النساء ومشكلة الاقتصاد

بالنسبة لمعظم الناس، فإن الاقتصادي هو رجل غامض وممل ونادراً ما يكون مهندماً، ويتسم بالثقة بنفسه بصورة غامضة، ويجري باستمرار مقابلات في الصحافة والتلفزيون، ويتحدث بصورة مختنقة بسلسلة من الكلمات عن نسب مئوية متفاوتة في الاقتصاد.

هل يمكن أن يكون مثل هذا الرجل خادعاً بصورة مزعجة؟ لقد بحثت دراسة أجرتها خريجة أميركية تدعى أليس وو (لفتت الانتباه أخيراً بصورة واسعة عندما تحدث عنها الخبير الاقتصادي البارز جوستين وولفرز) في الكلمات التي غالباً ما تستخدم لوصف الرجال والنساء من قبل مشتركين في منتدى عبر الإنترنت يرتاده بصورة كبيرة خريجو الجامعات، ويتحدث عن الاقتصاد والشائعات المتعلقة بسوق العمل.

وأظهرت الدراسة أن اللغة المستخدمة تجاه المرأة عادة ما تكون غير لائقة وازدرائية، على النقيض من الرجل الذي غالباً ما يوصف بصورة لائقة فيما يتعلق بالعمل الذي يمارسه.

ويشتهر هذا الموقع بأنه يؤمه في الغالب أشخاص متصيدون في الماء العكر، وقد استجاب شخص لإحدى الدراسات الجديدة المتعلقة بالعنف والكلمات غير اللائقة التي تواجهها النساء، واقترح تجاهل هذا السلوك نظراً لأنه لا يؤخذ على محمل الجد. صحيح أن ثقافة الإنترنت تواجه مشكلة بصورة عامة مع المتصيدين بالماء العكر.

فعلى سبيل المثال تعرضت طالبة الكلاسيكية في جامعة كامبريدج تدعى ماري بيرد أخيراً لهجوم شرس لأنها تجرأت على معرفة الشيء الكثير عن تاريخ بريطانيا أيام الإمبراطورية الرومانية، ولكن بغض النظر عن توجيه النصيحة للنساء بأن يلذن بالصمت عندما يتم التحرش بهن، إلا أنه لا يتعين أن يتم تجاهل هذه المشكلة في مهنة الاقتصاد.

وتجري الأمور على ما يرام باستثناء زاوية في أحد مواقع الإنترنت يستخدمها طلاب من خريجي الجامعات للسخرية من النساء.

أولاً، تشير الإحصائيات إلى أن النساء يشكلن 28% من طلبة الاقتصاد في الجامعات البريطانية، وقد تراجعت هذه النسبة الآن.

وتتقلص نسبة النساء الأكاديميات في هذا المجال مع كل زيادة في مستويات الأقدمية الوظيفية، وهذه مجرد إحصائية قد تتغير في أفضل الأحوال بمرور الوقت، وتعتبر هذه المقارنة غير محبذة في معظم التخصصات الأخرى، بما فيها العلوم الاجتماعية والطبيعية. وتبدو الإحصاءات الأميركية مشابهة لها.

وهذا التفسير ليس قدرة تحليلية فطرية، ولو كان كذلك، فإن العلوم الطبيعية ستبدو متشابهة في توازنها بين الجنسين. ويعتقد بعض الاقتصاديين أنها تعكس تفضيلات المرأة.

ولكن من المفضل افتراض أن النساء يفضلن التخصص في الآداب وعلم النفس بدلاً من أن يصدعن رؤوسهن بالأزمات الاقتصادية ونماذج الأعمال التجارية الرقمية. غير أن الفتيات في مقتبل أعمارهن يضاهين الرجل في اهتمامهن بأحوال العالم.

والافتقار إلى وجود أناس يقتدى بهم، ربما يلعب دوراً في هذا الشأن، نظراً لأن الطالبة المجدة المهتمة بالاقتصاد يمكنها بين الفينة والأخرى مطالعة بعض الصحف الاقتصادية مثل «فايننشيال تايمز» لمشاهدة امرأة تحظى بالسلطة والجاه (مثل كريستين لاغارد، مارغرت فستاغر وجانيت يلين). وإذا لم تكن محبطة من تخصص آخر، فإنها نادراً ما تضطر لحضور محاضرات الاقتصاد التي تلقيها امرأة في الكلية أو الجامعة.

وأحد الأسباب المحتملة في التسبب بذلك هو ثقافة الشخص. ولهذا السبب فإن اللغة المستخدمة في الموقع المذكور تلعب دوراً في ذلك. فالقائمون على هذا الموقع لا يمكن تحديهم، ولا يتوقعون أن يتحداهم أحد.

وفي حين أن بعض الاقتصاديين الناضجين من الرجال يحلمون بأن يتفوهوا بهذه الكلمات البذيئة، لكنهم أنشأوا ثقافة فكرية عدوانية وتواطأوا معها، وهي تتعاضد مع زميلاتهم النساء. وتشعر الأقلية أنها مخولة في استخدام مثل هذه اللغة لأنه مبالغ فيها بشأن ما يرونه.

ويتعين أن تشعر هذه الدراسة التي أجرتها الباحثة جميع الاقتصاديين من الرجال بالانزعاج الشديد، فعلى الأقل فإن التعاضد معهم يبدو تواطؤاً إذا لم تتوفر أي استجابة منهم. وقد تشوهت سمعة الاقتصاديين الآن، حتى بعد مرور عقد من الأزمة المالية، وهذا دليل جديد على أن التمييز المشوه لن يحسن هذا الأمر.

وهذه ليست مشكلة نسائية، بل مشكلة اقتصادية، وهي مرسخة بعمق في ثقافة ومعايير الانضباط، ويتعين على كبار الاقتصاديين أن يأخذوها على محمل الجد.

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon