أثر تجاهل مؤشرات «الإحلال الشامل»

صورة

تسهم التغيرات التكنولوجية والضغوط التنظيمية الملحّة في وضع مجموعة صناعات في دائرة الخطر. وتشير بيانات الأداء إلى أن بعضها بدأ هبوطاً طويل الأجل في هامش التشغيل بشكل غير محسوب، سيكون عكس مساره أمراً صعباً. وفي حال لم تقم الشركات بإنعاش أعمالها الأساسية، وتحرير القدرة الاستثمارية للتوسّع نحو الأعمال الجديدة، سيصبح تقادم تلك الصناعات أمراً لا يمكن تجنّبه.

وقد بدا أن الشركات الصانعة ستكون بمأمن من ثورة الإحلال الهائلة التي غيّرت منتجات السلع الاستهلاكية وتكنولوجيا المعلومات وصناعات الخدمات المالية بشكل جذري؛ إلا أنّ الضغوط على الإيرادات والأرباح التشغيلية للصناعات الأساسية، مثل صناعة السيارات والتجهيزات الصناعية، تشير إلى أنها على وشك الدخول في مرحلة صعبة، وقد تكون قاتلة عند فشل تلك الشركات في استشعار مؤشرات الإحلال الشامل، وعجزها عن اتخاذ خطوات حاسمة في وقت مبكر.

وتكشف تحليلات الأداء لأكثر من 1200 شركة من الشركات المدرجة على مؤشر «ستاندرز أند بورز» ضمن ستة قطاعات من أكثر القطاعات ذات الأصول الكبيرة، أن القيادات فيها تواجه ضغوطاً مضاعفة وهو شكل منتشر ومتدرج من الإحلال الذي أنتج هبوطاً طويل الأمد على صعيد الأرباح التشغيلية والإيرادات.

وعلى سبيل المثال، حقق صانعو السيارات في العالم نسبة نمو مذهلة بلغت 35% بين عامي 2009 و2013، وارتفعت إيرادات أكبر 49 شركة لتصنيع المعدات الأصلية OEM من 1.34 إلى 1.81 تريليون دولار.

ومع ذلك، فمنذ ذلك الحين انخفض نموّ العائدات والأرباح، كما انخفض معدل النموّ السنوي الإجمالي بحوالي 1%، وهو المؤشر الأول إلى اتجاه الصناعة نحو هبوط سريع محتمل. وإذا فشلت الشركات في هذه الصناعات وغيرها من الصناعات الثقيلة في استشعار مؤشرات الضغوط ضمن أعمالها الأساسية، فمن المرجح أن تواجه انهياراً، بالتوازي مع استمرار هبوط إيراداتها وأرباحها. وتبدأ هذه الضغوط عندما تمرّ الشركات بفترة من الازدهار «الفارغ»؛ حيث تستمر إيراداتها بالارتفاع على الرغم من الركود في نسبة نمو الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك.

ومع تطوّر ذلك، تشهد الشركات تدهوراً كبيراً في الأداء، حيث تنخفض تلك الأرباح بمعدل أسرع من الإيرادات عاماً بعد عام، تلي ذلك فترة من الانتعاش القصير تمنح أملاً زائفاً بأن التحديات المتزايدة في الصناعة والأعمال يمكن إدارتها بالشكل المعتاد. وعند هذه النقطة، تقرّر بعض الشركات خفض أسعارها لكبح انخفاض الإيرادات. وبعد ذلك بفترة وجيزة، تتبعها مرحلة من الهبوط الطويل، تتجاوز كثيراً ما هو متوقع من مجرد تغير دوري بسيط للأرباح التشغيلية والإيرادات.

ولا يكمن خطر الإحلال الشامل في مجرد احتمالية تقادم الأعمال الأساسية للشركات فحسب؛ بل في إمكانية تقييد الاستثمار أيضاً ضمن الأعمال التجارية الجديدة ذات الصلة.

ومن المفارقة أنه حين يبدأ تراجع الأداء فإن استجابة الفرق الإدارية غالباً ما تؤدي إلى تسارع الهبوط بسبب الإخفاق في معالجة المشكلة الأساسية. ويُظهر الهبوط الكبير في أداء شركات النقل البحري مدى سرعة تغير حظوظها في ظل الإدارة قصيرة النظر.

فرغم تباطؤ النموّ في أعقاب الركود عام 2008، واصلت تلك الشركات استثمارها في سفن جديدة وكبيرة جداً لزيادة حجمها، وخفض تكاليف الحاويات. وتوقع مديروها التنفيذيون ازدهاراً لم يحدث أبداً في التجارة الدولية.

ونعتقد بأنه يتوجب على الشركات اليوم أن تتحوّل إلى كل ما هو جديد، ضمن مسيرة تأتي في إطار عمل واعٍ ومدروس لتجديد وتحويل أعمالها الأساسية، مع نموّها أيضاً ضمن أعمال وصناعات جديدة. وتحتاج هذه المسيرة إلى قادة قادرين على اعتماد توجّه حكيم في اختيار توقيت الاستثمارات، وحجمها وتوجّهها الصحيح في الأعمال الأساسية والجديدة.

والسؤال هو كيف يمكن للقادة التجاوب مع الإحلال الشامل؟ يبدأ التعامل مع هذه المشكلة من خلال تحويل الأعمال الأساسية بهدف تعزيز حجم الاستثمارات، ويتطلب ذلك إيجاد قدرة تنافسية أكبر، وتطوير هيكليات عمل أقل تكلفة. وقد تأتي القدرة التنافسية الكبيرة من اعتماد الموازنة على أساس التعادل، والبحث عن مصادر للتزوّد بالتقنيات السحابية والتشغيل الآلي الذكي على سبيل المثال. ويمكن استخدام الأرباح الجديدة في بناء وابتكار قطاعات أخرى للأعمال.

أما المرحلة الثانية من التحوّل فيمكن تجاهلها في كثير من الأحيان، إلا أن ذلك ينطوي على مخاطر عالية جداً.

وتحتاج المؤسسات إلى تعزيز زيادة النموّ في أعمالها الأساسية، وينبغي تركيز بعض القدرات الاستثمارية، فالتركيز على بعض البنى التحتية الرقمية، بما في ذلك التسويق الرقمي والتحليلات والتفاعلات على شبكة الإنترنت، يمكن أن يساعد على تقريب المؤسسات والعملاء، اعتماداً على الرؤى والاقتراحات التشغيلية الجديدة، ودفع عجلة النموّ في مجالات الأعمال الأساسية.

وعلى سبيل المثال، قد يحتاج الأمر إلى استراتيجيات بسيطة فقط لإضافة عروض مناسبة تنعش تلك الأعمال. وقد يكون التحدي الثالث من أصعب التحديات، حيث إن انتشاره لا يقتصر على الأعمال القائمة فحسب؛ بل يشمل الأعمال الجديدة أيضاً. ونجاح الشركات في مواجهة هذا التحدي يعتمد على قدرتها على إنشاء هيكل للإبداع ضمن أعمالها يستطيع إظهار مستويات النضج المختلفة لكلّ ابتكار، ويُمكّن الشركات من رعايتها وتنميتها.

أما الجزء الرابع، فأفضل ما يمكن وصفه به هو «التوجّه الحكيم» الذي يتجلّى في كيفية قيام الشركة بتحسين إدارة الاستثمار وتخصيص رأس المال مع الزمن، وإدارة تدفقات رأس المال من الأعمال الأساسية نحو الأعمال الجديدة، مع الحفاظ على التوازن السليم أثناء التحوّل بعيداً عن قلب العمل القديم.

فإذا كان توجّه الشركات في الانتقال من الأعمال القديمة إلى الجديدة سريعاً جداً، فسيكون فيها إفراط في الاستثمار، وتتسبب لنفسها بضغوط مالية. وفي حال كان ذلك التوجّه في التحوّل من القديم إلى الجديد بطيئاً جداً فقد تصبح الأعمال الجديدة قديمة بدورها.

وقد لا تعترف الشركات المعرّضة لخطر الإحلال الشامل بالتهديد الحقيقي الذي تواجهه.

فداخل هذه الشركات يعتقد أشخاص عديدون، بشكل خاطئ، أنهم محميون بفضل ما يملكونه من أصول، ويفترضون أن المنافسة قد تحتاج لاستثمار رأس مال كبير لمواجهة التحديات ، إلا أن تلك الممتلكات والأصول في حدّ ذاتها جزء من المشكلة، فهي غالباً ما تكون باهظة الثمن وغير مستخدمة. وإذا أصبحت قدرة الشركات على تحقيق الأرباح تفوق الالتزامات المترتبة عليها مثل: الديون، وعقود تشغيل الإيجارات، وخطط البرامج التقاعدية، فالشيء الأهم الذي ينبغي اعتماده لإنقاذ تلك الشركات هو الابتكار، فهو مفتاح النجاح في المستقبل.

* الرئيس التنفيذي للاستراتيجية، أكسنتشر

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon