وقفة احتجاجية!

وقف مُتَسمّراً في مكانه رافعاً جناحيه للأعلى، حسبته لوهلةٍ مجرد تمثال، لكن غضبه كان متجمداً على ملامحه الحزينة، كفارس عاد من حرب طاحنة، يمتطي فرسه الذي انصهر من ضراوة المعركة، والمشهد درامي باحتراف داخل صندوق «زجاجي حي»، بارك الله في كلمة «حي» التي توقظ المشهد على ذهول!

إليكم القصة: تجمهر الأطفال حول قفص البطاريق في حديقة الحيوان بزيورخ السويسرية، وكأنه طائر فينيق سيتحول لرماد بعد وهلة، اشرأبت كل الرؤوس لمشاهدة مشية البطريق الفريدة، لكنه لم يتحرك قيد أنملة!

استمر برفع جناحيه وكأنه يقول: «تحركوا قليلاً لتكتشفوا الحقيقة»، فلقد كان بجانب عنابر البطاريق المبردة، الصندوق الأسود الخفي الذي كان يحاول البطريق بشتى الطرق جذب الانتباه إليه، وهو عبارة عن شريط متري مبتكر، يبين الملوثات البلاستيكية وألعاب الأطفال ومخلفات الصيد وغيرها، فكلما مشيت بيّن لك الشريط المتري ما استخلصته الجمعيات البيئية في سويسرا من ملوثات، كانت وجبة مسمومة للأسماك والدلافين والسلاحف البحرية، وقلائد موت على جيد الفقمات، وثقباً أسودَ بدأ بابتلاع الجبال الجليدية على ذهول العالم كله.

وبجانب الشريط المتري، ثمة معمل صغير، يبيّن دور الجمعيات العلمية التطوعية في سويسرا في اقتحام الأعماق وتنظيفها من هذه القنابل الموقوتة، وكيف تستطيع أن تكون متطوعاً لحماية البيئة البحرية، حيث نال قسم «ضحايا الكائنات الحية» التي تجرعت ويلات إهمالنا، والتلوث الذي نحدثه كل يوم، اهتمام السياح والقسم الأكثر ازدحاماً، الكل هناك كان يريد أن يتعلم ويتطوع ويشارك.

نحتاج أن نجسد هذه التجربة المبتكرة في حدائقنا، ليس فقط بتوفير معلومات عن كل حيوان، بل بخلق وعي عميق بكيفية الحفاظ على التنوع البيولوجي ومُجابهة الاحتباس الحراري، فالتوجيه بهذه الكيفية يخلق في ذواتنا شعوراً بالمسؤولية، ليصافحنا البطريق مجدداً ويَعدِل عن وقفته الاحتجاجية!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات