أين ذهبت الموسيقى؟

وجدت أن بعض الأشياء المرتبطة بالحواس، خصوصاً حواس السمع أو التذوق أو الشم قد تعيدنا إلى تجربة سابقة، فقد يتذوق المرء نوعاً من الطعام ويشعر في تلك اللحظة أنه عاد إلى زمن بعيد، قد يعيدك إلى مرحلة الطفولة أو إلى مكان آخر، وقد تسمع موسيقى فتجد نفسك تعيش في لحظات مجمدة منذ زمن آخر، أو قد تشم رائحة تحملك إلى مكان تعرفه، العقل يستعيد الأشياء المحببة، ويبدو أن تلك الأشياء قد تحفز العقل لبث الشعور بالسعادة لدى الفرد.

ذلك يعني أنه يمكن الحصول على جرعة من السعادة التي تكمن في تلك الأشياء البسيطة، لكن العقل البشري معقد جداً وفي كثير من الأحيان لا تفهم متطلباته، فما الذي يجعلنا نستمع مثلاً لموسيقى تعود لستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أو أن نترك طعاماً شهياً في أرقى المطاعم ونفضل عليه طبقاً شعبياً رخيصاً؟

هل هو الحنين للماضي، رغم أن الحاضر أفضل دائماً، لكن هناك حنيناً للماضي بكل ما فيه من جمال أو قسوة؟

عندما أجالس والدتي، أطال الله في عمرها، تحكي لي دائماً قصصاً وحكايات عن الماضي الذي يملؤه الشقاء وشظف العيش، لكن مع ذلك كان الناس يحصلون على الهناء والسكينة عبر أشياء بسيطة، ربما تكمن لذة العيش إذاً في البساطة!

ما الذي حدث؟ ما الذي جعل حياتنا بهذا التعقيد؟ وما الذي غير الأذواق؟ تفتح على مذياع السيارة بحثاً عن موسيقى أو أي شيء جيد تسمعه فلا تجد شيئاً يستحق، الإذاعات في غالبيتها تحولت لما يشبه مجموعات الواتساب التي يبث فيها أي شيء وكل شيء وليس مهماً فيه الجودة أو المصداقية، القنوات الموسيقية لا تبث سوى ضوضاء يطلقون عليها موسيقى، وقد يقال لك إنه ذلك المطرب الشهير الذي لم تسمع باسمه من قبل، أين ذهبت الموسيقى التي تهذب الأذواق وترتقي بالذائقة العامة، من غير الموسيقى، من غير كل شيء جيد، من ذا الذي يعبث بالذوق العام، فقس على ذلك، في التلفزيون وفي السينما العربية، بل قد يمتد الأمر إلى أبعد من ذلك، فيصل إلى العادات والتقاليد أو الثقافة المجتمعية بشكل عام، وهذا ليس في مجتمعنا فقط بل الأمر بات بمثابة ظاهرة عالمية، هل نلوم العولمة، أم نلوم أنفسنا؟

قد نتساءل، ما الذي يمكن أن يحفز عقول أجيال اليوم، لكنهم ربما لا يبحثون عن السعادة في التفاصيل الصغيرة، ربما لأن لكل جيل أشياءه الخاصة، وذكرياته الخاصة، فموسيقى اليوم، مثلاً، لا تصلح لأمثالي وهكذا.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات