الصين تفلح في تجاوز أوباما

لم تكد قدما الرئيس الأميركي باراك أوباما تلمسان أرض بكين لحضور قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول منظمة آسيا- المحيط الهادئ (ابيك) التي انعقدت العام الماضي هناك، أخيرا، حتى تبادل الإشادة مع الصين من دون أن يدرك على ما يبدو جدول أعمالها على المدى الطويل..

وهذا هو الضعف الأميركي الذي يمكن استغلاله. فبالنسبة للصينيين، لم يعُد الأمر يتعلق بالتجارة، ولكن بجعل الولايات المتحدة تعتمد عليهم اعتمادا كليا في المدى الطويل.

وأعلن أوباما عن عقد «تفاهم» مع الصين، من شأنه القضاء على التعريفات الجمركية المفروضة على المنتجات التكنولوجية المتطورة، مثل نظم تحديد المواقع العالمية، وألعاب الفيديو والأجهزة الطبية. وتصب الفائدة الصافية من إزالة التعريفات الجمركية والتجارة الحرة، في مصافي الدول التي تحصل على تخفيضات ضريبية من منتجاتها في السوق.

وهذا أمر لا يسعى أوباما إلى تطبيقه على المستوى الثنائي مع الصين فقط ولكن أيضا مع بلدان أخرى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، من خلال اتفاقية التجارة الحرة الإقليمية. وقد تكون الصين هي الدولة المقصودة، لأنها تصنع كل شيء تقريبا قد يشتريه المرء في أي مكان في العالم، باستثناء منتجات التكنولوجيا العسكرية.

وتهيمن الصين على صناعة التكنولوجيا الاستهلاكية العالمية. وقد تُسندُ الشركات الأميركية في هذه الأيام مهام التصنيع إلى العمال الصينيين دون أن نسمع شكاوى مثل أن المنتجات لم «تصنع في أميركا» ونحكم عليها بالتالي بأنها أقل جودة.

وقد يدفع الأميركيون مبلغا أقل مقابل شراء بعض الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية الخاصة بهم، كنوع من الترضية مقابل نقل وظائفهم إلى الخارج، أو قد تضيع هذه الفوائد في هاوية حاملي أسهم الشركات.

وسيكون من الرائع إذا أوضح أوباما هذه النقطة. فهل سيشهد الأميركيون بالفعل انخفاضا في الأسعار؟ أم أن هذه الاتفاقية واحدة من تلك الصيغ الملتوية، حيث تنحدر الفائدة الصافية للمستهلك الأميركي لتصبح كأنها «فرصة» غامضة الملامح، يتم تحديدها بصورة ملموسة في وقت لاحق. المشكلة فيما يتعلق باتفاقيات التجارة الحرة الجديدة هذه هي أنها مثل الرأسمالية نفسها، حيث إن المبدأ الأساسي مُنحرف تماما.

فالصين لا تستورد المواد الخام من الولايات المتحدة لتصنعها وتُرجع المُنتج النهائي إلى السوق الأميركية. وبدلا من ذلك، تستخرج الصين المعادن الأرضية النادرة في جميع أنحاء الكوكب، لا سيما في الأماكن التي تقل فيها تكلفة اليد العاملة وينعدم التنظيم. ثم يمكن للشركات الصينية زيادة ربحية المنتج النهائي لدى بيعه في الأسواق الاستهلاكية الأجنبية.

هناك مأزق اقتصادي قد تتورط به أميركا هنا. فلشركات التعدين الأميركية مصالح في أفريقيا وإندونيسيا وغيرها، وما من شك في أن المساهمين الأميركيين يجنون غنائم من هذه العمليات. ومع ذلك، تغذي شركات التعدين آلة التصنيع الصينية هذه إلى حد كبير.

هل ترى الضعف في السلسلة الانتاجية هذه؟ فكل ما يتوجب على الصين فعله هو تقويض أو تقليل مكاسب الشركات الأميركية في أماكن مثل أفريقيا وإندونيسيا، وفي هذه الحال سيتم ابعاد أميركا عن هذه الأسواق. وقد أثمرت وسيلة تعزيز السيولة النقدية الضخمة التي استخدمتها الصين في عراق ما بعد صدام..

وفي جميع أنحاء أفريقيا وأماكن أخرى. تعترف الصين على نحو موات بأنها غير مؤهلة لتكون شريكا في اتفاقية التجارة الحرة الإقليمية، ولكن ماذا عن كل المتطلبات الصارمة المتعلقة بمعايير العمل والبيئة، والملكية الفكرية، وما إلى ذلك، فهذا كله يعطي الصين العذر الذي تحتاجه للتركيز على سعيها لفرض تكامل إقليمي أكبر.

هذا يعني، على سبيل المثال، أنه عندما تنجح الحكومة الإندونيسية في تجريد شركات أميركية وغربية من عمليات التعدين التي تمتلكها، عبر إقرار قانون ينص على أنه في غضون 10 سنوات يجب أن تكون غالبية المناجم الإندونيسية مملوكة من قبل مواطنين إندونيسيين تدعمهم الدولة، فستكون الصين في وضع طبيعي للتحرك واستغلال الوضع.

اتفق رئيسا الصين واندونيسيا، أخيرا، على أن الصين ستوجه أنظارها إلى إندونيسيا من أجل «دفع التعاون في مجالات البنى التحتية والزراعة وقطاع المال والطاقة النووية والاستفادة بشكل كامل من الآليات ذات الصلة، لتعزيز التعاون البحري والفضائي»، وذلك بحسب ما قاله الرئيس الصيني شي جين بينغ.

في غضون ذلك، حقق أوباما بعض التخفيضات في تكلفة ألعاب الفيديو الصينية، التي قد تُقدم وقد لا تُقدم للمستهلكين الأميركيين.

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon