رفعت الجلسة

تخطفنا عدسة الحقائق لتلتقط لنا صوراً حالكة تكشف لنا عن ألغام فكرية زرعت في عقول بعض البشر، لنجدها تنفجر أمام أفكار وآراء الآخرين بصورة وحشية يحيكها شخص أعماه فكره المتخلف، ليجد أن العالم كله يقف صفاً بين يديه، ليسقط البعض في فخاخه المعقدة الذي نصبها بتعصبه تجاه البعض وفرض معتقداته دون مناقشة البدائل المتاحة لوضع المجني عليه في سجنه الأبدي.

يعمل هذا الشخص المتعصب على رسم كمين متخفٍ في مخيلته المتحجرة، حتى يسكت الطرف الآخر ويقنعه بأن رأيه هو الأصح، ويقفل جميع الأبواب المؤدية للنقاش حول المسألة، ليبقى اسمه مختوماً في ساحات النصر الوهمية.. هكذا نجد أنه يسلط الضوء حول مواضيع معينة وآراء ثابتة يخطو بها بعكازته ذات الطراز الباهت، ليصل إلى الهدف المحدد، ليتم التقوقع حول تلك النقطة، حتى يشتت العقل الآخر ويعمي بصيرته الفكرية، لتسيطر مشاعر الاستسلام عليه ليقف وحده بزاوية لا يستطيع بها الرد ولا الصد عن الرأي المخالف.

يشكل هذا النوع من الصراع السلطوي إلى الانغلاق الفكري، حيث يتم فيه حبس الآراء خوفاً من الدخول إلى معارك دامية قد تهلك عقول الآخرين البريئة بأفكار ومشتتات ذات النمط المعقد، ما يفرح الشخص المتعصب بجعل الآخرين يطربون على أنغام وتيرته الصاخبة.

تؤدي ظاهرة التعصب إلى العديد من المخاطر التي قد تجرُّ مجموعة من فئات المجتمع إلى تلك المصيدة، ما يزعزع ثقة البعض وتتغير معتقداتهم وثوابتهم الفكرية تحت عناوين زائفة ليس لها معنى. تستمر هذه الآفة في حقن العديد من الناس بسُمّها القاتل لرميهم في حفر عميقة لتغيير أصولهم وفكرهم نحو الطرق المنحدرة.

لا بد من التنويه إلى أن هذا الداء لم ينتشر صدفة، بل هناك الكثير من الأسباب والدوافع التي أدت إلى التعصب، مثل نرجسية النفس، حيث تجد هذه الفئة تلعب بأصابعها على الجميع بهدف إرضاء الذات، ما يشكل حرباً داخليةً بين المتعصب وذاته حتى يصل إلى درجة الكمال، ولكن هيهات أيها الشخص المتعصب، فالكمال محال، وما الكمال إلى لله جل جلاله.

تلعب التنشئة الاجتماعية دوراً في تكوين شخصية المتعصب، حيث إن التمييز العنصري للألوان والأشكال والأعراق بين أفراد الأسرة يؤدي إلى تضخيم روح التعصب والعنصرية التي قد تدخل الشخص في متاهات وأوكار سرمدية المدى، حتى يجد نفسه معلقاً في مشنقة أفكاره الهدامة.

نقص الوعي المجتمعي حول أنماط التعامل مع الرأي المعاكس قد يؤدي إلى تراكم الخلافات بين الأفراد، وضياع الأهداف التي قد تجعل الشخص تائهاً لا يجد من يستند عليه ليعود كما كان. قد تستمر هذه الحرب الصارمة بين الأطراف ولكن إلى متى؟! إلى أن نسمع صدى مطرقة القاضي، ليهتف لنا بصوت عالٍ: رفعت الجلسة يا سادة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات