقتل الآخر عدواناً هو جوهر خطيئة القتل، قتل الآخر سلباً للحق ماهية خطيئة القتل، قتل الآخر سلباً للحياة في سجون الطغاة خطيئة مطلقة.

أجل كل قتل بدافع العدوان وسلب الحق، أي نوع من الحق، خطيئة مطلقة. وهذه لا ينفع معها تسامح أو غفران أو توبة أو تكفير أو عفو وكل ما عدا هذه الجريمة قابل لما سبق. لأن جريمة القتل سلبا للحق أثرها غير قابل للتغيير وهو موت إنسان. وما عدا ذلك يمكن أن تتغير آثار الخطيئة، بل وتتغير ماهية الخاطئ.

سائل يسأل وكيف تكون الخطيئة نسبية؟ إن القول بنسبية الخطيئة لا يعني فقدان فعل الخطيئة لجوهره. فسرقة جائع لا يأكل خطيئة لكنها خطيئة نسبية، فهي ليس مقصودها إيذاء الآخر لكنها اعتداء على ملكيته، بل هناك من يجد تبريراً لها وينفي عنها صفة الخطيئة بسبب غياب دافع الشر فيها.

وهذا معنى نسبيتها. وقس على ذلك الكذب حفاظاً على الحياة واتقاء شر مجرم ما، وهكذا.

لأن الخطايا الأخلاقية تختفي وراء المبررات النفعية أو العملية أو الضرورية فإن كثيرين يصطفون إلى جانبها وهم يعرفون مبرراتها الكاذبة، اعتقادا منهم بأنهم قادرون على إنجاب القناعة لدى الآخرين ببراءة فعلهم من الخطيئة.

إذا كان القانون الوضعي قد استُن لمعاقبة خطايا الأفراد، فإن القانون الدولي لا زال عاجزاً عن تحقيق معاقبة السلطات على ارتكاب خطاياها المدمرة. وهذا أمر يحتاج إلى نظر عميق وطويل.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon