العابرون من التجار تركوا الكثير في دبي ورحلوا

آثار ثقافات العالم في الشندغة

صورة

في منزل تاريخي تراثي جميل وواسع الفناء في الشندغة بدبي، يعود إلى الشيخ حشر بن مكتوم آل مكتوم، وهو أصغر أشقاء المرحوم الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم حاكم دبي «1912 - 1958م»، يوجد «متحف معبر الحضارات» الثري بما يحتويه، وتم توزيع مقتنيات تاريخية ثمينة ونادرة تعود إلى حقب زمنية مختلفة، وترتيبها في عشر غرف ضمنه، يتم عرضها هناك لتصبح القطع الحضارية مختلفة من الناحية الجغرافية وكذلك الزمنية، وتتوزع وتتجزأ لترسم عنوان المكان بسمة جديدة في معطاها الأثري المتنوع، وكونها رمزاً شاهداً على أن دبي كانت معبراً للحضارات التي مر أبناؤها جميعاً بها، وتركوا آثارهم فيها.

هواية

للمواطن أحمد المنصوري هواية تجميع ما يلقاه من الأدوات التاريخية النادرة، لتصبح لديه مجموعة هائلة ونادرة خلال أكثر من ربع قرن، شدت انتباه حكومة دبي والمتمثلة ببلديتها ومديريها، ليتم الاقتراح بتخصيص بيت الشيخ حشر بن مكتوم آل مكتوم، الجميل والكبير والمرمم، ليضم كل ما لديه، وتتم بشكل رسمي تسميته بـ«متحف معبر الحضارات» وتقسيمه إلى ثلاثة أقسام.

لدينا اليوم وقفة على آثارها المتنوعة باستعراضنا هذه الكنوز التي أذهلت الجميع، لكون هذه القطع النادرة تستحق أن نشرحها بإسهاب قدر إمكانياتنا البحثية، رغم أن بعض القطع قليلة الشرح، ووقفنا على تاريخها المحتمل وبالتالي الاجتهاد في قراءة رموزها، خاصة أنها من مناطق مختلفة في العالم.

آنية

أكثر ما لفت انتباهنا في المعرض، آنية نحاسية مقعرة خاصة لـ«الحرز»: «كتميمة» من الشر والأشرار، تعود إلى نهاية القرن ال19 الميلادي، وصلت إلى دبي من جزيرة من جزر عمان، لم يتم ذكرها تحديداً، لنلاحظ الكتابة في داخلها، مكتوبة بكتابات تعود إلى ثلاث لغات، لا لغة واحدة، لكنها كلها تنتمي إلى السامية في أصلها، وهي العربية والآرامية والعبرية، بإشارات كتابية ترمز إلى الصلاة أو الدعاء لدرء الخطر أو المرض، مع بعض الأرقام والرموز والأشكال. ومن المعروف أن النحاس استخدمه الآراميون والعبرانيون والعرب طوال تاريخهم، نوعاً من العلاج لمنحه الحيوية للجسد، فالشاهد أن النحاس كان مشهوراً لدى العرب القدماء باسم عين القطر، حيث استخدم استخدامات عديدة. ويعرضه المتحف لقبوله آثار الأمم وأفكارهم ومعتقداتهم مهما رفضه الآخر.

كسوة الكعبة

في عام 1543م أرسل السلطان العثماني سليمان القانوني إلى مكة، هذه الستارة/‏‏‏‏‏‏الكسوة المخصصة للكعبة، ولا نعرف كيف وصلت هذه الكسوة إلى دبي، لكن الاحتمال الأكبر أنها بلغتنا من خلال التجار الذين عبروا دبي، هذا إن لم تكن إهداء إلى أحد أصدقائهم التجار، فحتماً قاموا ببيعها لمحبي هذه المقتنيات من تجار دبي. الكسوة تتمتع بحالة جيدة، رغم مضي قرون عليها، لتبقى بنقشها البارز وزخرفتها المتقنة من خلال الخيوط الذهبية ذات الجودة.

تحفة لهرقل

من بين المعروضات، إبداعات فنية بتقنيات حرفية كانت سائدة قبل خمسة آلاف عام، وذلك في الفترة الإغريقية وما قبلها، ومنها مجموعات خزفية، وهي تحفة فخارية لهرقل (هراكلس) إمبراطور بيزنطة تصل إلى فترة حكمه، أي ما بين 620 م إلى 641 م.

جاسوس ومستكشف

وبينما يعرض المتحف مخطوطات تعود للقرن التاسع عشر تلك التي تتحدث عن جزر أبوظبي ولهجتها، في رحلة قام بها أفراد كتبوا الكثير من الأمثال المحلية والعربية فيها، نجد إضافة إلى ذلك، مخطوطات تتحدث عن دخول بعض الرحالة في القرن 18 و19 إلى الأراضي المقدسة للمسلمين وبأسماء مستعارة، من أجل الكتابة والوصف، أو بغرض التجسس، كالمستكشف والمستشرق والرحالة الإسباني المشهور دومينغو فرانشيسكو باديا، والذي اشتهر لدى العرب والمسلمين باسم علي باي العباسي، بعد أن زار مكة المكرمة.

سلة من المخطوطات

لا يخلو المتحف من مخطوطات علمية مختلفة، كتلك المخطوطة الفيزيائية العائدة بتاريخها إلى 1592م، وإلى مخطوطات عن حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، تعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وفصولها التي نمقت من قِبل خطاط من بروناي عام 1712م، مروراً بمخطوطة «عالم الحضارة الإسلامية» التي كتبها المؤرخ والمستشرق الفرنسي غوستاف لوبون عام 1884م. أما مخطوطة «وصف مصر» الأصلية بمجلداتها الـ 22، والتي تعتبر من أفضل المخطوطات التي كتبت عن مصر، فإنها تتربع بحجمها في المتحف بشكل واضح. والكثير من المخطوطات الأصلية بالطبعات الأولى منها، والتي تعد مراجع للحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في الإمارات والخليج العربي والمنطقة.

طبعات وتوقيعات

وللمؤرخ والفقيه يوسف بن رفيق بن شداد الموصللي، الشهير بابن شداد، نصيب في متحف «معبر دبي»، من خلال الطبعة الأولى لأطلسه، إضافة إلى مخطوطة عبرية للتوراة تعود إلى القرن الرابع عشر، انتهاء بمخطوطات تعود إلى علم الحيوان، من الطيور الأوروبية الجارحة، والطب والصيدلة والأديان، والكثير من التوقيعات النادرة التي وثقت أحداث العالم، وطبعات عديدة في مختلف المجالات تعود إلى تلك الفترات المبكرة، لآسيا وأوروبا وأفريقيا.. كلها مرت بدبي.

كسوة الكعبة

يعكس هذا المتحف ما نعرّفه بمفترق طرق الحضارة، بما فيه من تنوع كبير، فما أجمل أن يعكس مبدأ التسامح من خلال عرضنا الثقافات والمعتقدات والأديان التي مرت علينا في منطقتنا، خاصة هنا وفي إمارة دبي التي كانت بموانئها الوسيطة والمتقاطعة تستقبل كل الحضارات التي عبرتها، وفي مدى ملامستها لديناميكية القبول للقصص الواردة عليها والأدوات النادرة، لتحقق هذه الإمارة المعادلة المتسامحة في التفاعل الحقيقي للمسافرين الذين تركوا الكثير لدينا، لنقوم بدورنا التاريخي في نشر ثقافات الآخرين.

ويشمل المتحف إضافة إلى ما ذكرناه، الكثير من الخرائط القديمة، التي علقت في قسم معرض الجغرافيا، والتي تحتوي على خريطة الخليج العربي بالاسم، إضافة إلى أسماء المدن والقرى التي تحتاج إلى بحث والخوض في تفسير اختلافها في النطق، للمزيد من المعرفة أو للاستدلال بالأمكنة التي تتغير في أسمائها وخلال كل تلك القرون البعيدة.

الأسلحة التاريخية في غرف الشندغة

الأذواق تختلف من إنسان إلى إنسان، فبين المخطوطات العلمية والأدبية التي تفيد البشرية، إلى الأسلحة التي تقتلهم، يبقى الاختيار للإنسان وهو يمضي بعيشه في هذه الحياة، لكننا الآن أمام متحف متنوع، جمع فيه أحمد المنصوري، الكثير من النوادر، حتى البنادق القديمة، تلك التي حارب بها المستعمرون في مناطق العالم في حروبهم المختلفة من خلال هذه الأدوات في القرون الماضية، من بنادق إنجليزية وبرتغالية وفرنسية وعثمانية، إضافة إلى السروج والرماح والسهام التاريخية من أوروبا الشرقية. وتم عرض هذه الكميات الكثيرة في قسم مخصص للمتحف.

2015

في هذا العام حصل متحف معبر الحضارات على جائزة أفضل متحف خاص في الدولة، واعتبر أحد أفضل المتاحف على مستوى مجلس التعاون الخليجي من قِبل الأمانة العامة للمجلس.

3

تم تقسيم المتحف إلى ثلاثة متاحف، وهي: متحف المخطوطات النادرة، متحف الأسلحة التاريخية، متحف معبر الحضارات، وذلك في منطقة الشندغة المطلة مباشرة على الخليج العربي.

2013

افتتح المتحف عام 2013، وكل ما يعرض فيه هو من جمع الإماراتي أحمد المنصوري، حيث تم وضع جميع المقتنيات في منزل الشيخ حشر بن مكتوم آل مكتوم.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon