الدور الأول لمونديال روسيا.. دروس ومشاهدات

أسدل الستار على الفصل الأول من مونديال بلاد القياصرة «روسيا».. منتخبات كانت في الموعد، وأخرى خيبت الآمال.. بلدان اكتفت بدور «الكومبارس»، وأخرى عاندتها ظروف المسابقة وافتقدت خبرة المواعيد الكبرى، لكنها كسبت احترام الجميع وركبت طائرة العودة والألم والخيبة يعتصران القلوب..

مونديال روسيا، نسخة مليئة بالدروس وعامرة بالعبر.. نسخة أبانت معدن البعض وفضحت مكامن ضعف البعض الآخر، وأظهرت أن خارطة الكرة العالمية تغيرت ولم يعد لمصطلح «الصغار» وجود..

نسخة كأس العالم المقامة حالياً بروسيا أعطت لكرة القدم بعداً آخر في الواقعية، وتكررت فيها مشاهد ألفناها وتعودنا عليها في نسخ مضت.. وحازت شرف أول نسخ المونديال استعمالاً للتكنولوجيا باعتماد الاتحاد الدولي لكرة القدم، تقنية الفيديو «VAR» لأول مرة.. بما لها من مزايا وما عليها من مساوئ..

مشاهد عديدة صورتها الذاكرة «المونديالية»، وتم تخليدها بأحرف نحتت بماء الذهب ليتم تصنيفها في الأرشيف، الذي مهما طال به الزمن لن ينسى وستعود الأجيال القادمة للبحث في صفحاته..

دروس عديدة وعِبر كتب لها أن تحكى في روسيا، منها من حاكت روايات شكسبير، وأخرى سارت على درب روايات الراحل دوستويفسكي.. ومنتخبات عزف على أثير سيمفونيات اللامحدود إبداعياً تشايكوفسكي على أرضه وبين أقرانه..

نظرية

وفي «البيان الرياضي»، آثرنا أن نقلب أطوار الفصل الأول من مونديال بلاد الروس ونخط لكم سطوراً عامرة بدروس مستنبطة بحكمة.. نضعها بين أيديكم لنبحر معاً في عوالم «المونديال» الروسي الشيق.. خريطة الكرة تغيرت.. ولا مكان للصغار في قاموس المونديال.

كرست كأس العالم في نسختها الحالية ببلاد الروس نظرية اختفاء أو انقراض مصلح «الصغار»، وتواصلت ظاهرة تغير خارطة الكرة العالمية، باختفاء القوى التقليدية وانصهارها مع المجموعة.. وأضحت أسماء كانت في الأمس القريب تصطف في طابور الصغار تنافس أمماً وتطيح بأخرى اعتادت ارتداء عباءة المجد والتألق..

في بلاد القياصرة، أصبح تجاوز دور المجموعات يعتبر بمثابة إنجاز لأمم عظمى.. فمن رأى أسطورة الماضي والحاضر دييغو أرماندو مارادونا يقاوم دقات قلبه المتسارعة، واقفاً على قدميه في مدرجات ملعب مدينة سان بيترسبورغ، باحثاً عن مساحة أمل وساعة انفراج لرفاق عراب الأرجنتين الجديد ليونيل ميسي أمام نسور نيجيريا، التي أدخلت الأرجنتينيين دوامة الشك، وجعلتهم يعيشون أوقاتاً مريرة بطعم العلقم، قبل أن يأتي الفرج بقدمي الشيطان الأحمر ماركوس روخو.. وأطلقوا العنان لفرحة وسعادة غامرة لو رأتها العيون دون دراية بالأحداث، لخيل للبعض أن جِيل ليونيل ميسي حقق المعجزة وأعادوا حِياكة أسطورة دييغو أرماندو مارادونا وقائد السفينة كارلوس بيلاردو بمكسيكو.. لكن لا هذا ولا ذاك، فما هو إلا عبور بعسر لأولى الأدوار..

أول الدروس كانت صريحة وواضحة.. عذراً، كلنا سواسية، والبقاء للأجدر.. لأصحاب «الحافلات» رأي آخر..

اكتشاف

تعددت الخطط والتكتيكات، وأضحت كرة القدم من العلوم الحديثة التي تدرس.. أعيد اكتشاف خطط طويت في صفحات التاريخ، وعادت «الكاتيناشيو» في حلة وصبغة جديدة، بأبطال وشخصيات مختلفة، وإخراج يحاكي ما خطه «التاريخي» هيلينيو هيريرا في ستينات القرن الماضي..

في زماننا هذا وعصرنا الحالي، تغيرت الأسماء وأصبحت خطة «الحافلة - The BUS»، من أبرز مبادئ الكرة الحديثة القائمة على الاندفاع البدني وتحصين الدفاعات..

ومن أبرز مشاهدات الدور الأول لمنافسات كأس العالم المقامة حالياً بروسيا، اتضح جلياً أن أصحاب الكرة الجميلة يقفون مشدوهين أمام التنظيم الدفاعي والالتزام التكتيكي المحكم لمنتخبات اعتمدت نظام وتكتيك «الحافلة» لتحصين القلاع وضرب الخصوم بالهجمة المرتدة التي أضحت تعد بمثابة سلاح قاتل وفتاك لكل المنتخبات والفرق التي تحتكر الكرة وتبحث عن الفرجة والإبداع.

ما قدمه رجال المدرب البرتغالي كارلوس كيروش في النسخة الحالية من المونديال من التزام تكتيكي وحنكة ومهارة في تطبيق الخطة السالفة الذكر، جعلهم يضربون الخصوم ويقفون أمام مدارس كروية عتيدة، ونجوم لا يشق لها غبار من قيمة منتخبات إسبانيا والبرتغال..

طريق

لخطة «الحافلة» عشاق ومدارس كثيرة.. ونسيان الثورة الاسكندنافية لأصدقاء «المغرور» الغائب زلاتان ابراهيموفيتش سيعتبر ضرباً من الإهانة.. ما قدمه المنتخب السويدي إلى غاية اللحظة في مونديال بلاد الروس يعطي الحق لمدربهم الذي أدار ظهره للسلطان، الذي كان سيكون بمثابة عبء على المجموعة، ولن يساهم في إنجاح مخطط «الحافلة»..

السويد.. منتخب واقعي يلعب على حدود إمكانياته ويعرف جيداً ما يريده من المباريات، شق طريقه بصمت إلى ثاني الأدوار في مجموعة عرفت سقوط الألمان الذين أعلنوا حالة حداد على كرة القدم في بلاد المانشافت. وقدمت المنتخبات التي اعتمدت هذا النهج الخططي درساً للجميع مفاده.. النتيجة للملتزمين تكتيكياً والاستحواذ للآخرين..

مشاهد

لم يعد للنتائج الكبيرة مكان إلى ما نذر.. ولنا في بعض نتائج المنتخبات العربية وبنما خير مثال، إذ خسر منتخبا السعودية وتونس على التوالي أمام روسيا وبلجيكا وبالخمسة، ولم تشأ مصر أن تخرج عن القاعدة وسقطت بالثلاثة أمام البلد المنظم في مشاهد محزنة فتحت الباب على مصراعيه للبحث عن مكامن الخلل التي ساهمت في هذه الخسارة.

تعددت القراءات حول ندرة النتائج الكبيرة، وحول خسارة هذه المنتخبات، وكانت الحقيقة واحدة وهي ضعف المردود البدني لهم مقارنة بخصومهم، إذ ظهرت المنتخبات بلا حيلة ولا قوة لمضاهاة خصومهم فأدى الانهيار البدني إلى هز شباكهم في مرات عديدة وبطرق مختلفة.. تفنن خلالها الخصوم في دك الشباك وتصارع المهاجمون على صدارة الهدافين، انطلاقاً من «هاتريك» نجم توتنهام الإنجليزي هاري كين في مرمى بنما ومروراً بثنائية البلجيكي لوكاكو في مرمى نسور قرطاج، ووصولاً إلى ثنائية «الملكي السابق» دينيس تشيريتشيف في مرمى الأخضر السعودي.

فاكهة

قدم منتخبا المغرب والبيرو دورة محترمة بكل المقاييس، إذ لاقى الأداء الذي قدموه استحسان جميع المتتبعين رغم خروجهما من الدور الأول لمنافسات كأس العالم بروسيا.

وكان المنتخب المغربي فاكهة المونديال الحالي نظراً لما قدمه من مستوى محترم في جميع المباريات، وخاصة أمام البرتغال وإسبانيا، إذ أبان أسود الأطلس عن وجه لامع فاجأ جميع المتتبعين، وجعلهم يصفقون لهم، لولا نقص الخبرة وبعض الأمور الأخرى.. لبصم الأسود على إحدى أكبر المفاجآت في مونديال روسيا بإسقاط إحدى الكبيرتين البرتغال أو إسبانيا..

ثوب

في كل نسخة من نسخ البطولات الكروية الدولية والقارية، يبحث المتتبعون عن المنتخب أو الفريق الذي يرتدي ثوب المفاجأة السارة أو يحمل «اسم» الحصان الأسود.. وفي نسخة روسيا الحالية، يبدو أن المنتخب الكرواتي قد أعلن عن نفسه مبكراً بحصده للعلامة الكاملة في مجموعة ضمت إلى جانبه منتخبات قوية على الورق. وتمكن رفاق «عازف الألحان» الملكي لوكا مودريتش من إسقاط الخصوم الواحد تلو الآخر، بالنتيجة والأداء، وبصموا على فصل أول دون أي خطأ يذكر، إذ لقنوا المنتخب الأرجنتيني درساً من دروس كرة القدم الحديثة وفازوا عليه بثلاثية نظيفة، جعلتهم حديث العالم بأسره.

تقنية

سمح الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» للتكنولوجيا باقتحام دواليب وعالم كرة القدم من خلال «تقنية الفيديو»، التي تم اعتمادها لأول مرة في بطولة دولية كبرى من قيمة كأس العالم لكرة القدم.

وفور اعتمادها من طرف «الفيفا»، بدأت «تقنية الفيديو» تخلق صدى كبيراً ومدوياً في دهاليز المنتخبات المشاركة، ومنهم من احتج بشراسة، متهماً إياها بتغيير وتحديد مصيره، وهو ما حدث مع المنتخب المغربي الذي ودع البطولة على وقع الاحتجاجات التي رافقت مبارياته أمام البرتغال وإسبانيا، إذ أجمع العديدون على أن تقنية الفيديو قتلت المغاربة وساهمت بقدر كبير في كبح جماح أحلامهم الواسعة.

تعليقات

تعليقات