الحكومات السبّاقة للابتكار الرقمي

طرح الفيلسوف الإيرلندي الكبير جورج بيركلي السؤال التالي: "إذا سقطت شجرة في إحدى الغابات ولم يكن هناك من يسمع صوت سقوطها، فهل تكون قد أصدرت صوتًا بالفعل؟".

بيركلي، صاحب النظرية الفلسفية القائمة على مبدأ يوحّد الوجود مع الإدراك الحسي، يؤمن بأن "وجود الشيء هو إدراكه"، فليس ثمة شيء له حقيقة واقعة لدينا إلا إذا كنا ندرك وجوده. وبما أن أحداً لم يسمع صوت سقوط الشجرة، فإن ذلك السقوط لم يحدث أبداً، حسب نظريته. ورغم مرور 300 عام على طرحه، إلا أن هذا السؤال المحيّر لا يزال بحاجة لإجابة شافية.

وتمضي الحكومات في دول مجلس التعاون الخليجي بخطى سبّاقة نحو تبني التقنيات الرقمية، مثل الخدمات السحابية والبيانات الضخمة وتحليلها، بما يشجع شركات القطاع الخاص على أن تحذو حذوها. وأن يدرك قادة الحكومات الفوائد التي يمكن جنيها عند تطبيق تلك الحلول.

فقد وصلت شركات القطاع الخاص التي سارت على نهج حكوماتها في هذا الشأن، إلى قناعة راسخة بأن التحوّل الرقمي أمر ضروري لا مفرّ منه لكي تكون في الصدارة، أو السير في الطريق الصحيح نحوها. وهذا بدوره يطرح السؤال التالي: "إذا كنت صاحب مشروع، ولم تتخذ بعد خطواتك نحو التحول الرقمي، فهل يمكن اعتبار مشروعك موجوداً أصلاً؟"، إذا اتبعنا منطق بيركلي، فالإجابة هي حتماً "لا".

ولقد اتخذت حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة إجراءات فعلية تضمن حصول قطاع تقنية المعلومات والاتصالات على الدعم المناسب. وخير دليل على ذلك، معرض جيتكس للتقنية الذي تستضيفه دبي سنوياً منذ أكثر من 30 عاماً، وهو حدثٌ يُعنى بالتقنية ويتمتع بمكانة عالمية مرموقة.

وعلى صعيد خدمات المواطنين، فقد أطلقت الإمارات خطة تهدف إلى توفير 90% من الخدمات الحكومية للمواطنين عبر الإنترنت. وأخذ قادتنا، بما يتمتعون به من أفكار خلاّقة ورؤى مستنيرة، على عاتقهم مهمة دعم النمو التقني في الدولة من خلال العديد من مبادرات تقنية المعلومات المتقدمة التي شكلت اللبنات الأساسية للعديد من الاستراتيجيات طويلة الأمد.

ففي دبي، أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم "مبادرة دبي الذكية"، والتي تدعو إلى تضافر الجهود بين القطاعين العام والخاص في سبيل تمكين وتعزيز تجربة المدينة الفعالة والسلسة والآمنة والمؤثرة لكل من المقيمين والزائرين.

كما أطلق سموه مطلع العام الجاري، مبادرة الثروة الرقمية واستراتيجية إنترنت الأشياء، بهدف دعم وحماية الثروة الرقمية التي تتمثل في بنية تحتية رقمية متطورة يراها سموه رصيداً استراتيجياً مهماً ضمن الثروة الوطنية.

وعلى غرار دبي، تضع مبادرة أبوظبي الذكية مصلحة المواطنين والابتكار على رأس أولوياتها، إذ يستطيع سكان الإمارة الاستفادة من الخدمات الحكومية بكبسة زر، وذلك بفضل العديد من التطبيقات الجديدة مثل "حارس المدينة" CityGard App والتي تهدف إلى تسهيل الوصول إلى الخدمات والتواصل مع الحكومة.

وعلى الرغم من التقدم الهائل الذي تحرزه المؤسسات الحكومية، فإننا لا نزال نشهد تخوفاً في أوساط القطاع الخاص إزاء تبني موجة التغيير الرقمي. فمعدل إنفاق القطاع الخاص على تكنولوجيا المعلومات يمضي بوتيرة أبطأ، ولا يزال التركيز منصباً على الأجهزة ومشاريع البنية التحتية التقليدية. فيا تُرى ما الذي تستطيع شركات القطاع الخاص القيام به لسد الفجوة الحالية؟ في الواقع، لدينا عدد من النصائح والتوصيات في هذا الصدد.

يعتبر وجود مدير تنفيذي لتقنية المعلومات في الشركات المبتدئة أمراً حيوياً. وكما ذكرنا سابقاً، فإن للتحول الرقمي تأثيراً واسعاً يطال جميع الشركات تقريباً ضمن مختلف القطاعات الاقتصادية. ولا شك في أن إدراك الشركات لأهمية هذه القوى الجديدة في عالم الأعمال، والتكيف معها، سيعزز ازدهارها ونموها، في حين أن إغفالها لذلك وفشلها في التكيف مع المتغيرات سيهدد وجودها. وبالتالي، فإن وجود مدير تنفيذي لتقنية المعلومات قادر على وضع خطة تحول تقني مناسبة في الوقت الصحيح، يعد أمراً حيوياً للنجاح في رحلة التحول الرقمي.

ومن المهم أيضاً إدخال أحدث حلول تقنية المعلومات إلى قاعات الاجتماعات. فتعزيز البنية التحتية التقنية ضمن الشركة يعتبر أمراً ضرورياً لنجاح أي مشروع رقمي جديد من المخطط إطلاقه. لقد انطوت صفحة تلك الأيام التي كانت توجَّه فيها مشكلات تقنية المعلومات إلى الإدارة المتخصصة ورئيسها، حتى باتت تقنية المعلومات اليوم مكوناً رئيسياً ضمن استراتيجية أعمال الشركات، وينبغي التعامل معها على هذا الأساس.

مع تنامي أهمية البيانات كأحد أهم مواردنا الطبيعية، يشير العديد من المتخصصين إلى العصر الرقمي على أنه ثورة صناعية رابعة. وفي حين أن الثورة الصناعية الأخيرة رسمت ملامح ومصير الدول حول العالم، فإنه يمكننا اليوم أن نرى كم يعاني ويكافح الكثيرون ممن تخلفوا عن اللحاق بركبها من أجل تعويض ما فاتهم.

ومن هذا المنطلق، فإننا نحثّ أصحاب الأعمال في دولة الإمارات العربية المتحدة، على أن يضعوا نصب أعينهم النموذج الرائد الذي تقدمه لنا قيادتنا الرشيدة، والالتحاق بركب الثورة الرقمية التي يشهدها العالم اليوم، قبل فوات الأوان.

* المدير العام لشركة الخليج للحاسبات الآلية (جي.بي.إم) في أبوظبي واليمن

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon