«مشروع فلوريدا» براءة الطفولة وقسوة الكبار

وسط سحر الطفولة، يقف المخرج شين بيكر في فيلمه «مشروع فلوريدا»، مطلقاً فيه العنان لكاميرته لأن تتحرك بحرية، لتلتقط بعضاً من تفاصيل البراءة التي تغمر عالم الطفولة، في وقت تحترق فيه أعصاب الكبار الذين يعيشون أوقاتاً عصيبة، ممن يضطرون إلى ترك بيوتهم عنوة والعيش في فنادق رخيصة الثمن، بحثاً عن مكان يحرقون فيه ساعات أيامهم الطويلة.

في هذا الفيلم يتكئ المخرج شين بيكر على سيناريو بسيط ولكنه يتميز بشدة الذكاء، ففيه يغادر المناطق المرفهة، ليذهب نحو المهمشين والطبقات الاجتماعية المسحوقة، ليقدم من خلالها نظرة أوسع حول سلسلة من الطبقات المحكومة والحاكمة، مقدماً من خلالها المشهد العام للحياة، من دون رتوش أو مساحيق ماكياج.

يعد «مشروع فلوريدا» السادس في قائمة شون بيكر، وفيه يتتبع حكاية الطفلة «موني» ووالدتها، التي تعيش معها في أحد فنادق فلوريدا الرخيصة، حيث ترتبط موني بعلاقة صداقة مع طفلين آخرين أحدهما يدعى سكوتي والأخرى تدعى جانسي، وقد اعتاد ثلاثتهم القيام بمغامرات طفولية، تخفف عنهم ملل الاجازة الصيفية، لتتحول هذه المغامرات إلى أشبه بـ «عمليات تخريب»، تهدد رابط صداقتهم وإقامتهم في الفندق على حد سواء.

حكايات واقعية

المتتبع لأحداث الفيلم، يستشف أن السيناريو يعتمد على حكايات واقعية، وأنه مستوحى من قصص خبرية، عبأت صفحات الإعلام الأميركي خلال الخمس سنوات الماضية، والتي تستعرض بعض حالات لعائلات فقدت وظائفها واضطرت إلى العيش في فنادق رخيصة، ورغم بساطة القصة، إلا أن شون بيكر لم يعمد على تكثيف السرد حول ماضي شخصياته، بقدر ما يحاول استكشاف المادة الخام التي يخلفها عالم الأطفال، أولئك الذين لم يتعودوا على التفكير فيما يفعلونه وعدم التأثر بذلك.

ولذلك نجده يحاول الاستعاضة عن ماضي الشخصيات، عبر الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، من خلال تركه لعدسة الكاميرا، لكي تقوم بالمراقبة والتقاط تفاصيل المكان والزمان وما فيهما من شخصيات، ليبدو ذلك أشبه بمحاولة من بيكر لأن يخلق رابط صداقة بين الجمهور والأطفال الذين يشكلون مادة غنية في الفيلم، الذي نتملس من خلال عيونهم تفاصيل المكان برمته، وطرق التعامل التي تحكم الكبار.

صراع

المتابع للفيلم يدرك مدى سيطرة بيكر على أدواته، التي تمنحه القدرة على التقاط سحر الحياة العادية، ونقلها إلى الشاشة الكبيرة، تاركاً المجال للجمهور لأن يستمتع بالزمن، وبتفاصيل الإجازة الصيفية، في حين أنه برع في معالجة شخصيات الكبار، التي غلفها بقسوة لافتة، من دون أن يضطر إلى فتح جروحها أو تعرية ماضيها، في وقت يمنح فيه المخرج الممثل ويليام ديفوي مساحة جيدة، ليعبر عن طبيعة الصراع الذي يعيشه الكبار، من خلال حركته الدائمة في أرجاء المكان، وتنقله بين غرف الفندق الرخيص، لحلحلة مشكلات النزلاء، في حين بدا بيكر حريصاً على عدم السماح لديفوي بسرقة الأضواء من أبطال الفيلم الصغار الذين قدموا اداءً لافتاً اتسم بالانسيابية والحساسية العالية.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon