جـــذور

أول عيد اتحاد.. عرس وطني عكس قوة الدولة الفتية

صورة

كانت ضحوة يوم الخميس 13 شوّال 1391 هــ، الموافق 2 ديسمبر 1971 مهمة وليست كغيرها، ذاك كونها في يوم مشهود.. وزمن عظيم ظهرت على إثره دولة مباركة، تفيّأ ظلالها أهلها وكلّ مَن أقام على أرضها على مرّ العقود.

وفي هذه الحلقة وما بعدها نستعرض ما ورد من أخبار صحفيّة زوّدنا بها الأرشيف الوطني في أبوظبي، حول أحداث واحتفالات الثاني من ديسمبر ضمن أكثر من عقد، منذ عام 1971، حيث نتذكّر بعض تلك الأحداث، ونتعرّف إلى أيّام مرّت واحتفظ بها التاريخ، ولم يبقَ منها سوى الذّكريات، ونحدّد التواريخ والأيّام الهجريّة مقابل التواريخ الميلاديّة حتّى يتعرّف القارئ إلى زمن الأحداث.

وبعد سنة من قيام الدولة الاتحادية، وتحديداً منذ يوم الجمعة 26 شوّال 1392 هــ الموافق 1 ديسمبر 1972، وإلى يوم الاثنين 29 شوّال 1392 هــ الموافق 4 ديسمبر 1972، كانت أيّام احتفالات الدولة بمرور عام على نشوء الدولة بعد اكتمال عِقدها بانضمام إمارة رأس الخيمة لهذه الدولة، وكان كثيرون يراهنون على عدم استمرار هذا التجمّع الوحدوي الجديد أقلّ من عام، إلا أنّ كلّ الظنون والمراهنات السلبيّة قد خابت وخسرت، وتحقّقت إرادة الله سبحانه بأن يتواصل البناء، وتستمرّ البركات.

وفي تلك الأيام الأربعة، احتفل الشعب بذكرى قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وقدمت وفود التهنئة إلى أبوظبي من البلاد العربية والصديقة، لتشارك الإمارات احتفالها باليوم الوطني الأول، وكان من ضمن هذه الوفود، الوفد الجزائري برئاسة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقه «وزير الخارجية الجزائرية، آنذاك»، وهو أول الوفود التي وصلت إلى البلاد.

ثمّ الوفد المصريّ برئاسة الدكتور عزيز صدقي -رئيس الوزراء حينها. وقد ازدحمتْ مدينة أبوظبي خلال تلك الأيّام، بعشرات من رجال الإعلام العربي والأجنبي، الذين وصلوا إلى البلاد لتسجيل احتفالات اليوم الوطني الأول. وقد أعدّتْ وزارة الإعلام التسهيلات اللازمة لرجال الصحافة والإذاعة والتلفزيون، لتمكينهم من أداء رسالتهم ونقل صورة صادقة عن الوجه المشرق لدولة الإمارات العربية المتحدة وتسجيل الاحتفالات.

مشاركات

ومثل هذا الحضور المكثّف يشير إلى ما حظيتْ به الدولة في عامها الأول باهتمامات العالَم، وكثيرون حضروا للاطّلاع على الدولة الوليدة على أرض الواقع.

وقد أُقيمت الزينات وأقواس النصر في كلّ مكان، ورفع المواطنون العلم الاتحادي وصور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تعبيراً عن فرحتهم باليوم الوطني وذكرى قيام الدولة.. وشملتْ الاحتفالات جميع الإمارات.

وبدأ الاحتفال باليوم الوطني في تمام الساعة العاشرة من صباح يوم السبت 2 ديسمبر، بالعرض العسكري الكبير الذي شهده المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وإخوانه أصحاب السمو حكام الإمارات، وأولياء العهود، والوزراء ووفود التهنئة.

واشتركت في هذا العرض وحدات رمزية من قوات الدفاع البرّيّة والبحريّة والجويّة، كما اشتركت في العرض قوات من الشرطة، وأعقب ذلك مهرجان الطلاب والشباب وموكب لعربات الزهور التي تشترك بها مختلف الوزارات والدوائر.

وبعد العرض العسكري، توجّه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، إلى قصر المنهل لاستقبال الوفود المهنّئة. وفي الواحدة من ظهر هذا اليوم، أقام رئيس الدولة مأدبة غداء على شرف الوفود الرسمية المهنّئة. وفي الرابعة بعد ظهر ذلك اليوم، شهد رئيس الدولة مع المواطنين والوفود الرسمية، سباق الهجن الأصيلة الذي أقيم بميدان السباق في أبوظبي.

وفي الثامنة والنّصف مساء، أطلقتْ الألعاب النارية في طريق الكورنيش. وفي التاسعة والنصف، حضر رئيس الدولة الحفل الساهر الذي أقامتْه وزارة الإعلام والسياحة بهذه المناسبة، وأحيت الحفل الفنّانة المصريّة الشهيرة نجاة الصغيرة. وقام الوفد المصري صباح يوم الأحد بجولة في مدينة العين، ثم تناول الغداء في فندق هيلتون بدعوة من سمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان، ممثل الحاكم في منطقة العين، ثم عاد الوفد في المساء لحضور حفل العشاء الذي أقامه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، «ولي العهد آنذاك».

جولات

كما زار الدولة في تلك الأيّام وليم فولبرايت رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، الذي أشاد بالنهضة الكبيرة التي تعيشها البلاد منذ عامها الأول، كما زار الضيف الأميركي مدينة العين وقرى المنطقة الشرقية وأبدى إعجابه بالنهضة.

وفي البداية، زار محطّة التجارب الزراعية في مدينة العين واستمع إلى شرحٍ وافٍ عن أهداف المحطّة والتجارب التي تجري هناك لتحديد أنسب المحاصيل والمزروعات وأكثرها ملاءمة للتربة في البلاد.

وقد زار رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، والوفد المرافق له، آنذاك، متحف العين الوطني، واستمع إلى شرحٍ عن محتويات المتحف من آثار تعود إلى آلاف السنين. ثمّ قام فولبرايت والوفد المرافق له، بجولة تفقّد فيها قرى المنطقة الشرقية المحيطة بمدينة العين، وشاهد الحركة العمرانية التي تعيشها القرى والنهضة الكبيرة المتمثلة ببناء المدارس والمستشفيات ورصف الطرق لربط القرى ببعضها بعضاً، كما قام بجولة في بساتين مدينة العين.

وتعتبر زيارة فولبرايت أول زيارة له لدول الخليج العربي وشرق أفريقيا. وهذا يلمح إلى اهتمام مباشر من كبار المسؤولين في الولايات المتحدة بدولة الإمارات، وإلى أنّ حضور فولبرايت كان من أهدافه الاطّلاع مباشرة على نشاطات الدولة الوليدة في عامها الأول. ثمّ استقلّ فولبرايت والوفد المرافق له طائرة خاصّة، متّجهاً إلى دبي. وقام بجولةٍ شاهد فيها دبي من الطائرة واستمع إلى شرحٍ عن تطوّر العمران وتنفيذ المشروعات الحديثة في دبي، ثم عاد إلى أبوظبي في المساء.

وفي هذه الأيّام، افتتح المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، خمسة مشروعات مهمّة جديدة، وفي أثناء ذلك استقبل الناس الشيخ زايد في أماكن الافتتاحات، بالطبول والرقص والغناء، تعبيراً عن الفرحة بيوم الاتحاد الأول.

مركز التدريب المهني

وقد افتتح المغفور له الشيخ زايد بن سلطان أولاً مركز التدريب المهني الذي أقيم وفق أحدث نظام لتدريب أبناء الإمارات على المهن الصناعية المختلفة، آنذاك.

وكان المعهد يضمّ قاعة للنّجارة، وأشغال الأثاث واللحام والبناء والحدادة والسيّارات والكهرباء، إضافة إلى أقسام للتبريد والتكييف والمواصلات السلكيّة واللاسلكيّة. وتجوّل الشيخ زايد بن سلطان في أقسام المركز، ولمح، رحمه الله، إلى ضرورة استعمال أحدث الأجهزة والمعدّات، ومضاهاة أحدث مراكز التدريب على مستوى العالَم.

ومن الأمور اللافتة، أنّ الشيخ زايد حرص على المرور على كلّ أقسام المركز، ومشاهدة الطلّاب وهم يعملون ويمارسون مهن النّجارة والحدادة، كما حاور بعضهم عن أعمالهم ومتى التحقوا بالمعهد، وما هي الفوائد التي تحصّلوها من التحاقهم بالمركز.

وافتتح الشيخ زايد، من بين المشروعات تلك، أيضاً، النادي السياحي الذي أقامتْه وزارة الإعلام والسياحة، وأبدى إعجابه بهندسة النّادي، وأقسامه. كما حضر مع جموع غفيرة من المواطنين، سباق الزوارق الذي أجري لهذه المناسبة. ثمّ افتتح الشيخ زايد، مشروع الطرق الداخلية في مدينة أبوظبي عند دوار البطين، وتضمّ هذه المنطقة 24 طريقاً رئيسياً طولها 26 كيلومتراً، وهي جزء من الخطّة الشاملة لرصف الطرق الداخلية بمدينة أبوظبي، ويصل طول هذه الشبكة إلى 250 كيلومتراً. ثمّ افتتح، رحمه الله، محطّة تنقية مياه المجاري، وهو مشروع ضخم كان يعدّ الأول من نوعه في المنطقة، وقد بلغت نفقات إنشاء هذه المحطة مليونين ونصف مليون دينار.

شهادة

قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، آنذاك: وليم فولبرايت، وإثر جولة له في العديد من مناطق الدولة اطلع فيها على المشروعات التنموية الجارية: إنّ البلاد حقّقت أشياء كثيرة في الفترة الأخيرة وبمعدلٍ قياسيٍّ، وإنّ هذه البداية طيّبة للتطور.

1972

افتتح المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في احتفالات الدولة بعيد الاتحاد، سنة 1972، ومع مرور عام على نشوء الدولة، مشروع جهاز هبوط الطائرات الآلي، الذي يتيح للطائرات الهبوط بسلام، مهما كانت الظروف الجوية غير ملائمة. وقد خرجت برقية من أبوظبي إلى منظمة الطيران المدني الدولية تتضمن مدة تشغيل الجهاز، وحرص، رحمه الله، على الاستماع لشرحٍ من مسؤولي الأجهزة، ومناقشتهم حول كيفيّة تشغيل هذه الأجهزة، وكيفيّة أدائها.

خطة طموحة

أعلن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ولي عهد أبوظبي آنذاك، الأحد 3 ديسمبر 1972، عن خطّةٍ طموحةٍ رائعةٍ لإعداد الكوادر الوطنيّة لتتحمّل مسؤوليّات المستقبل، وقال، حفظه الله: بدأنا أولى خطواتنا في مجال التنمية الاجتماعيّة. وهذا يدلّ على أنّ القيادة الحكيمة منذ العام الأول لنشوء الدولة، كانت تضع ضمن اهتماماتها الكبرى التنمية الاقتصاديّة المصاحبة للتنمية الاجتماعية وتأهيل الكوادر المواطنة لتحمّل المسؤوليّة.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon