دروس من مصانع اليابان

إحياء الصناعة بات هدفاً رئيسياً في السياسات بالنسبة إلى القادة في واشنطن وصولاً إلى بكين ونيودلهي. وبينما يمكن مناقشة أهمية تتبع أوضاع المصانع في القرن 21، فإنه من المؤكد صعوبة إنشاء قطاع صناعي قوي والحفاظ عليه في وجه منافسة عالمية وتحول تكنولوجي يمضيان بلا هوادة.

لكن دولة واحدة على الأقل يبدو أنها توصلت إلى كيفية القيام بذلك تماماً، وهي اليابان.

وكانت مصانع إنتاج السيارات والرقائق الإلكترونية وأجهزة «الووكمان» محرك قصص معجزة النمو باليابان في السبعينيات والثمانينيات، لكن مثل معظم الاقتصادات المتقدمة، فقد تراجعت أهمية الصناعة في الاقتصاد الياباني بشكل حاد خلال العقدين الماضيين.

بعيداً عن بلادهم بتكاليفها الباهظة وتقادم سكانها، استثمرت الشركات اليابانية في مصانع حديثة في الصين والولايات المتحدة وأماكن أخرى بحثاً عن تكاليف مخفضة أو مستهلكين جدد.

في الآونة الأخيرة، عادت مصانع اليابان إلى الحياة مرة أخرى، وحافظت الصناعة التحويلية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي على استقرارها، بل أنها سجلت ارتفاعاً ضئيلاً، وتبدو العمالة في القطاع في تصاعد أيضاً.

وفيما لا تزال الأسر اليابانية تعاني من ركود في الأجور، فإن العمال المنخرطين في الصناعات التحويلية باتوا في حال أفضل من معظم العمال الآخرين. وفيما زاد إجمالي ما يحصلون عليه من تعويضات بنسبة 0.6% عن العام السابق، فإن عمال الصناعات التحويلية تمتعوا بزيادة1%.

يشكل الانتعاش جانباً من الأداء الاقتصادي الإجمالي المعزز لليابان في الفترات الربعية الأخيرة، ومن رخص العملة التي تراجعت بسبب السياسات النقدية الجذرية لبنك اليابان، الأمر الذي يمنح القطاع دفعة مؤقتة ربما.

لكن هذا أبعد ما يكون عن القصة بأكملها. فقد اكتسبت اليابان قدراً هائلًا من التنافسية في الصناعات التحويلية، بحيث وضعتها دراسة في عام 2016 لشركة «ديلويت» الاستشارية في المرتبة الرابعة بين أكثر الدول تنافسية في الصناعة، بقفزة هائلة من المرتبة الـ 10 خلال السنوات الثلاث الماضية.

وتعزو «ديلويت» الفضل في المكانة المعززة لليابان اليوم، إلى نقاط القوة التقليدية للبلاد بوصفها جهة مصنعة. وفيما تمتعت دول ناشئة منخفضة التكلفة مثل الصين بميزة على الاقتصادات المتطورة مرتفعة الأجور في الصناعات التحويلية لعقود عدة مما سمح بإفراغ خطوط التجميع من اليابان والولايات المتحدة وأوروبا.

فإن التكنولوجيا والموهبة غدتا أكثر أهمية في التنافسية الصناعية في الفترة الأخيرة، كما توضح ميشيل درو رودريغز، في مركز ديلويت لرؤى الصناعة، وكان من شأن ذلك أن أعاد رسم المشهد الصناعي العالمي لصالح الدول الأغنى مجدداً.

وتكتب رودريغز: «مع الزيادة في تطور صناعة الصناعات التحويلية، تشهد البلدان الصناعية التقليدية في القرن العشرين، والتي استثمرت باستمرار في تطوير تكنولوجيات صناعية متطورة، انبعاثاً في تنافسيتها الآن».

وهذا الاتجاه يسير تحديداً لصالح اليابان. وكان المديرون اليابانيون هم من أعاد صياغة قواعد الإنتاج الضخم بابتكار طريقة الإدارة التقنية «لين»، وكما تشير دراسة «ديلويت»، تستمر الحكومة اليابانية وشركاتها في الاستثمار بقوة في الابتكار في مجال الصناعة والتشغيل الآلي والتدريب الوظيفي.

كما تنقل ما قاله المديرون التنفيذيون الذين شملهم الاستطلاع، إن مستوى المواهب في اليابان يحتل المرتبة الثانية في العالم، بعد ألمانيا فقط. وسلطت رودريغز الضوء أيضاً على أن الحكومة اليابانية تمول أيضاً بحوثاً تستهدف تحديداً تحسين العملية التصنيعية.

وهناك العديد من الدروس الملائمة لباقي العالم. فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، تقدم اليابان تحذيراً للتركيز أكثر على تحسين التعليم ومهارات العمال، وبدرجة أقل على استعادة سلسلة العروض القائمة على التجميع، مثل مصانع آيفون، والتي كانت محط تركيز البيت الأبيض أخيراً.

بالنسبة إلى الصين وغيرها من الاقتصادات الناشئة والتي صعدت بسبب الأجور المنخفضة، فإن اليابان أكدت ضرورة تحسين التكنولوجيا وإنتاجية العمالة.

مؤلف كتب وصحافي مقره بكين

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon