رأس المال البشري: حقيقة أم وهم؟

الأزمات الاقتصادية التي تعصف بنا بين الحين والآخر تتفاوت في درجة تأثيرها في الأفراد والمؤسسات والدول. فتارة تختفي السيولة المالية من السوق وتتسبب في عجز الشركات عن إكمال عملياتها المرتبطة بالتمويل البنكي المستمر.

وتارة يتباطأ النمو حيث لا تستطيع الشركات الحفاظ على الزيادة السنوية للأرباح، وقد تؤدي إلى خسارتها في بعض الأحيان.

ويأتي تذبذب أسعار النفط أحياناً بأزمة تصدّ المستثمرين عن الثقة بالمستقبل وتجعلهم يقلصون مشاريعهم المختلفة. فبغض النظر عما تسببه هذه الأزمات من آثار سلبية على المؤسسات والدول، يظل أكبر الخاسرين هم الأفراد.

فبمجرد الإحساس بوجود أزمة تؤثر في الوضع المالي للشركات يقوم مديروها التنفيذيون بالشروع في مبادرات تخفيض التكاليف كي تقلل من أثر هذه الأزمات على وضعها المالي وتحميها من خطر الخسارة والخروج من السوق. لكن ومع النهضة التي شهدتها العلوم الإدارية على مر السنين يظل الحل الوحيد الذي يلجأ إليه المديرون ثابتاً ولا يتطور، وهو تقليص عدد الموظفين. فعلى ما يبدو لم تنفعنا كل ما توصلت إليه الأبحاث في علم الإدارة من أفكار ونظريات، حيث قرر الإداريون ضرب هذه الآراء بعرض الحائط والتمسك فقط بالحل الأزلي وهو تقليل القوى العاملة.

أصبحنا للأسف نعيش في زمن المفارقات. فمن جهة نُطلق على القوى العاملة بأحدث مسمى توصلت إليه العلوم الإدارية وهو «رأس المال البشري». وهذا يعني أن الأفراد يُعتبرون جزءاً لا يتجزأ من المؤسسات حالهم كحال رأس المال المالي ورأس المال العقاري الذي تملكه المؤسسات. ولكن من جهة أخرى وخاصة عند الأزمات التي تهدد رأس المال المالي للشركات يُعتَبَر الأفراد أرقاماً فقط يشكلون عبئاً على مؤسساتهم وبالتالي يتوجب تقليصهم من أجل الحفاظ على أرباح المستثمرين.

لسنا هنا بصدد تغيير مفاهيم الاستثمار؛ فمن حق المستثمر زيادة أرباحه وتقليص خسائره حتى لو تطلب الأمر تقليل القوى العاملة. ولكن دعونا نقيّم مدى فاعلية الحلول قصيرة المدى التي نتخذها والتي في معظم الأحيان تتمركز على مفهوم خفض التكاليف عن طريق تقليص العنصر البشري للمؤسسات.

نتائج هذه الحلول على المدى القصير قد تكون إيجابية ومفيدة للمستثمر؛ حيث تجعله يستمر في جني الأرباح حتى لو كانت أقل من المعتاد. وطبعاً هذا النجاح يتم تحقيقه بثمن باهظ وهو فقدان الكثير من الأفراد لوظائفهم. ولكن هذه هي قواعد زمن المال والأعمال الذي نعيش فيه.

وإذا تمعنّا في مدى فاعلية هذه الحلول التي توهمنا بالنجاح الدائم، نجد أنه مازالت الأزمات الاقتصادية تتكرر وبوتيرة أسرع من قبل. وأصبح أصحاب الأعمال بالكاد يستمتعون ببضع سنين فقط من الاستقرار المالي حتى يفاجؤوا بأزمة أخرى تدق أبواب محيطهم الاقتصادي. ومن هنا يأتي التساؤل عن جدوى التركيز على خفض التكاليف البشرية للمؤسسات كحل أساسي لمواجهة الأزمات.

المناخ الاقتصادي الذي نعيش فيه والتقلبات المتكررة تتطلب منا سلك المسار الأكثر صعوبة والذي يعطينا استقراراً طويل الأمد بدلاً من أنصاف الحلول التي أثبتت أنها لا تضفي علينا إلا مزيداً من التقلبات. وهنا يجدر بنا إعادة النظر في الجانب البشري عند تقييم أي حلول لمواجهة الأزمات. فبدلاً من جعل الأفراد أول ضحية لأي تقلب، فلنعد النظر ونتحلَّ بالشجاعة في اعتبار الأفراد جزءاً من الحل بدلاً من جعلهم جزءاً من المشكلة. وبهذه النظرة نكون قد آمَنَّا بلا شك أن الأفراد هم فعلاً رأس مال بشري.

وانطلاقاً من هذا الإيمان يجب علينا عند مواجهة أي أزمة أن نحاول في البداية توظيف هذه الكوادر لخلق قيمة إضافية يمكنها أن تساعد المؤسسات على مواجهة التحديات والتي قد تعطيها الاستقرار المَرجو ليس فقط على المدى القصير بل أيضاً على المدى الطويل. هذا هو أول سؤال يجب على المسؤولين الإجابة عنه قبل الشروع بتقليص التكاليف عن طريق تقليص الأفراد.

هذه النظرة المختلفة لن تساعد بالضرورة على إبقاء الوظائف في وقت الأزمات؛ ففي نهاية المطاف إذا لم تكن هناك حاجة لبعض الأفراد حتى بعد تغيير الشركات لطرق عملها، فالاستغناء عن خدماتهم تعتبر ضرورة ملحة لإبقاء المؤسسات في سوق العمل. ولكن يجب أن يكون هذا ليس بالحل الأول أو الوحيد كما يحدث حالياً. فقد حان الوقت لكي يبرهن أصحاب العمل عن حسن نيّتهم في تسمية الأفراد بمسمى رأس المال البشري.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon