مبدعون يلتمسون آفـاقها وثمرات تشريعاتها

الملكية الفكرية.. المزايا والخفايا ونطاق التطبيق

أول ما يتبادر إلى الذهن حينما نسمع عبارة «حقوق الملكية الفكرية»، في أي مكان من العالم، هو فضح التزوير أو السرقة، على حساب المبدع أو صاحب المنتج الأصلي، حيث يتصدى القانون بحسم لمنع ذلك العبث حتى يكفل لصاحب الابتكار حقه الأدبي والمادي في آن. فهل هذا التصور صحيح وكفى أم أن ثمة تحفظات عليه وشروح تجعله في النهاية مفهوماً يختلف نوعياً عن ذلك التبسيط المخل؟

في الحقيقة فإن من سمات قانون الملكية الفكرية أنه غير مبسط ويكاد يطرح له مفهوماً مغايراً لما قد نتصوره، فمثلاً الأفكار الجديدة المبتكرة ليست محمية بهذا القانون إطلاقاً إلا إذا جرى النص عليها بالذات في اتفاق. فهل كان أحد يظن ذلك؟ نعم أفكارنا البديعة يمكن اقتناصها واستثمارها وتحويلها إلى منتجات تعود ملكيتها كاملاً إلى الغير فلا حماية ولا يحزنون!

فكرتك حوّلها إلى منتج مادي ملموس لكي ينسبها القانون إليك.

دعك عن هذا، وخذ عناوين الكتب والأفلام والأغاني، فهي لا تكون عادة محمية بقانون حماية حق الملكية الفكرية.

ثم حماية حقوق المؤلف بالنسبة للعمل المكتوب تستمر لمدة 70 عاماً، وفي بعض التشريعات أقل، اعتباراً من نهاية السنة التي توفي فيها المؤلف. وهذا يعني أن بإمكانك نشر أجزاء من عمل لشكسبير نفسه وأنت تمشي رافعاً رأسك!

بل يمكنك استغلال جزء من عمل معين، بحجة المحاكاة والسخرية منه، شريطة توظيف مهاراتك الفنية بعناية ودهاء، بحيث لا يستطيع صاحب العمل أن ينبس ببنت شفة.

وعلى العموم فإن قائمة الاستثناءات التي تجعل مفهوم حماية الملكية الفكرية مختلفاً عما نتصوره من الوهلة الأولى أطول مما ذكرنا على سبيل المثال لا الحصر.

غير أن الطريف في الأمر برمته هو أن فعالية هذا القانون تبدو واهية في مجتمعاتنا العربية عموماً لسبب آخر، هو أن المؤلف مثلاً يظهر لا مبالاة وعزوفاً عن اتخاذ أي إجراء حيال حالات استغلال منتجه الفكري مكتفياً بالسخرية أحياناً والشعور باللاجدوى أحايين أخرى.

«البيان» طرحت هذه الشجون جميعاً بين يدي عدد من المعنيين بشؤون الإبداع والملكية الفكرية، فكانت الإفادات التالية:

رصد وتشخيص

الأديبة مريم جمعة فرج ترى أن حماية حقوق الملكية الفكرية ضرورة، وهي في نظرها تعد جزءاً أساسياً من المنظومة الثقافية للدول، في حين أن جوهرها هو النظر إلى العمل الإبداعي باعتباره قيمة عالية، ومنتج هذا العمل يستحق الحصول على الأمان وهو يقوم بإنتاجه أو نشره. وعلى الرغم من أنك لا تستطيع وصف المنتج بأنه سلعة مثلاً، إلا أن هناك نوعاً من التسليع، وإن اختلف في مفهومه، كما أنه منتج «فكري» سواء كان ملموساً أو غير ملموس كما في الأدب والفنون بأشكالها، ومن هنا تأتي قيمته المعنوية والمادية بالنسبة للمبدع وبالنسبة للدولة والمجتمع ما يحتم وجود علاقة صحية بين هؤلاء، وهي منطقياً ستكون مدعومة بالتشريعات والقوانين وذلك أمر جيد عندما يكون للجميع، أقصد المؤسسات الثقافية والمثقفين أنفسهم دور في وضع هذا التشريع وذاك القانون.

وتستطرد مريم قائلة: إنه سواء في دولة الإمارات أو غيرها من الدول، فإن هذه التشريعات لها إيجابياتها كما أن لها سلبياتها، فهي اتفاقيات تسمح للمبدع بالادعاء أنه المؤلف أو المنتج الحقيقي للعمل وأنه صاحب الحق حصرياً في التصرف به وليس لأحد سواه هذه الحقوق إلا بعد إذنه، كما لا يمكن أن تصبح أو يصبح هو مادة للاستغلال المادي إلخ.

وحول استمرارية رعاية هذه الحقوق تضيف مريم جمعة فرج: هي مسألة تقليدية يمكن التحكم بها على الرغم من أنها تحتاج إلى إعادة نظر في كثير من الأحيان وباستمرار، نظراً لما يستجد من إشكالات في أمور منها آليات التنفيذ الفاعلة فعلاً، وخاصة في عصرنا الراهن المتبدل ومتسارع الإيقاع. وتشير الكاتبة الإماراتية إلى موضوع العلاقات الدولية والاتفاقات التي تحمي المبدع المحلي والوافد وتضيف: هناك مشكلة التشجيع والحوافز المادية التي تستحق إعادة النظر فيها، إلى جانب أن عنصر الحماية لا يتوافر بصورة تمنع حدوث تجاوزات.

وتختم مريم مداخلتها بالقول: إن مسألة كحقوق الملكية الفكرية تبدو اليوم شبيهة بالكوميديا المأساوية، هذه الصورة التقليدية لا يمكن مقارنتها الآن بصورة أخرى، فقد تحول الإنسان إلى مواطن عالمي يعيش ويعمل في فضاء افتراضي، ما يوفر فرصاً جديدة مبتكرة لنشر وتوزيع الإبداع لمؤسسات خارجية، هناك الكتاب الإلكتروني ووسائل التواصل التي تسهل على المبدع وقد تأتي بمردود مادي أكبر، ومع ذلك فلا بد من التصدي لإشكالاتها ومنها عدم وجود اتفاقيات تحمي حقوق المبدع على «النت»، حيث الحقوق مملوكة للجهة التي يتعامل معها هي ومستخدموها!

تجارب ووصايا

الشاعر عبدالله محمد السبب يبتدر مداخلته بالحديث عن العقل البشري، فيقول إنه منذ لحظته الأولى هو منذور للإبداع والابتكار وحسن التفكير والتدبير. هكذا خلقه الله سبحانه وتعالى، وهكذا يجب على الإنسان استثماره بما ينبغي له من صقل، وبما ينبغي عليه من تنفيذ. ولأنه كذلك، فإن له حقوقاً تجاه تلك الواجبات متمثلة في الاعتراف بحقوقه الفكرية وملكيته لها.. وعلى الرغم من كون التاريخ حمل إلينا وعرَّفنا بعباقرة وعلماء وأدباء وشعراء، ونسب إليهم العديد من المنجزات في المجالات المختلفة، فيما ثمة آخرون صودرت منتجاتهم الفكرية ونسبت إلى سواهم.. إما بالسرقات الخفية غير المعلنة ومجهولة المصدر، أو باغتصاب تلك الحقوق ومنحها إلى آخرين مقابل عطاء مالي بسبب ظروف الحاجة لدى صاحب المنتج الفكري أو العلمي.

لذا، فإن تبني حقوق الملكية الفكرية في نظر عبدالله السبب لم يعد مجرد تشريعات لحماية حقوق من ضاعت حقوقهم بسبب ما سلب منهم أو بسبب إهمالهم بأنفسهم لها، لكنها نبهت من أتى بعدهم إلى ضرورة المحافظة على حقوقهم الفكرية والدفاع عنها بكل الطرق والسبل الشرعية والقانونية المؤدية إلى ذلك.

وعن تجربته الشخصية في ممارسة حقوقه كمؤلف، يسوق عبدالله السبب تجربتين شخصيتين فيقول: الأولى يعود تاريخها إلى العام 1998م، وتتمثل في قيام الباحث نجيب عبدالله الشامسي باستصدار (شهادة بقيد مصنف في سجل الإيداع النوعي) بشأن ديواني الشعري الثاني (عصر) من خلال قسم الإيداع والملكية الفكرية بوزارة الإعلام والثقافة آنذاك.. نظراً لكون الديوان صادراً عن (دار المسار للدراسات والاستشارات والنشر) ونجيب الشامسي هو مالكها، فجرى قيد المصنف (الديوان) في سجل الإيداع النوعي بتاريخ 18/‏‏‏2/‏‏‏1998م بناءً على قرار إدارة الثقافة رقم 9 بتاريخ 17/‏‏‏2/‏‏‏1998م. وتتمثل التجربة الثانية في مشاركتي في الملتقى الثاني لليوم العالمي للملكية الفكرية الذي نظمته دائرة الجمارك برأس الخيمة، حيث أوصيت جيل الشباب بعدم الانسياق وراء النشر الإلكتروني بما هو جديد ولم ينشر من قبل في كتب أو عبر وسائل الإعلام الورقية التي يضمنون بها حقوقهم الفكرية والفنية. كما أوصي دائماً كل من ينوي طباعة كتاب عبر دور النشر الخاصة بضرورة الحصول على الرقم الدولي لحماية حقوقهم الفكرية من السطو من قبل الغير ممن لا يتورعون من سرقة الكحل من العين.

نظرة مختلفة

الإعلامية ميرا علي تبدأ مشاركتها بنظرة مختلفة تجاه الحقوق محل البحث فتقول: حقوق الملكية الفكرية، بشقيها الأدبي والفكري، هي نتاج إنساني ملك للإنسانية بأسرها وليست حكراً علي مؤلفها فقط. إذ إن الفكرة ليست لها حدود فهي مستمرة في الاسترسال والعصف الذهني لدى آخرين مما يزيد الفكرة أو الأدب حجماً وبعداً وعمراً خالداً على عكس الاحتكار الذي تموت الفكرة فيه أو الإبداع الأدبي عند من أشعل الشرارة الأولى، ودليل ذلك الاستنباط، الذي لا يتعارض مع حقوق الملكية الفكرية لصاحب الفكرةِ الأول.

وعن تجربتها العملية بخصوص ممارسة حقوق الملكية تقول ميرا علي: في مجالي الشخصي كمهتمة بكتابة الروايات، أواجه مشكلةً في سرقة الأفكار ما لم توثق قانونياً وتعتمد من الجهات المختصة، وخاصة أن السارق هنا واضح، ولا أقصد بمن قرأ قصة ثم استنبط بعض أحداثها مثلاً لتتناسب وبيئته أو ظروف مجتمعه وأدرجها في قصته هو، ولكن الذي يسرق الفكرة ثم ينسبها لنفسه من دون ذكر المؤلف، هنا لا بد من حماية الحقوق الفكرية لأنها ضرورية في حماية المفكرين والمبدعين دعماً لضمان استمراريتهم.

لقد تأثر كثير من المبدعين العرب وكتاب الروايات من عدم وجود حماية لحقوقهم الفكرية، مما تسبب في إحباط أولئك المبدعين في الاستمرار ولا سيما أن كثيرين منهم قد فرغوا أنفسهم للفكر وللأدب، وتضرب ميرا مثلاً على ذلك فتقول: هناك سرقات فنية حدثت بالفعل، كذلك أعمال موسيقية غربية بكامل سمفونياتها ألحقت بأسماء عربية وروج لها على أنها من إبداع الموسيقار (فلان) وفي هذا العصر الحيوي الذي قارب ليس بين العوالم الحاضرةِ فقط، بل امتد إلى أزمنةٍ وعوالم ليست في عالمنا الآن! فقد كشفت لنا حقيقة الكم الهائل من السرقات التي حصلت بسبب عدم وجود حماية حقيقية لحقوق الملكية الفكرية.

افتراضات وأمنيات

الأديب أنور الخطيب بدا أكثر تشاؤماً من جدوى تشريعات حفظ الحقوق في ظل النتائج على الأرض، فهو يرى أن هنالك قانوناً لحقوق الملكية الفكرية في معظم الدول العربية، ومن المفترض أنه يحمي حقوق المبدعين والمصنفات الأدبية والفنية، ومن المفترض أيضاً أن يعود تطبيق هذا القانون على الكاتب والناشر والموزع بالفائدة، ويستطرد الخطيب قائلاً: حديثي كما ترى افتراضات وأمنيات، لأن الواقع شيء وتطبيق القانون شيء آخر، ومكاتب الملكية الفكرية تنشط إدارياً، فتقوم بتسجيل المصنّف الفكري والأدبي، وتمنح صاحبه إيصالاً بذلك، فيجعله مطمئناً، إلا أن هذا الاطمئنان يتعرض لتحديات، ولا سيما في مجال النشر والطباعة، وهو مجال يخضع كثيراً للقيم والأخلاق والنزاهة والالتزام.

ونعود إلى لغة الاحتمال، إذ من المفترض أن يحصل المؤلف على جزء من حقه قبل طباعة الكتاب، وهذا ما يحصل في الدول التي تحترم مهنة النشر، فمن هو الكاتب العربي الذي يتحصل على حقوقه المادية من دار النشر قبل الطباعة أو بعدها؟ وما هي دار النشر التي تلتزم ببنود اتفاقيات النشر، وتتواصل معه بشكل مهني احترافي، وبما تمليه أدبيات المهنة، وأقل رد يمكن للكاتب الحصول عليه هو (ما في بيع..).

وللأسف أقولها، إن واقع الملكية الفكرية قبل صدور القانون هو ذاته بعد صدور القانون، ولا سيما في مجال حقوق الكاتب، والمستفيد الأكبر هو المصنفات الفنية لأنها تتم في العلن، في الإذاعات والتلفزيونات والمعارض، بينما الطباعة تتم في أماكن مغلقة، والأمر برمته يعود إلى ضمير الناشرين، حيث يتعامل قسم كبير منهم مع الكتاب كسلعة بائرة، يتم طباعتها وتوزيعها لمرة واحدة disposable، ولا يبذل جهداً في التعريف بها، وأستثني شريحة قليلة منهم.

ويضيف أنور الخطيب أن فئة من الأدباء تتحمل مسؤولية تعزيز ذلك، طالما أن طباعة الكتاب هي مكمل اجتماعي، ولزيادة عدد المتابعين في وسائل التواصل الاجتماعي.

لا بد لمكاتب الملكية الفكرية من ممارسة دورها الكامل، وعلى وزارات الثقافة وجمعيات النشر تغيير العقود بين الكتاب والناشرين، فهذه العقود التي تتضمن تحمّل الكاتب جزءاً أو كامل تكاليف الطباعة، لا توجد إلا عندنا، حيث الكثير من دور النشر هي مكاتب طباعة ليس أكثر.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon