العلامات التجارية واستدامة الشركات

تفشل الكثير من الشركات في الوفاء بوعودها الأساسية تجاه عملائها، الأمر الذي يؤثر سلباً في حضورها في الأسواق وقاعدة المستهلكين.

في عالم تحتدم به المنافسة بين المؤسسات بشكل متزايد، تتخلى العلامات التجارية يوماً بعد يوم عن هدفها الأساسي أو الوعد الذي قطعته لعملائها عند التأسيس. وباتت مسألة تعزيز رأس المال تتصدر اهتمامات عدد كبير من المؤسسات مقابل إهمال الجانب الأهم وهو توفير القيمة المضافة للعملاء.

ونتيجة التقلبات والتغيرات السريعة التي تشهدها الأسواق، بدأت العلامات التجارية تحيد عن مهمتها ورؤيتها الأساسية وتهمل التزاماتها تجاه عملائها، وقد بدأنا نتلمس قبولاً متزايداً من جانب جميع الأطراف لهذا الواقع الذي تعيشه العلامات التجارية حالياً.

إن وعد العلامة التجارية هو الأساس الذي تبنى عليه أي شركة، كما أنه حلقة الربط بين هدف وموقع ومنتج واستراتيجية العلامة من جهة وبين العميل من جهة أخرى. إن هذا الوعد يحدد الشكل الذي ستكون عليه تجربة عملاء العصر الحالي ويجعل الشركة أمام التزام حقيقي لتوفير ما أعلنت عنه منذ البداية.

والأهم من ذلك كله أن وعد الشركة يلعب دوراً محورياً ببناء علاقات قوية مع عملائها ويضمن تعزيز أدائها بشكل مستدام على المدى البعيد ذلك أن الوعود تهم وتجذب الناس.

وعلى الرغم من أهمية إطلاق العلامات التجارية لوعود فعالة ومحددة بشكل جيد لضمان نجاح الشركات على المدى الطويل. ونحن نرى أن الشركات في كثير من الأحيان لا تفي أو تهمل وعد العلامة التجارية الخاصة بها تماماً لصالح تحقيق المكاسب على المدى القصير. ولكن في حين أن العديد من الشركات لا تفي بوعود علاماتها التجارية.

إلا أن الشركات الأقوى والأكثر ازدهاراً تفعل ذلك، ولا يخفى على أحد الإيجابيات المتعددة التي تحققها نتيجة الوفاء بالتزاماتها. وبشكل عام، تلعب مصداقية العلامات التجارية دوراً أساسياً في تمييزها عن منافسيها في السوق ومساعدتها على تكوين تصور إيجابي ينعكس على قاعدة استهلاكية أقوى على كافة المستويات. فماذا يعني عدم الوفاء بالوعود والالتزامات للسوق وللعلامات التجارية نفسها؟

وفقاً لدراسة أجراها معهد جالوب للأبحاث في العام 2015، فإن نصف المستهلكين فقط يعتقدون بقوة أن الشركات التي يتعاملون معها تفي دائماً بوعودها التجارية.

وعندما ننظر إلى العلامات التجارية المحلية في المنطقة، فإن علامة "طيران الإمارات" تتبادر مباشرة إلى أذهاننا، فهي مثال مميز على علامة تجارية أوفت بوعودها والتزاماتها منذ تأسيسها وحتى اليوم، بأن تكون علامة مبتكرة وعصرية توفر أفضل خدمات السفر الجوي لعملائها، ونتيجة لذلك حققت العديد من الإنجازات وباتت من أفضل شركات الطيران على مستوى العالم.

إضافة إلى ذلك، وبحسب الدراسة التي نشرتها مجموعة "هافاس ميديا" حول العلامات التجارية الأفضل حول العالم، فإن 32٪ فقط من المستهلكين يشعرون بأن العلامات التجارية تفي بوعودها والتزاماتها، في حين لا يثق أكثر من نصف المشاركين في الدراسة بالعلامات التجارية عموماً. وتشير هذه الأرقام إلى النتائج المترتبة على عدم وفاء العلامات التجارية بوعودها للعملاء.

وبات من الواضح أن إخفاق الشركات بالوفاء بوعودها يمكن أن يؤدي إلى فقدان ثقة العملاء بالعلامة التجارية وفك ارتباطهم معها، ما سيؤدي في النهاية إلى خسارة نسبة محددة منهم - وكل ذلك ينعكس بشكل مباشر على النجاحات والأرباح النهائية للشركة. على سبيل المثال، أخفقت شركة "دومينوز" بالوفاء بوعودها التي قطعتها تجاه عملائها، ونتيجة لذلك خسرت الكثير من قدرتها التنافسية في معظم البلدان.

وتعتبر مسألة الوفاء بوعد بالعلامة التجارية بمثابة انعكاس مباشر لشفافية الشركة، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تعزيز ثقة العملاء والمستهلكين. ومن هنا، عندما يشعر المستهلكون بأن الشركة ستفي بوعودها - سواءً من حيث المنتجات والخدمات أو الإجراءات والخبرات المقدمة، فإنهم سيكونون بالتأكيد أكثر اندماجاً مع عمليات الشركة.

وكلنا ندرك أن المستهلكين المهتمين والمرتبطين هم أكثر تفاعلاً مع العلامة التجارية ويسهمون بالقسم الأكبر من الاستثمار العاطفي فيها، الأمر الذي يعزز ازدهار أي شركة ونموها العضوي. فعندما يكون المستهلكون واثقين ومتفاعلين مع العلامة التجارية فهم في نهاية المطاف أكثر ولاءً من غيرهم، وكما يعلم رجال الأعمال، فإن ولاء المستهلك أو العميل هو جوهر الاستدامة الرئيسي.

ومع ذلك، فإن الشركات التي لا تفي بوعود علامتها التجارية تتخلى في كثير من الأحيان عن كل نتائجها الإيجابية التي توفر مزايا تجارية ملموسة في جميع المجالات. وبمتابعة بسيطة نجد أن الشركات ذات الأداء العالي في قاعدة بيانات جالوب تقضي 75% من وقتها للتركيز على الوفاء بوعود علامتها التجارية، وذلك وفقاً لعملائها.

وتتمتع مثل هذه الشركات بحصة أكبر في السوق وزيادة في الربحية وارتفاع في الإيرادات ونمو أقوى في العلاقات من نظيراتها. إنها الشركات التي تتفق وعودها التجارية مع رؤيتها وقيمها، لذلك فإن تحقيق وعودها يحدث دون عناء.

على سبيل المثال، دعونا ننظر إلى العلامات التجارية الرئيسية المتخصصة بالتكنولوجيا التي تفي بوعودها وتوفر تقنيات تلبي تطلعات العملاء. هناك ثقة كبيرة في هذه العلامات التجارية، ونحن نرى إقبالاً منتظماً من جانب المستهلكين عليها، وينبغي على الشركات الأخرى أن تعكس هذه الاستراتيجية.

ويمكن للشركات أن تفي بوعد علامتها التجارية من خلال مجموعة متنوعة من العوامل، حيث إن وعود العلامة التجارية القابلة للفشل عادةً ما تكون غير واضحة وليست متميزة، أو تتعارض مع هدف الشركة وثقافتها. وفي حال كان وعد العلامة التجارية للشركة غامضاً أو فضفاضاً، فمن الصعب على المستهلكين أن يعرفوا أو يفهموا ما الذي ستقدمه تلك الشركة لهم عبر هذه الوعود.

وسيؤدي ذلك بدوره إلى تكوين فكرة لدى العملاء بأن الشركة فشلت في تلبية تطلعاتهم. إضافة إلى ذلك، إن فشل وعد العلامة التجارية للشركة في تمييزها عن غيرها فسيجد المستهلكون صعوبة في معرفة وتحديد كيفية مساهمة ذلك الوعد بإضافة قيمة حقيقية لحياتهم، لذلك، إن لم يكن وعد العلامة التجارية يتماشى مع مهمة الشركة ورؤيتها وقيمها، فسينظر إليها على أنها تفتقد للمصداقية وبالتالي ستكون هناك نتائج سلبية على ولاء العملاء.

ولكي تتمكن الشركة من تعزيز قدراتها واستراتيجياتها للوفاء بوعدها التجاري لعملائها في المنطقة، ينبغي عليها أن تستثمر أولاً لإعداد استراتيجية تقييم وتحسين مستمرة وشاملة. ويمكن للشركات أن تقترب أكثر من عملائها من خلال الاستماع إليهم بشكل مباشر لمعرفة تصوراتهم وآرائهم حول العلامة التجارية: هل يعتقد العملاء حقاً أن العلامة التجارية ملتزمة بالوفاء بوعدها الأساسي وكيف سيستفيدون من هذا الوعد؟ كما ينبغي على الشركات مراقبة أدائها وفقاً للتغييرات التي تجريها في استراتيجياتها.

واقع الأمر هو أن المستهلكين لم يعودوا مجرد مشترين للمنتجات فحسب، وإنما باتوا مهتمين أيضاً بالهدف والرؤية الأساسية وراء هذه المنتجات. وهم يستثمرون في الشركات والعلامات التجارية التي تتفق وتنسجم قيمها مع تلك الخاصة بهم، إضافة إلى كونهم أصبحوا يركزون بشكل أساسي على الخبرة وشكل وطريقة التواصل المرتبطة بمشترياتهم أكثر من أي وقت مضى.

ومن هنا، فإن وعد العلامة التجارية الفعال ينبغي ألا يكون رائعاً ومحفزاً إلى الورق فقط، بل أن يكون التزاماً بالشفافية والمصداقية والتعهد بتقديم الخبرات والخدمات التي تعزز ارتباط العملاء على المدى الطويل.

* نائب الرئيس للاتصال المؤسسي في دو

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon