خلال محاضرة في مركز جمال بن حويرب للدراسات

بلال البدور يقرأ تضاريس الحركة الثقافية في الأردن

أكد بلال البدور، الباحث والكاتب والشاعر، سفير الإمارات السابق لدى الأردن، أن المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كان حريصاً على دعم الحراك الثقافي والمستوى الاجتماعي والاقتصادي، في المملكة الأردنية الهاشمية، وغيرها من الدول العربية والإسلامية، وأن الشيخ زايد، رحمه الله، كان قد وجه بإقامة سباقات الهجن في منطقة وادي رم الأردنية، ولا تزال تقام سنوياً بتمويل من الإمارات، ويحضر حفلها الختامي الشيخ سلطان بن حمدان بن محمد آل نهيان.

 

جاء ذلك في محاضرته، التي ألقاها أخيراً في مركز جمال بن حويرب للدراسات في دبي، بحضور نوعي لمجموعة من المثقفين والكتاب والمسؤولين الإماراتيين والعرب، منهم الأديب عبدالغفار حسين، وسعيد النابودة والدكتور عارف الشيخ، والدكتور صلاح القاسم، والدكتور شهاب غانم، والدكتور خالد الوزني، وإبراهيم العابد، وأعضاء من مجلس العمل الأردني في دبي، وجمع من الصحافيين والإعلاميين والمهتمين.

الثقافة والخبز

بدأ جمال بن حويرب الحديث مرحباً بالمحاضر والحضور، قائلاً: ثمة رجل سألني ذات يوم، لماذا تتكلم دوماً عن الثقافة، وكلنا يعلم أن الثقافة لا تطعم خبزاً؟ فأجبته: إن الثقافة في أوروبا تعتبر مصدراً ثانياً للدخل، فالثقافة العامة، والثقافة النفسية، والتوثيق والتسجيل، تعتبر من أنواع الثقافة، ومن مصادر الدخل، التي ينبغي استثمارها بصورة إيجابية ومستمرة.

وبدأ بلال البدور حديثه قائلاً: من أجل معرفة الحراك الثقافي في بلد ما، لا بد من إلقاء الضوء على تكوين مجتمعه، وأنشطته، وعاداته وتقاليده، فالمملكة الأردنية الهاشمية، هي بوابة الخليج إلى بلاد الشام، وقد مرت عبر التاريخ بأسماء كثيرة، نتيجة لكثرة الحضارات التي مرت عليها، بدءاً من الرومانيين، فالأنباط، والعرب ثم العثمانيين..إلخ. وهذه كلها تركت آثاراً لمّا تزل قائمة، وحاضرة في تكوين المجتمع الأردني.

تكوين حضاري

وعند الحديث عن البتراء مثلاً، قل ما نجد منطقة تنافسها في تكوينها الحضاري الضارب في عمق التاريخ، وكذلك جرش ووادي رم ووادي الأردن، وسواها. ومن حيث التضاريس، فإن عمان بنيت على 7 جبال، باتت اليوم 9 تضاريس بسبب التوسع العمراني الكبير، الذي ترك أثراً على حياة الناس. هناك الشركس، الشيشان، الكرد، الأتراك، تضاف إلى الأكثرية العربية، وقد انصهر هذا التجانس ليشكل دولة عربية، قد يكون لكل مكون من مكوناتها لغته الخاصة به، يتحدث بها في بيته، وبين أفراد أسرته، لكن تجمعها كلها اللغة العربية الأم.

هناك من المسيحيين الأرثوذكس والبروتستانت والكاثوليك، ومن المسلمين، سنة وشيعة، وهناك أردنيون من أصول فلسطينية وسورية وعراقية ويمنية وليبية..إلخ. هذا النسيج الفسيفسائي، جعل من المملكة الأردنية، بلداً رائداً في التنوع الثقافي والأدبي والاجتماعي والاقتصادي، وبفضل قيادته الواعية ظل بلداً موحداً، وداعماً لأشقائه العرب، وبخاصة في منطقة الخليج.

وأكد المحاضر أن هوية الأردن العربية الإسلامية لم ولن تتأثر بفضل الارتباط الوثيق بين القيادة والشعب، وأن الأردنيين بكل مشاربهم وفئاتهم، يطلقون على الملك عبدالله لقب «سِيدنا»، وما ذلك إلا بفضل الحزم الأمني الواعي، وغير المتسلط أو القمعي.

الثقافة والسياحة

أكد بلال البدور أن الحضارات التي مرت على الأردن، تركت كثيراً من المعالم الثقافية والسياحية، التي قل نظيرها في بلاد أخرى، وعلى السائح الواعي المثقف أن يضع في برنامجه زيارة تلك البلاد، ليطلع عليها عن كثب، ويمتع ناظريه وذاكرته بتلك المعالم النادرة، مثل منطقة أم الرصاص التي تبعد نحو 30 كيلو متراً عن عمان، وتم من خلال التنقيب فيها العثور على 14 أثراً لكنائس من العهود الماضية، إحداها بنيت في العهد العباسي الأول، وأخرى ما زالت الرسومات الأرضية فيها بارزة للعيان.

وهناك مدينة جرش، أو جراسيا، وهي معروفة بآثارها، ومهرجانها السنوي الذي يؤمه السياح من أصقاع الأرض كافة. وهناك وادي رم، وهو منطقة صحراوية تخيم عليها الجبال والرمال، تشهد سنوياً مهرجاناً لسباقات الهجن، بتمويل من دولة الإمارات، وبتوجيه من المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي كان حريصاً على دعم الحراك الثقافي والسياحي في هذا البلد العربي الأصيل، أسوة بغيره من البلاد العربية والإسلامية.

وقال البدور: إن من يذهب إلى وادي رم، يجد أن جبالها نحتت بيد فنان محترف، وأن لهجة أهلها وعاداتهم، تشبه إلى حد كبير، لهجة وعادات سكان الخليج العربي، وبخاصة، أهل المملكة العربية السعودية، ولا يمكن التمييز بين هذه وتلك.

الحراك الثقافي

هذا المزيج الحضاري والسكاني، جعل في الأردن ثقافات متنوعة، قد تختلف عن بعضها في التفاصيل، لكنها تصب كلها، في إطار الثقافة الأردنية البدوية الأصيلة، فالغناء الأردني، مثلاً، مصحوب بالربابة، أما غناء القادمين إلى الأردن من القرى والجوار، فيكون مصحوباً بالدبكة.

وعن المؤسسات الثقافية في الأردن قال البدور: هناك مراكز ثقافية عدة، لعل أهمها المركز الثقافي الملكي الذي أنشئ في العام 1983، ويضم مسرحين وقاعات للمعارض. منتدى الفكر العربي، الذي دعا إلى تأسيسه الأمير الحسن بن طلال، ومن أهم مشاريعه، الميثاق الاقتصادي العربي، ثم الميثاق الاجتماعي، والآن تتم دراسة الميثاق الثقافي العربي.

ــ مؤسسة عبد الحميد شومان، وتعتبر من أهم المراكز الثقافية، وتستضيف معارض ومحاضرين من الداخل والخارج.

ــ ملتقى أبو غزالة الثقافي، ويهتم بتنظيم فعاليات ثقافية وأدبية، باستمرار.

ــ  هيئة الشؤون الدولية، يرأس مجلس إدارتها، عبد السلام المجالي، رئيس وزراء الأردن السابق، وتضم سبعة رؤساء حكومات سابقين، وعدداً كبيراً من الوزراء. منهم 16 وزير ثقافة سابق، ولها نشاط مميز، إذ تجتمع كل يوم ثلاثاء، لتناقش قضايا عربية ودولية مهمة، وترفع بها توصياتها إلى الجهات المعنية.

ــ مجمع اللغة العربية، ويعتبر الأقدم، تأسس قبل نحو 40 عاماً، وأصدر معجماً للغة العربية، ووضع دراسات عن أخطاء الصحافيين، وأخطاء القضاة، وانتزع من الحكومة قانوناً لحماية اللغة العربية.

ــ بيوت الشعر الشعبي، في عمان والمفرق، وسواهما، ويعود الفضل في إنشائها وتطوير النشاط فيها إلى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.

الدراما والمعارض

وأضاف البدور في محاضرته: الدراما أخذت مساحة واسعة على الشاشة الكبيرة، من خلال أعمالها التاريخية، وقد يكون بعضنا تابعاً بعضها.

وأما بالنسبة للسينما، فقد تأسست دائرة السينما في الأردن منذ العام 1965م، وتأسس النادي السينمائي في 1979، لكن إسهاماتهما في هذا المجال محدودة.

وعن المعارض، قال البدور هناك مهرجانات عدة مهمة، تقام سنوياً، منها على سبيل المثال:

ــ مهرجان جرش للثقافة والفنون.

ــ مهرجان الفحيص.

ــ مهرجان موسيقى البلد.

ــ مهرجان دار الزين.

ــ مهرجان قلعة عمان.

ــ أيام عمان المسرحية.

ــ معرض الكتاب السنوي.

أما المتاحف فهناك متحف الأردن للآثار، ومتحف السيارات، وهو خاص بعرض سيارات، الملك حسين، رحمه الله.

وعن المزارات الدينية، قال البدور: يعتبر الأردن من أغنى البلاد العربية من حيث المقامات الدينية، التي يمكن استثمارها في السياحة الدينية، هناك العديد من قبور الأنبياء والأولياء والصالحين، أمثال النبي سليمان، والنبي شعيب، ومن الصالحين والصحابة، أبو عبيدة بن الجراح، وضرار بن الأزور وكثيرون غيرهم.

دعم ثقافي

قال بلال البدور: خلال فترة وجودي سفيراً لدولة الإمارات في الأردن، والتي استمرت فترة عامين «2016- 2017»، انشغلت بدعم النشاط الثقافي، وبخاص الخطاطين والفنانين، واقترحت على وزيرة الثقافة إقامة معرض للخطاطين، وقدمت مؤسسة طلال أبو غزالة مساعدات مالية لهؤلاء الخطاطين، ووعدت أن تكون هذه المساعدات سنوية لهم.

مناقشات

في نهاية المحاضرة طلب جمال بن حويرب من المحاضر، التطرق إلى العوائق التي تحول دون تطوير الحراك الثقافي في الأردن. فقال: لعل أهم العوائق تتمثل في عدم الاستقرار في رأس الهرم الثقافي هناك، خاصة إذا علمنا أن النشاط الثقافي يتعلق بشخص الوزير وبرنامجه، بعيداً عن العمل المؤسسي، كما هو معمول لدينا في دولة الإمارات. وضرب لذلك مثلاً أنه خلال سنتين تم تغيير 3 وزراء ثقافة، وهذا يقود إلى عدم استقرار في النشاط الثقافي.

وتحدث الأديب عبد الغفار حسين، قائلاً: أتمنى أن يكون كل سفراء الدولة في الخارج، مثل الأستاذ بلال البدور، من حيث الاهتمام بالثقافة، إلى جانب العمل الدبلوماسي، ثم ألقى عبد الغفار الضوء على العلاقات الإماراتية- الأردنية، فقال هي تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما جاء عدد من الضباط الأردنيين المنضمين إلى قوة ساحل عمان، وتذكر منهم الضابط داوود صدقي، وضمن البعثات الأردنية إلى الإمارات جاءنا الإعلامي المعروف عدي البيطار، وعندما قام الملك حسين، رحمه الله، بزيارة الأمارات في العام 1961 تشرفت بمرافقته.

أما الدكتور شهاب غانم، فقد سأل المحاضر عن الحراك الشعري في الأردن، فأجاب: عندما ذهبت سفيراً إلى الأردن، قلت لهم جئتكم بالدبلوماسية الناعمة، وبالفعل ركزت على الحراك الثقافي، ومنه الجانب الشعري، والتقيت العديد من الشعراء الأردنيين الذين نفتخر بهم، ومنهم راشد عيسى.

والحقيقة أن هناك في الأردن، عدداً من الشعراء المبدعين، أذكر منهم رائد الحركة الشعرية «عرار»، مصطفى وهبي التل، وحيدر محمود، وسواهما.

وأخيراً تحدث الدكتور خالد الوزني، المستشار في مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، فقال الحديث في عمان اليوم يتركز حول كيفية الاستفادة من تجربة دولة الإمارات المتقدمة، في جميع النواحي، وبخاصة في مجالات التقدم العلمي والمعرفي والثقافي والاقتصادي، وغيرها، ولعل ذلك يعود إلى القيادة الرشيدة، وتلاحمها مع شعبها، وتسخير كل الإمكانيات لإسعاده، وتحقيق الرفاهية له.

سفير وأديب

الأديب والباحث الأستاذ بلال البدور، سفير الدولة السابق لدى المملكة الأردنية الهاشمية، عمل في وزارة الخارجية لسنوات عدة، له مؤلفات كثيرة، منها «موسوعة شعراء الإمارات»، عضو مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم في دبي، وله باع طويل في مجال الثقافة والأدب. رئيس جمعية حماية اللغة العربية في الدولة، حاصل على وسام الاستقلال من الملك عبدالله بن الحسين في العام 2017.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon