روسيا وإنجلترا.. حرب باردة في المونديال!

ألقت الأزمة السياسية بين روسيا وبريطانيا بظلالها على مونديال 2018 وتحول إلى ملعب لحرب باردة تدور رحاها في صمت، ودون دوي قنابل ومدفعيات وهدير طائرات عسكرية وصواريخ.

ولكن روسيا وبريطانيا وحدهما تعرفان حجم الهجمات والهجمات المرتدة. ولئن سعت المملكة المتحدة إلى تقليص تمثيلها في العرس المونديالي بمنع الشخصيات السيادية من الحضور وحرمان عدد كبير من الجماهير من السفر، بعدما حاولت عدم المشاركة بمنتخبها في البطولة مجندة دولاً أوروبية أخرى للمطالبة بسحب العرس الكروي من روسيا، فإن الرد الروسي كان قاسياً.

فقد عمدت إلى تجاهل الإنجليز في المونديال والاكتفاء بتقديم الخدمات الضرورية لمنتخب الأسود الثلاثة احتراماً لمطالب «فيفا». الجماهير الإنجليزية غير مرحب بها من طرف الروس، حتى أننا لا نكاد نلمح مشجعين إنجليز في الشوارع المزدحمة بمناصرين لمختلف منتخبات كأس العالم.

وقد بلغ التجاهل الروسي للمنتخب الإنجليزي درجة مقاطعة القنوات المحلية لمبارياته. فالقنوات الروسية المتخصصة في الرياضة تبث كل مباريات المونديال ولكنها تجاهلت مباراة إنجلترا وتونس وفاجأتهم بإعادة مباراة البرازيل وسويسرا.!

وكانت العلاقات بين بريطانيا وروسيا تدهورت في أعقاب واقعة تسميم عميل المخابرات الروسية المزدوج سيرجي سكريبال وابنته يوليا في جنوب بريطانيا بغاز سام.

طمس

طمس التلفزيون الرسمي الروسي صورة مبنى السفارة البريطانية في العاصمة الروسية موسكو، في فيديو عن بطولة كأس العالم 2018

ووضعت محطة «بيرفي» بدلاً من صورة السفارة، صورة كاتدرائية مدينة سارانسك.

وكان الفيديو قد أذيع، قبل مباراة افتتاح المونديال بين المنتخب الروسي ونظيره السعودي، وظهر خلال الفيديو انطباعات عن العاصمة الروسية، ولم يقتصر هذا التغيير على مبنى السفارة البريطانية، الذي جرى افتتاحه في عام 2000 على ضفاف نهر موسكفا، بل امتد الأمر كذلك إلى نصب تذكاري ضخم، ظهر مكانه صورة لمدينة موسكو.

وكتبت وسائل التواصل الاجتماعي أن هذا التصرف فُهِمَ على أنه طعنة ضد بريطانيا، علماً بأنه قد تم منع عمل المركز الثقافي البريطاني في روسيا.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد في كلمة خلال حفل الافتتاح بملعب لوجينكي على ضرورة فصل المونديال عن السياسة.

سلامة

وإذا كان السفير الروسي في لندن أكد على ضمان سلامة الجماهير الانجليزية في كأس العالم، فإن الجماهير الانجليزية لم تسافر إلى روسيا إلا بأعداد قليلة.

وأضاف ألكسندر ياكوفينكو «تم اتخاذ كل الإجراءات المطلوبة. المسؤولون البريطانيون تواصلوا مع المسؤولين الروس لضمان سلامة كل الجماهير والبريطانيين في روسيا».

لكن مارك روبرتس نائب رئيس شرطة كرة القدم في بريطانيا أشار إلى أن الحضور الجماهيري الانجليزي أقل بكثير من البطولات الأخرى، وهو ما تجلى بوضوح في المباراة الأولى بين تونس وانجلترا.

توتر

وبلغ التوتر في العلاقات البريطانية الروسية ذروته قبيل المونديال، والقت السياسة بظلالها على الرياضة حيث قالت رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي إن الوزراء وأعضاء العائلة الملكية لن يسافروا إلى روسيا لحضور كأس العالم، وهو ما تم بالفعل في المباراة الأولى على ملعب فولغوغراد التي جمعت بين منتخبي نسور قرطاج و الأسود الثلاثة.

تصريحات

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، للقناة الخامسة الروسية: حاولت بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية سحب أو إفشال المونديال الروسي. كان هذا الهدف الرئيسي لهم، ولكنه حلم بعيد المنال. ها هو المونديال يقام هذه الأيام ب 11 مدينة روسية، لقد خاب أملهم.

وأوضحت زاخاروفا: «لديّ انطباع بالفعل، بأن بعض الدول الأوروبية حلمت وسعت لحرمان روسيا من تنظيم بطولة كأس العالم، بكل السبل»، وأضافت أن كل الاهتمام الآن منصب على إنجاح العرس الكروي العالمي.

تراجع

وأعلن وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون ، قبل أسابيع قليلة من صافرة بداية المونديال، أن المقاطعة الدبلوماسية البريطانية لبطولة كأس العالم لكرة القدم في روسيا، لن تنعكس على مشاركة المنتخب الإنجليزي في الحدث، معتبراً المقاطعة عقابا للمشجعين وليس لروسيا. وقال جونسون: مقاطعة المونديال يقررها اتحاد كرة القدم وليس الحكومة وذلك بناء على قوانين الاتحاد الدولي لكرة القدم.

قواعد

وتنص المادة 6 من قواعد الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» على أن الدولة المنسحبة تواجه عقوبات صارمة بما في ذلك الحرمان من المشاركة في المونديال اللاحق.

انسحاب

وتهديد انجلترا بالانسحاب، قبل أن تتراجع وتشارك بصفة رسمية حيث فازت في المباراة الأولى على تونس 2-1، ليس السابقة الأولى من نوعها التي تنسحب فيها بلاد الإنجليز من تظاهرةٍ رياضيةٍ كبرى، تُنظم في روسيا، فكانت المرة الأولى عام 1980، إبان الحرب الباردة بين المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة، والمعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي. وانسحبت بريطانيا من المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية عام 1980، والتي احتضنتها العاصمة الروسية موسكو، بسبب الخلافات السياسية بين لندن وموسكو، لتدفع بعدها الرياضة البريطانية ثمن ذلك بالحرمان من المشاركة في الدورة الموالية التي استضافتها مدينة لوس أنجليس الأميركية ولو أقدمت إنجلترا على خطوة الانسحاب من كأس العالم، فإنها كانت ستتعرض لعقوبات رادعة من قبل الاتحاد الدولي «فيفا»، والتي من بينها الحرمان من المشاركة في النسخة المقبلة لكأس العالم.

شبح

واشتهرت الجماهير الانجليزية بأنها الأكثر شغبا وإثارة للمشاكل في أوروبا قبل أن تنجح الشرطة البريطانية في محاربة الأمر.

لكن الأحداث التي شهدتها مدينة مرسيليا الفرنسية في يورو 2016 أعادت الحديث عن الشغب بين الجماهير الانجليزية مرة أخرى لكن هذه المرة بإضافة الجماهير الروسية.

واشتبكت جماهير إنجلترا مع بعض الفرنسيين خلال بطولة أمم أوروبا الأخيرة عام 2016، لكن الاشتباكات الأبرز كانت ضد الجماهير الروسية قبل مباراتهما التي انتهت بالتعادل 1-1 . وقبل أشهر من انطلاق كأس العالم، اجتمع مسؤولو الشرطة البريطانية مع نظرائهم في روسيا الذين حضروا مباريات عدة في الدوري الانجليزي لمعرفة كيفية تعامل الشرطة مع الجماهير.

تلميع

وتأمل روسيا هذه الأيام من خلال المونديال في تحسين صورتها الرياضية بعد فضيحة المنشطات التي ضربتها قبل أولمبياد 2016 في ريو دي جانيرو.

وفضح تقرير للجنة مستقلة بطلب من الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات وجود عملية ممنهجة لتناول المنشطات في أولمبياد سوتشي الشتوية في 2014، وهو ما أدى إلى حظر مشاركة روسيا في اولمبياد ريو .

تعليقات

تعليقات