أوكرانيا تستدعي السيناريو البرتقالي

في نوفمبر عام 2004 اندلعت في أوكرانيا ثورة، اطلق عليها آنذاك اسم »الثورة البرتقالية«، ولم يعرف أحد وقتذاك سبب التسمية بـ" البرتقالية"..

كما لم يعرف أيضا سبب تسمية الثورة التي سبقتها بعام واحد عام 2003 في جارتها جورجيا بالثورة »الوردية«، لكن ظهر بعد ذلك مباشرة في قاموس المصطلحات السياسية ما عرف بمصطلح »الثورات الملونة« والتي تبنتها ودعمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها بهدف بناء مجتمعات ديمقراطية جديدة على أنقاض المجتمعات الرجعية القديمة الخارجة من عباءة الاتحاد السوفييتي السابق..

وجاءت الثورة البرتقالية في كييف برئاسة الرئيس فيكتور يوشينكو وحليفته زعيمة المعارضة البرلمانية يوليا تيموشينكا، وتولى يوشينكو الرئاسة في يناير عام 2005 بعد فوزه على خصمه حليف موسكو فيكتور يانوكوفيتش، وما أن استقر الحكم للبرتقاليين حتى بدأ الصراع على السلطة داخلهم، وبدأت الاتهامات بين كتلة الرئيس يوشينكو وكتلة تيموشينكا التي وصلت إلى حد الاتهام بسرقة أموال الشعب.

لم تتدخل روسيا في الثورة البرتقالية وتركتها، كما يقال، تأكل نفسها من داخلها، خاصة وأنها كانت تفتقر إلى الدعم الشعبي وترفع شعارات غير قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، مثل الحرية والانتماء إلى أوروبا والسعي لعضوية الاتحاد الأوروبي وعضوية حلف الناتو، وتعد الشعب بالرفاهية والرخاء بعد الابتعاد عن روسيا.

ومضت خمسة أعوام ولم تحقق الثورة البرتقالية أي شيء مما وعدت، وتدهورت الأحوال الاقتصادية في البلاد حتى باتت أوكرانيا على وشك الإفلاس، الأمر الذي تطلب إعادة الحال على ما كان عليه، وفوز حليف موسكو فيكتور يانكوفيتش في الانتخابات الرئاسية على منافسه قائد الثورة البرتقالية فيكتور يوشينكو الذي حصل على نسبة هزيلة من الأصوات رغم اعترافه بنزاهة الانتخابات.

وعادت أوكرانيا تتبع سياسة معتدلة ما بين الغرب وروسيا، وهذا أفضل نموذج يناسب أوكرانيا التي لا تستطيع الاستغناء عن جارتها التاريخية روسيا التي يربط شعبها بالشعب الأوكراني روابط تاريخية وثقافية وعقائدية وطيدة تجعلهما أشبه بشعب واحد..

كما أن الاقتصاد الأوكراني لا يمكن له الاستغناء عن روسيا وأسواقها الواسعة القادرة على استيعاب الانتاج الزراعي الأوكراني دون غيرها من الأسواق الأخرى، ناهيك عن الصناعات المشتركة بين البلدين، وخاصة الصناعات الحربية.

لكن على ما يبدو أن اليمين المحافظ في الغرب لم يتخل عن حلمه في انتزاع أوكرانيا من روسيا، وهنا تعود كلمة مستشار الأمن الأميركي الأسبق زيبغينو بريجنسكي تتردد، حيث قال في كتابه الشهير »رقعة الشطرنغ العظمى« عام 1997: »إذا لم ننتزع أوكرانيا من روسيا فسوف يعود الاتحاد السوفييتي مرة أخرى«..

ولهذا كان الانقلاب على سلطة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش في فبراير عام 2014، وتولي سلطة انقلابية موالية للغرب وواشنطن، وهروب يانوكوفيتش إلى موسكو، واندلاع الاضطرابات في شرق أوكرانيا الذي رفض الخضوع لسلطة كييف وطالب بالانضمام إلى روسيا..

وإعلان استقلال القرم عن كييف وعودته باستفتاء شعبي إلى روسيا، واندلاع الحرب بين الجيش التابع للسلطة الجديدة في كييف المدعومة من واشنطن، وبين الانفصاليين في إقليم دونباسك شرق أوكرانيا الموالين لموسكو.

توالت الاتهامات من واشنطن والأوروبيين لروسيا بدعمها الانفصاليين في شرق أوكرانيا، وأنكرت موسكو ذلك تماماً وبدأت في مساعي السلام بين شرق وغرب أوكرانيا تحت رعاية روسية أوروبية، لكن واشنطن رفضت هذه المساعي واستمرت في دعمها للجيش الأوكراني في كييف والجماعات اليمينية التابعة للسلطة الانقلابية وحثها لهم على استمرار إشعال الحرب مع الانفصاليين في شرق أوكرانيا.

وفي ظل استمرار مساعي السلام والتهدئة بين كييف والانفصاليين في شرق أوكرانيا، يظهر الصراع داخل السلطة في كييف، وبدون أي تدخل من أطراف خارجية، لا من واشنطن ولا من موسكو ولا من أوروبا، فقط صراع على السلطة وعلى الامتيازات المالية القادمة من الغرب وواشنطن، ويتكرر السيناريو الذي حدث بعد الثورة البرتقالية عام 2004..

وشهدت العاصمة الأوكرانية كييف اشتباكات عنيفة في فبراير الماضي أثناء الاحتفال بالذكرى الثانية لأحداث »الميدان« في فبراير عام 2014، واندلعت الاضطرابات الجديدة بالتزامن مع تدهور الأوضاع الاقتصادية جراء الأزمة التي تمر بها أوكرانيا التي بات اقتصادها على وشك الانهيار التام، وباتت على وشك الإفلاس.

وجاءت الاضطرابات نتيجة الاتهامات المتبادلة، كما حدث بعد الثورة البرتقالية عام 2004، بين الرئيس بيتر بوروشينكو ورئيس الحكومة أرسيني ياتسينيوك الذي رفض طلب الرئيس له بتقديم استقالته، وانهار التحالف الحاكم إثر فشل مجلس النواب في سحب الثقة عن حكومة ياتسينيوك.

وفي هذا السياق أعلنت المفوضية الأوروبية أن تفاقم الأزمة السياسية وضع أوكرانيا في وضع حرج، مجددة دعوتها إلى مواصلة الإصلاحات.

هكذا يعود السيناريو البرتقالي يتكرر وتأكل الثورات الأوكرانية نفسها، الأمر الذي استدعى الرئيس السابق المعزول فيكتور يانوكوفيتش، واللاجئ في موسكو، أن يعلن أنه على وشك العودة لمنصبه في الرئاسة في كييف.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon