بوتين وأطروحاته الاقتصادية العجيبة

يبدو أننا نمر الآن بمرحلة جنون اقتصادي عالمي، وصل فيها الانحدار الاشتراكي على امتداد العالم إلى درجة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحاضر العالم، لا سيما أوروبا، حول مخاطر الاشتراكية.

وفي إطار حديثه، أخيرا، في مؤتمر آسيا والمحيط الهادئ للتعاون الاقتصادي في فلاديفوستوك بروسيا، روج بوتين لمزايا اقتصاد السوق الحرة. وقال إن أوروبا، من خلال سحب الدول التابعة للاتحاد السوفييتي سابقا إلى دائرة نفوذها، بعد سقوط الستار الحديدي، اختارت تحمل مسؤولية دعم الرفاه الاقتصادي لتلك الدول. والآن، يوشك نموذج منطقة اليورو نفسه على الانهيار، مقدرا له، في ما يبدو، السير على خطى الاتحاد السوفييتي القديم.

والحل من وجهة نظر بوتين هو إنشاء النفوذ وتعزيزه - واستعادة سلطة العهد السوفييتي المفقودة - من خلال التجارة، دون تحمل مسؤولية ديون الدول الأخرى أو مشكلاتها الداخلية. وتوفر شركة "غازبروم" الروسية، على سبيل المثال، ما يقدر بنحو 36% من إمدادات الغاز إلى أوروبا، مع تحليق تلك النسبة إلى ما يزيد على 80% في دول الاتحاد السوفييتي السابق، مثل بولندا. وفتحت المفوضية الأوروبية أخيرا تحقيقا بشأن "غازبروم"، مهددة بفرض غرامات تصل إلى 1,4 مليار دولار بسبب ممارسات المنافسة غير المشروعة. ورد بوتين من خلال إلقاء محاضرات على أوروبا حول ما صوره على أنه محاولة يائسة للاستيلاء على المال من خلال تغيير القواعد في منتصف اللعبة، بعد فترة طويلة من التوقيع على العقود وتحديد الأسعار.

وفي ذلك المؤتمر، قال بوتين: "يبدو الآن أن شخصا ما في المفوضية الأوروبية قرر إشراكنا في حمل عبء الدعم. وهذا يعني أن أوروبا المتحدة تريد أن تبقي على نفوذها السياسي فيما ندفع نحن القليل من ثمن ذلك. وهذا نهج غير بناء في عصرنا هذا، سارعنا إلى الترويج لإقامة علاقات مع تلك الدول، وإلى الترويج لتكوين الأسعار. دعنا لا نبرح أرض الواقع الحالي".

نعم، دعنا نسمح لتمثيلية السوق الحرة هذه بالاستمرار دون عوائق، كما يقول رئيس ذلك الجزء من العالم الذي كان يشكل مرادفا للشيوعية.

ولم يتوقف بوتين عند ذلك الحد. فهو، في إطار مواصلته للتحول إلى نسخة روسية من الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، راح يحاضر العالم حول مخاطر النزعة الحمائية. ومقرا بأنه لم يكن بريئا من المبادرة أحيانا إلى اتخاذ تدابير لحماية القطاعات الأكثر عرضة للاضطرابات الاقتصادية العالمية، اعترف بوتين بأن: "الإدمان على دواء النزعة الحمائية يمكن أن يخفف الألم والأعراض الحادة بشكل مؤقت، ولكنه يبطئ انتعاش الاقتصاد العالمي، ويعيق حركة التجارة والاستثمار".

والوقت وحده كفيل بإظهار إلى أي مدى ستتناسب تصرفات بوتين مع كلماته، ولكن هذه الكلمات تتناقض بالفعل، وبشكل صارخ، مع الخطب الصادرة عن جزء كبير من أوروبا وبقية العالم.

ففي فرنسا، حظي الرئيس الاشتراكي فرانسوا هولاند بفرصة للتراجع عن وعد قطعه خلال الحملة الانتخابية بشأن فرض ضريبة دخل بنسبة 75% على أي دخل شخصي يزيد على مليون يورو. ولكنه، للأسف، ردد أنه ذلك النوع من الاشتراكي الذي يفي بوعوده. وما تحتاجه فرنسا بشدة الآن هو رئيس اشتراكي يتراجع عن كل ما يخرج من فمه، ويقضي معظم فترته الرئاسية في إجازة، ولكن هولاند مصمم، في ما يبدو، على ألا يكون رئيسا من ذلك النوع.

وقد تقدم أغنى رجل في فرنسا، برنار أرنو، وهو الرئيس التنفيذي لشركة "إل في إم إتش" (الشركة الأم لعدة ماركات عالمية، منها لويس فويتون، وديور، وموي وشاندون، وجيرلان، وسيفورا)، الذي يحتل المركز الرابع في لائحة أغنى أغنياء العالم - تقدم بالفعل بطلب للحصول على الجنسية البلجيكية، ويقال إنه يمضي الكثير من وقته في تلك الدولة المجاورة، حيث من شأن معدله الضريبي ألا يتجاوز 50%. ورغم نفي أرنو أنه ينوي نقل إما شركته أو عبئه الضريبي الخاص إلى خارج فرنسا، فقد نشرت صحيفة "ليبراسيون" اليسارية على صفحتها الأولى خبرا يضم صورة لأرنو وعنوانا يقول: "اذهب بلا رجعة، أيها الغني الأحمق!" فسارع أرنو إلى مقاضاة الصحيفة بدعوى "الإساءة العامة"، مشيرا إلى أنه أوجد أكثر من 20 ألف وظيفة في البلاد.

ولكن لماذا ينبغي لأرنو أن يتخلى عن 75% من دخله الشخصي لحكومة لا تفعل شيئا سوى تبديده على الرعاية الصحية المجانية واستحقاقات المهاجرين غير الشرعيين، وعلى النائحين الذين يرفضون مغادرة الحي الذي ترعرعوا فيه طلبا للعمل المربح، وعلى البيروقراطيين غير المنتجين الذين يشبهون العلق، وعلى معلف يعج بالقطط السياسية السمان؟ يبدو أن بعض الناس يشعرون برضا أكبر عن مصيرهم في الحياة عندما يرون أن السياسات الاشتراكية ترغم أشخاصا مثل أرنو على مشاركتهم بؤسهم.

وليست تلك بدولة ولكنها معتقل "غولاغ" اقتصادي. ولدي شعور بأنه سيكون من دواعي سرور بوتين أن يحاضركم بشأن الفرق. وبالمناسبة، ما حجم ضريبة الدخل التي من شأن أرنو، أو أي شخص آخر، أن يدفعها في روسيا بوتين؟

الإجابة: تفرض روسيا ضريبة موحدة بنسبة 13% على جميع الدخول الشخصية، وبنسبة 20% على الشركات. وقد كانت المعدلات الضريبية أعلى بكثير، إلا أن بوتين كان متأكدا في ما يبدو من أن خفض الضرائب سيحفز النمو الاقتصادي. فيا للعجب!

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon